أخبار السودان

بوتين… ومأزقه السوداني

ما حدث بين مصر السادات وكرملين الترويكا بريجنيف – كوسيغن – بودغورني، على أهبة اكتمال حدوثه بين كرملين بوتين وحُكْم الشراكة المدنية – العسكرية في السودان. في الحالتَيْن الجامع المشترَك للمسببات يكمن في الموقف الأميركي.

عندما لم تقرأ الإدارة الأميركية ما أراده عبد الناصر منها في بدايات حكمه فكان الحل التوجه شرقاً سلاحاً وتصنيعاً وتسهيلات لم يحلم بها الاتحاد السوفياتي منذ قيامه، فإن الإدارة الأميركية لم تشد على يد الرئيس عمر البشير الممدودة حاملة ورقة إخراج «سودانه» من العقوبات الجائرة المفروضة عليه وأنها إذا فعلت ذلك فستجد من نظامه ما تطيب له نفْس العم سام الأمارة بالاحتواء وضم الدول ذات البُعد الاستراتيجي في العالم إلى «الأجندة الأميركية».

وكانت هنالك ورقة بين يدي البشير تُسيل لعاب أي دولة عظمى، وبالذات أميركا، وهي ورقة الوجود الصيني المستقر نسبياً في السودان، الذي حصر نفسه منذ أن شقّ طريقه إلى الدولة البوصلة بين العالم العربي والعالم الأفريقي، باهتمامات لا تثير الحساسيات تجمع بين التنقيب عن النفط والاستثمار فيه وبين الطب الصيني بكل أنواع الوخز بالإبرة وتنظيف الرئة ووجع الغضروف والمعدة بالعشبيات وتخليص الأبدان من الآلام بوصفة الكؤوس يتم إلصاقها على نقاط في الأبدان وإخراج نقاط من الدم الفاسد من أمكنة الألم في هذه الأبدان. ولأن استراتيجية على هذه البساطة مقرونة بتواضع الصيني وعنفوانه صفتان لدى السوداني أيضاً، فإن القبول به كان عفوياً ومن دون تسجيل وقوع حوادث صادمة من جانب الصينيين في السودان، علاوة على أن الصين نأت عن دور عسكري لها مكتفية بالجانب الصحي والثقافي والتقني لدورها الذي شمل من جملة الإنجازات تدريب فتية وفتيات يمارسون رياضة الأكروبات ببراعة مدهشة.

الرئيس بوتين الذي راق له المقام البحري في الأبيض المتوسط، وبات له وجود دائم عائم في اللاذقية وطرطوس يتطلع كما سابقيه وتحديداً كرملين بريجنيف إلى وجود مماثل في البحر الأحمر.

واغتنم نفور الإدارة الأميركية من نظام البشير والإصرار على إبقائه في دائرة الحصار والعقوبات والتلويح الدائم بالمحكمة الدولية، ودخل على خط تبادُل المغريات مع البشير. وكان أكثر من اجتماع بينهما تولى تسويقه الرئيس بشار الأسد. ثم بدأت تتوالى التسريبات فالتصريحات عن أن اتفاقاً تم مع نظام البشير على إجراءات دخول السفن الحربية الروسية والسودانية إلى موانئ البلديْن.

أين هي السفن الحربية السودانية؟ كان ذِكْرها لإعطاء الاتفاق صفة محترمة. ثم تلا ذلك تصريح رسمي يفيد بأن رئيس وزراء روسيا ديمتري ميدفيديف وافق يوم الأربعاء 9 يناير (كانون الثاني) 2019 على مشروع اتفاقية في هذا الشأن.

اتفاق استراتيجي فيما نظام البشير يزداد تشققاً وبحيث بات واضحاً بعد الانسجام الذي تحقق بين قيادات فاعلة في المعارضة المدنية وأطياف في المؤسسة العسكرية، أن النظام على طريق الانصراف، كان مدعاة للاستغراب. لكن الخطة الروسية بقيت متمسكة بما تم الاتفاق في شأنه.

ما لبث أن حدث انقضاض أميركي تشويقي على الحراك السوداني وتطور بحيث كان أحد شروط إعادة الإدارة الأميركية في موقفها من السودان كدولة وبصرف النظر عما انتهى إليه نظام البشير أن يعيد الحُكْم التشاركي النظر في كثير من النقاط العالقة، أي بمعنى آخر يتخذ خطوات متدرجة كتلك التي خطاها السادات قبْل خمسين سنة مع السوفيات عندما ألغى المعاهدة وأنهى مهمة الخبراء والمستشارين السوفيات، واضعاً الكرملين في أصعب أيامه. بل يجوز القول إن الفعل الساداتي كان إحدى صدمات وأسباب كثيرة أدت إلى سقوط نظام ما كان ليتصور أحد أنه قابل للزوال.

اختار السودان أن يكون نجمة أفريقية – عربية في السماء الأميركية الرحبة. فقد أزاح التأثير الأميركي أثقال الديون عن كاهله ورفعت واشنطن الغطاء عن حركات معارضة، الأمر الذي جعل النظام أكثر استقراراً. وهو من جانبه تجاوب مع خيار التطبيع مع إسرائيل والتعاون بالتدرج في مجالات عدة.

