حوارات

عميد شؤون الطلاب المفصول من جامعة النيلين: المنظومة الحزبية تعيش في الماضي ولن تخرج البلاد من نفقها المظلم (2)

  • نحن أمام موجة جديدة للثورة السودانية يقودها المثقفون ومؤسسات المجتمع المدني
  • إجهاض التجربة الديمقراطية في السودان لم يكن بيد العسكريين وحدهم إنما بدعم سياسي
  • نسمع عن وزارة الثقافة ولم نرَ لها أي عمل خلال السنتين الماضيتين

قطع أستاذ الفلسفة وعميد شؤون الطلاب السابق بجامعة النيلين، د.مجدي عزالدين، بأن البلاد الآن أمام موجة جديدة للثورة السودانية، يقودها المثقفون ومؤسسات المجتمع المدني.

وقال “عزالدين” في الجزء الثاني من مقابلته مع (الحداثة)، إن الموجة الجديدة للثورة هي استكمال للثورة السياسية بحراك فكري وثقافي، يتداعى له كل المنخرطين الفاعلين في القطاع العام السوداني.

ويرى أستاذ الفلسفة أن الفترة الماضية كشفت أن هم الحزبيين قائم على الوصول والتكالب والصراع حول المقاعد والكراسي، ما يؤكد بُعدهم عن الهم الوطني.

ويقول إن الأحزاب السودانية بكافة أطيافها مازالت تعيش في ذاكرة الماضي وتعيد التجارب وتستنسخ ذات الصراعات العقيمة، التي لن تقود البلاد إلى الأمام ولن تخرجها من نفقها المظلم.

وفي سياق متصل، جزم “عزالدين”، بأن كل تلك الأمثلة في التاريخ السوداني الحديث، تؤكد أن إجهاض التجربة الديمقراطية لم يكن من العسكريين فقط، وإنما بدعم من حزب سياسي ما.

أجرى المقابلة : محمد الأقرع

*لماذا نلاحظ خفوت صوت المثقف السوداني بعد الثورة، وبالمقابل صعود صوت السياسي والزعيم القبلي؟

هي مشكلة قديمة، تعيدنا إلى تاريخ الحركة الوطنية في السودان، ومنذ بداية نشوئها في العشرينيات من القرن الماضي وحتى نضجها في الأربعينيات التي ظهرت فيها النقابات والأحزاب السياسية، والمشكلة كانت في التحالف الذي حدث بين المثقفين بكافة ألوان طيفهم، وقبولهم بأن يقعوا في أحضان الطائفية، كانوا يعتقدون بمقدورهم الوصول إلى المواطن عبرها، وهذه كانت المشكلة الأساسية، وأرى أنها واحدة من المشاكل التي أدت لعدم استدامة الديمقراطية، وهو ترك أمر إدارة الدولة للسياسيين، لذلك أعتقد أن واحدة من إفرازات ثورة ديسمبر العظيمة، هي تحركنا بشكل جماعي بعدم ترك الأمر لهؤلاء الساسة، والواضح أن السنتين الماضيتين أوضحتا لنا أن كل ما يهم الحزبيين قائم على الوصول والتكالب والصراع حول المقاعد والكراسي والمحاصصات، وهذا إن دل إنما يدل على أنهم بعيدون كل البعد عن الهم الوطني، وكذلك توضح أن هناك غياباً تاماً للمثقف السوداني والدور الذي من المفترض أن يقوم به، وهنا نتحدث عن المثقف العضوي، والذي يحتفظ بمسافة من السلطة القائمة، وآخر حر يحاول إيصال صوته من خلال المؤسسات الفكرية والثقافية والأدبية، وأعتقد أن الحادثة الأخيرة نبهتنا بمرارة غياب المثقف العضوي، كما أعتقد أن الشراكة الجديدة لمنظمات المجتمع المدني بدأ صوتها يعلو، وتريد أن تقول نحن هنا وموجودون في المجال العام، ونحن من نصنع سياساته وقراراته، وسنعمل على ضغط الجهات التنفيذية بكل الوسائل السلمية المشروعة على إنفاذ هذه السياسات، وسيكون قرار إعفاء د.مجدي من منصبه بعمادة شؤون الطلاب يوم (23) أغسطس، تاريخ لموجة جديدة من موجات الثورة السودانية؛ لأن الحراك في الشارع السوداني الذي يقوده المثقفون والمفكرون والمؤسسات المدنية، يوضح ذلك ويشير إلى أنها علامة صحية.

