مقالات سياسية

عندما كانت السينما مدرسة لمن حرموا من التعليم النظامي

د. فراج الشيخ الفزاري

وبعد كل هذا الغياب… هلا فكرنا في أهمية هذا العالم السحري من الذكريات؟ بوابة الثقافة الجماهيرية المتنقلة من أقصي بلاد الهند العتيقة، الي  رحاب

 بلاد الفرنجة الحديثة… وما بين هذا وذاك من سهول وهضاب ، وجبال وشعاب، وبحار وسحاب وخيالات تأسر الالباب ؟

السينما، وصناعة السينما ، ورغم كل ذلك التقدم والتطوير الذي أصاب وسائل الاتصال الحديثة ، حتي أصبح العالم شاشة داخل غرفة نومنا…لازالت هي محبوبة ومرغوبة وجامعة الأسر في الاوقات السعيدة…تسعي اليها سعيا اينما وجد الفلم والبطل المحبوب عربيا كان او أجنبيا…لا فرق.

وتلك ايضا كانت أيام السينما عندنا في السودان.. معشوقة الجماهير … بين روادها تكثر القفشات والضحكات والقصص والغراميات للابطال والبطلات بين المراهقين والمراهقات…

كانت السينما المتجولة اولا..ثم دور العرض الثابتة في العاصمة المثلثة، والمدن الكبري في بقية الولايات ..من أهم وسائل الترفيع في ذلك الزمن الجميل..حيث تم عرض اول فلم متحرك في السودان عام 1912 ، ثم في افتتاح سينما كليزيوم بالخرطوم وعرض اول فيها امام الجمهور عام 1935…وظلت كليزيوم قلعة اشعاع ثقافي وتنوير معرفي حتي خربها ( هادم اللذات من بني كوز) وتحويل الدار الي مقرا لاحدي البنوك المالية وقد اصابها من التخريب ما أصابها..

وجمهور العاصمة بالذات، لا زال يتذكر اسماء دور العرض التي كانت… في العاصمة والأقاليم… فقد كان لها ايقاعا من الابداع في حياته وحياة الاسر. .. خاصة أيام الاعياد والعطلات الرسمية… ويعرف أين يوجه بوصلة قبلته. .. كليزيوم كانت مشهورة بالافلام الأمريكية حيث عاد ويعود ( ديجانجو) عشرات المرات…. النيل الازرق كانت مشهورة بالافلام الاوروبية خاصة الفرنسية ولازلنا نتذكر فلم ( قصة حب) وهو انتاج أمريكي للكاتب الفرنسي ( اريك سيغال) وبطولة ( ريان اونيل) و( الي ماكغرو)…

ثم سينما النيلين بالديوم الشرقية حيث أشهر واحدث الافلام الهندية.. وهناك سينما غرب… وسينما الحلفايا ثم سينما امدرمان الوطنية.

أما في الاقاليم. فهناك سينما ( عروس الرمال) بمدينة الأبيض..و(سينما شندي الجديدة) التي عرضت علي شاشتها الفضية اول فلم عربي لانور وجدي… عام 1952..

وكذلك الحال في كسلا ومدني وبورتسودان وغيرها من المدن السودانية حتي بابنوسة في أقصي ولاية غرب كردفان التي تبعد عن الخرطوم ميئات الكيلومترات…

: عالم السينما في السودان…كان عالما زاخرا  بالبهجة والسرور  … كان مفتوحا تقصده كل طبقات المجتمع… لا فرق.. ولعل اكثر هذه الطبفات تميزا بالفرح والسعادة .. هم أبناء الأسر الفقيرة التي هاجرت من الاقاليم للعمل بالخرطوم… فلم يجدوا العمل الا في الحرف الهامشية بسبب عدم التعليم..فاضطرتهم ظروف الحياة القاسية للعمل في الاسواق والكراجات وغسيل السيارات … وغيرها… تركوا المدرسة مرغمين ومجبرين فأصبحوا من (الشماشة) وما هم بشماشة  او (أولاد شوارع) ولكنهم فتية وصبية أحبرتهم فرص التعليم الطاردة بأن يكونوا كذلك.

ما أكتسبه هؤلاء الصبية ، بالذات، وبسبب ادمانهم المستمر ، لدخول السينما ومشاهدة ذلك الكم الهائل المتنوع من الأفلام، حصولهم علي معارف وقدرات وثقافات متنوعة، ربطتهم بعوالم متطورة في كل شيئ ، وعوضتهم السينما بما حرموا من تحصيله في المدارس النظامية …فأصبحت السينما هي اامدرسة والمعلم البديل لبوابة المعرفة ..وأعرف صبية في(  سوق السجانة القديم) كانوا يجيدون اللغة الهندية بطلاقة يحسدونهم عليها..وكذلك تسريحات الشعر وتقليعات الملابس والاحذية الجلدية ..بل وأدب المخاطبة والاعتذار كما يفعل الابطال..

أتمني، ونحن نتطلع نحو الغد المشرق ، بعد هذه الثورة العظيمة، لنا ولأجيالنا القادمة، أن تعيد الدولة للمجتمع، أيام احتفالاته الجميلة ، ومنها عودة النشاط السينمائي ، ممثلا في كل مؤسساته وبنياته التحتية..

 وبالضرورة اعادة الملكية لدور السينما وفتح المجال أمام القطاع الخاص للعمل بعد ازالة كل المعوقات القديمة…واعتبار عودة النشاط السينمائي بمثابة ( عودة الوعي) للحياة الثقافية ، ضمن المرتكازات المحورية لمشروع الثقافة المجتمعية لكل قطاعات الشعب السوداني.

 [email protected]

تعليق واحد

  1. بألفعل دكتور فراج السينماء و دورها كانت من أهم المرافق الثقافية فى السودان, حاربها نظام الانقاذ لأنه كان يخشاها كوسيلة استنارة قد تغوض محاولاته فى اعادة صياغة الانسان السودانى بما يراه النظام, فعمل على وأدها حتى تخلو له الساحة من أى موءثرات قد يراها خطرا على توجهه الحضارى المزعوم, وفعلوا نفس الشيئ عندما أخذوا فى مطاردة الناس ومصادرة اجهزتهم لمنعهم من مشاهدة القنوات الفضائية الخارجية, دور السينماء كان لها دور كبير فى التثقيف و الارتقاء بمستوى الوعى لدى عامة الناس مما أثرى المعرفة بألعالم من حولنا والالمام بحياة و تطور الشعوب, وكانت السينماء أيضا وسيلة الرفاهية التى يتقاسمها الغنى و الفقير, فى عهد الثورة الجديد يجب اعادة مكانة السينماء كما كانت وعلى وزير الثقافة و الاعلام أن يضع ذلك فى خانة أولوياته.

زر الذهاب إلى الأعلى