لكن ماذا سيفعل مع روسيا؟ في زمن الترويكا ابتلع بريجنيف ورفيقاه الصدمة بكل ما فيها من مرارة ورفض، حتى أن يصار إلى إصدار إعلان مشترَك من جانب بريجنيف والسادات أو من يمثلهما بفض الشراكة وإلغاء المعاهدة، وأن تعلن مصر الساداتية هي وحدها ما ارتأت اتخاذه، وذلك من منطلَق أن كرامة الاتحاد السوفياتي لا تسمح بإلغاء معاهدة جاء في مادتها الأُولى «يعلن الطرفان المتعاقدان الساميان رسمياً أنه ستبقى دوماً صداقة لا تنفصم عراها بين كلا البلديْن والشعبيْن…».

في زمن كرملين بوتين من الواضح أن القيصرية البوتينية لا تتحمل خذلاناً سودانياً له ومن أجل ذلك نراه مصراً على اعتبار الاتفاق مع السودان في شأن القاعدة البحرية ملزماً، أي بما معناه لا تلغيه بداية إبرام الاتفاق، حيث تمت في عهد نظام سقط وسقوطه لا يعود للنظام الوارث الالتزام بما تم اتخاذه، ثم إن الكرملين يرى أنه ما دام تم توقيع الاتفاق يوم 23 يوليو (تموز) 2019 من قِبَل «مسؤول مكلف للمجلس العسكري الانتقالي»، فإن الالتزام به واجب كون نظام البشير سقط.

في الماضي، قيل للسوفيات من جانب مستشارين في رحاب الرئيس السادات إن المعاهدة عُقدت بين «الجمهورية العربية المتحدة» و«اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية».

أما وقد باتت التسمية «جمهورية مصر العربية»، فإن ذلك يجيز التخلص من المعاهدة، وجاء الرد من السوفيات بما معناه «ولكن الذي وضع توقيعه ما زال هو ويترأس مصر». لم تأخذ المجادلة مداها.

ارتضى الكرملين على مضض ولم يعد على إشغاله بال مصر. في انتظار أن يحذو كرملين بوتين حذو السلف الذي لو حكم بما يرضي الناس ويريح الضمير لما كان توارى. والله المعين والحَكَم.

فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

الشرق الاوسط

‫6 تعليقات

  1. روسيا مكسب للسودان وامريكا لا تملك المال بل الروس يملكون ما ضير قاعدة وحماية للارض وغيرها انا شخصيا انصح بذلك

  2. هل يعقل أن يترك السودان قاعدته البحرية الوحيدة للإحتلال الروسى.؟؟؟لمدّة 25 عاماً هذا إتفاق تمّ لحماية المعزول كما طلبه
    هو شخصيّاً على مسمع ومرأى من كل العالم! لعنة الله على البشير بائع الأرض والعرض.

  3. كانت تلك اكبر مغامرة للبشير في مجال حيوي لامريكا وحلفائها السعوديين والاسرائليين وكان ايضا من خطل السياسة الروسية التي حاولت البدء من حيث كان ينبغي ان يكون ثمرة النهاية.
    كانت لهم إمكانيات كبيرة في المساهمة في البنية التحتية المنهارة في السودان وصولا الى بناء ميناء بورتسودان او سواكن فيكسبون بذلك تأييد وعطف الشعب السوداني المخزون من زمن زيارة بريجنيف لكنهم آثروا حماية نظام، ربما لم يدركوا لامكانياتهم الاستخبارية المتواضعة في السودان، انه آفل وبعد سقوطه ورثه عملاء السعودية والإمارات ومصر وبالتالي لن يسمحوا بقواعد عسكرية بحرية في البحر الأحمر تهدد الوجود الغربي والسعودية وإسرائيل وربما السلم والامن الدوليين في وقت لاحق

  4. العالم تم تقسيمه على حسب الترِكة الإستعمارية البريطانية، فالخليح العربي منحته بريطانيا لأمريكا وكذلك منحتها السودان ولكن لاختلاف أنظمة الحكم في كل من دول الخليج والسودان فكانت أمريكا تتارجح في السودان بين الانظمة العسكرية التي ظلت مسيطرة على السلطة لفترات طويلة وبين الفترات المدنية القصيرة، ولكن لا يزال أملها باقي باعتبار ان السودان حقها الذي منحته لها امها الكبرى بريطانيا، وروسيا دوماً كانت مثل اللص الذي يقفذ من الشباب حينما تدخل أمريكا من الباب بواسطة عملاءها فتاخذ شياًء ثم تهرب عندما تزمجر أمريكا في وجهها؛ ظلت هذه هي قواعد اللعبة السياسية الخارجية لكل من امريكا وروسيا في جميع قارات العالم التي تفتقر فيها كل من روسيا وامريكا لحليف مخلص.
    والان أمريكا تجد في المستقبل ان أكبر حليف لها هو النظام السياسي المدني غير العسكري في السودان وقد راهنت هي عليه ودفعت أروبا ايضاً للمراهنة عليه مما شكل تكتلاً ضد روسيا بعد أن تركو لها عظمة سوريا تنبح في كل من يقترب منها.

زر الذهاب إلى الأعلى