الثورة السودانية مستمرة ونحن في موجة جديدة من موجاتها، والأيام القليلة القادمة ستكشف عن نشاط وحراك قوي في المجال العام السوداني، وسنعمل بكل السبل للضغط ابتداءً من رئيس الوزراء ووزيرة التعليم العالي من أجل تصحيح المسار، فيما يختص بإصلاح مؤسسات التعليم العالي ولكي تعود الجامعات السودانية حرة ومستقلة وطليعية تقود حراك الاستنارة والتنوير، وتعمل على تغيير طبيعة الدولة.

*هناك من يقول إن فلسفة الثورة السودانية نفسها لم تخضع لعملية دراسة حقيقية، ولم توضع في إطارها العلمي، ما مدى صحة ذلك؟

هذا الحديث صحيح، ولذلك نحن في حاجة لمراجعة جذرية وتقويم حقيقي لمشوار الثورة منذ أبريل 2019م وحتى اللحظة، ونحن نتحدث عن مراجعات علمية يقوم بها الباحثون والمفكرون والمثقفون والمؤسسات الأكاديمية، ستكون هناك فاعلية بهذا الخصوص في الفترة الماضية من أجل عمل جرد حساب، لكي نعرف أين نقف الآن، وما المعوقات التي تواجه الثورة في سبيل إنجاز مهامها وإنزال شعارها الثلاثي الشهير “حرية، سلام وعدالة”.

الثورة السودانية ثورة عظيمة جداً، حاول البعض موضعتها ضمن الموجة الثالثة لثورات الربيع العربي، لكن هذه الموضعة غير صحيحة، فهي افتتاح لموجة رابعة لأنها لا تشبه ثورات الربيع العربي حتى على مستوى شعاراتها التي وحدها يمكن أن تألف فيها المراجعات والكتب والمقالات، نحن نحتاج إلى مثل هذا الإرث، ونحتاج إلى أدب الثورة وشعرها وبحوث ترتبط بها وتوضح تفردها، اليوم في كثير من الجامعات في العالم سواء كانت أوروبية أو أمريكية تهتم بدارسة الثورة السودانية.

نحن أهل البيت والأولى، وكان من المفترض أن تتم هذه الدراسات عبر جامعاتنا، لكن للأسف حالها يغني عن السؤال.

*برأيك هل الوعي الذي أفرزته ثورة ديسمبر المجيدة تربة خصبة لإنتاج نظريات خاصة؟

في نادي الفلسفة السوداني بالتعاون مع مركز دراسات أبحاث الديمقراطية والمجال العام ومركز الدراسات السودانية، عقدنا اجتماعاً قبل أسبوعين وتحدثنا عن عمل ندوة فكرية كبيرة عن المشروع الوطني السوداني، وأعتقد أننا في حاجة لذلك المشروع بمختلف خلفياتنا العقدية والسياسية والدينية والإثنية…إلخ، كما نحتاج إلى الاتفاق على ملامح عامة وخطوط عريضة لمشروع وطني يضمنا سوياً، ويكون معبراً عنا كسودانيين، فعلاً آن الأوان لاستكمال الثورة السياسية التي حدثت، وإن كانت منقوصة حتى على هذا المستوى، بثورة فكرية وثقافية يتداعى لها كل المنخرطين الفاعلين في المجال العام، سواء كانوا مؤسسات أو أفراداً حتى ننتج تنظيراً سودانياً خاصاً. ونطرح عبره الكثير من التساؤلات عن تجربتنا الديمقراطية في السودان، وهل فعلاً عرفت البلاد تجارب ديمقراطية، لأنني أرى أننا كسودانيين لم نعرف بعد الديمقراطية ولم نمارسها، وحتى التجارب التي نطلق عليها ديمقراطية هي في حقيقة الأمر تجارب برلمانية، لو لاحظت أن كتاب إسماعيل الأزهري كان عنوانه (الطريق إلى البرلمان)، وهو ركز على الديمقراطية الشكلانية أو الجانب الإجرائي، لذلك لم يكن هناك ترسيخ حقيقي للديمقراطية. أيضاً كتاب محمد أحمد المحجوب (الديمقراطية في الميزان)، هو كتاب سيرة ذاتية له، ويؤرخ فيه لسفرياته الكثيرة وتجربته السياسية، ولم يتناول سطراً واحداً عن الديمقراطية، وكل ذلك يوضح غياب التنظير في المشروع الديمقراطي بالبلاد، لذلك نحتاج أن نعمل في هذا الجانب وإنتاج أساس نظري للديمقراطية ومشروع التنوير والحداثة، بما يتوافق وينسجم مع طبيعة مجتمعاتنا المحلية.

*إلى أي مدى تعبّر الفلسفات التي تطرحها القوى السياسية الآن عن شعارات الثورة وأحلام الناس، وهل هي صالحة لسودان ما بعد الثورة؟

هذا عمل من المفترض أن نقوم به كأكاديميين ومثقفين ومفكرين ومؤسسات مدنية، نحن في حاجة إلى مراجعة الطريقة التي نعمل بها، إن جاز لي التسمية العقل الحزبي السوداني، هناك علل كثيرة وأمراض تعاني منها منظومة الحزبية السودانية بكافة ألوان طيفها، سواء كانت يساراً أو وسطاً أو يميناً، تعاني من علل وأمراض، وأعتقد أنها مسألة واضحة للمستقرئ لتاريخ السودان الحديث، كأننا نكرر نفس الأخطاء، إذا نظرت للعهد الديمقراطي الأول والثاني والثالث، ستجد أن المنظومة الحزبية بكافة ألوان طيفها مازالت تعيش في ذاكرة الماضي، وتعيد التجارب وتستنسخ نفس الصراعات العقيمة التي لن تقود البلاد إلى الأمام وتخرجها من نفقها المظلم، نحتاج إلى إصلاح حزبي وترسيخ الديمقراطية داخل المؤسسات الحزبية.

وإذا عدنا ونظرنا كيف أجهضت الديمقراطية سنة 1958م ستجد العقل الحزبي السوداني كان يقف وراءها. عبدالله خليل رئيس الوزراء المحسوب على حزب الأمة، سلم السلطة إلى عبود، أيضاً هناك مذكرة كرامة المواطنين التي صدرت من الختمية والتي كانت تؤيد نظام عبود، كذلك الديمقراطية الثانية أو كما قلت لك برلمانية أو دكتاتورية مدنية؛ لأنه كيف يتم طرد نواب من البرلمان وهم منتخبون من الشعب، أيضاً انقلاب مايو وعلاقة الشيوعيين به، وهو أمر يوضح أن أحزابنا العقائدية ساهمت في إجهاض التجرية الديمقراطية، صحيح هناك مراجعات من الشيوعيين، قدموا نقداً ذاتياً وعلنياً، وأوضحوا موقفهم الجذري والحاسم من الديمقراطية كصيغة سياسية للحكم. وأيضاً حين تأتي للتجربة الثالثة ستجد أن وراءها كانت الجبهة الإسلامية القومية، وقد كانت القوى رقم ثلاثة آنذاك، ولم تأتِ أيضاً إلى شهداء (28 رمضان)، وهو كان انقلاباً عسكرياً محسوباً على القوميين العرب والبعثيين، كل تلك الأمثلة تؤكد أن إجهاض التجربة الديمقراطية في السودان فعلاً، لم يكن من العسكر لوحدهم، وإنما بدعم من حزب سياسي ما.

تحتاج كل الأحزاب إلى انتقاد تجاربها، وتبدأ صفحة جديدة قائمة بالاعتراف بالأخطاء، وتوضح أن الموقف سيكون أكثر مبدئية في قضية الديمقراطية.

إلى ذلك، فإن المنظومة الحزبية تعاني من علل وأمراض، وحتى لا يكون التحليل مثالياً، هذه العلل والأمراض مرتبطة بالتركيبة الاجتماعية لذلك المرض هو تمظهر، فهي لم تأتِ من كوكب المريخ، إنما هي أعراض تشير إلى أن أس البلاء موجود في مجتمعاتنا السودانية نفسها، التي تحتاج إلى ترسيخ وتجذير لثقافة الديمقراطية، وهو عمل تقوم به الدولة، كنت أعتقد أن الدولة بعد أبريل 2019 ستعمل من أجل ذلك وفي كافة مؤسساتها، لكن هذا لم يحدث، اليوم نسمع عن وزارة الثقافة، لكن لم نرَ لها أي عمل خلال السنتين الماضيتين، كذلك الأجهزة الإعلامية ليست لها خطة واضحة، وأيضاً المناهج التربوية على مستوى وزارة التربية والتعليم، وسياساتنا التعليمية على مستوى وزارة التعليم العالي. وهنا أؤكد أنه إذا أردنا تحقيق نهضة سودانية، فهي لن تحدث إلا عبر بوابة التعليم، فهو التغيير الحقيقي لأن من خلال تغيير المقررات والمناهج التي تعطى للتلاميذ في سن مبكرة، تزرع بداخلهم قيم الوطنية وأهمية الحرية ومناهضة الاستبداد والتجذير لثقافة الديمقراطية والمناقشة الحرة، وسعة الصدر لتقبل وجهات نظر مغايرة، هذا ما يفترض أن نعلمه للتلاميذ منذ مرحلة الأساس.

*أخيراً.. ما توقعاتك لمستقبل الانتقال في السودان وهل سيحدث التحول المنشود؟

أنا واحد من المتفائلين، كما قلت لك نحن أمام موجة جديدة للثورة السودانية، وأنا أعني هذه الكلمات بمعناها الحرفي والمجازي، نحن أمام موجة جديدة سيشارك فيها كل الفاعلين بالمجال العام، ببساطة الفضاء العام القوي هو الذي يقود التغيير، ولا يقوده الجهاز التنفيذي وحده، والآن هناك بوادر كثيرة تشير إلى أن الفضاء العام السوداني بدأ يستعيد عافيته وبدأ ينظم نفسه، وخير دليل ما حدث في القضية الأخيرة، لأن من نظم الوقفة هي مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تكون لا علاقة لها بجامعة النيلين. وهذه البداية لمشروع كبير ستتولاه هذه المؤسسات المجتمعية خلال الفترة القادمة.
الحداثة

‫3 تعليقات

  1. قال اتعيش في الماضي
    ياخي انت جاي تجيب لينا سيرة محمود محمد طه وخزعبلات الجمهوريين حول الرسالة الثانية والمسيح المحمدي والانسان الكامل وصلاة الاصالة والورجغة الفارغة التي انتهت بصاحبها علي مقصلة النميري وتراجع اتباعه بصورة مهينة امام المحاكم بل وانضم بعضهم كعوض الكريم موسي للاسلاميين مشاركا ومنافحا للهم في المؤتمر الوطني المقبور
    مثال سئ للنخب الفاشلة والاكاديمي متواضع القدرات ومحدود الذكاء يهرف بمفردات لايعرفها ولايدرك كنهها

    1. يا ود عشانا الشهيد محمود محمد طه عاش فقيرا ومات فقيرا ولكنه ترك ارثا يدرس الآن في المؤسسات العلمية العالمية ويكفيه فخرا انه لم يطأطئ رأسه لاحد.

      1. ونحنا مالنا ومال غناهو وفقرو الراجل خلى شغلة الهندسة وبدأ الدروشة بتاعتو من بدرى وقعد عاطل
        بعدين كتب سلمان رشدى بتدرس بره هل دع مقياس
        الغرب يتلهف على من يطعن الدين من داخل المنظومة ومحمود أداهم طرف الخيط بى خزعبلاتو الفارغة
        نعم طأطأ الرأس امام السفاح نميرى عندما بطش بالمعارضيين للانقلاب وظل الجمهوريون مؤيدون لنميرى ونظامه الى ان انقلب السحر على الساحر ووجد رقبتوا تحت مقصلة نميرى

زر الذهاب إلى الأعلى