أهم الأخبار والمقالات

نحو تفكيك خطاب ومشروع رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك (3-6)

(فرضيات ومنطلقات الخطاب الفكرية وتجلياتها)

الفاضل الهاشمي

الزهد في الرهان علي الطاقة الكامنة في ثورة ديسمبر: 

حسمت ثورات النيل المعادية للإستعمار والثورات (الإنتفاضات) الحديثة في السودان مفهوم وموضوعة “التحول الديموقراطي البطيئ الذي يتم من خلال مفهوم الإصلاح ، وأثبت أن الثورة وليس غيرها هي التي يمكن أن تنقل الشعوب من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”. هذا هو “نص” ثورة ديسمبر ومنطقها الداخلي كسقف أعلي ثوري استمر حوالي نصف عام من الإختمار الثوري ، أما “السياق” التاريخي الأقليمي والدولي فكان غير مواتٍ ، لذلك تجاهله الثوار ولم يلووا علي شيئ (بتصرف من السيد يسين ، ثورة 25 يناير المصرية). 

كان مطلب ثوار ديسمبر الذي عبرت عنه الوثيقة الدستورية أن يقوم المجلس العسكري الانتقالي الذي سيطر علي السلطة بانقلاب عسكري بنقل السلطة للقوي المدنية بصورة كاملة غير منقوصة بقيادة تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) كشرط أساسي لبداية تصفية النظام الشمولي وتحقيق السلام وبدء الإصلاح الإقتصادي وترسيخ الديموقراطية. وحين إانقسمت قحت والتجمع المهني إنحاز حمدوك الى مواقع وخطاب وايدولوجيا تخصه وتخص مستشاريه وجماعة الهبوط الناعم داخل قحت، وكان جوهر رؤية ذلك الخطاب هو عدم الرهان علي الحركة الجماهيرية المتصاعدة لحماية الثورة ومنجزاتها وذلك بتفكيك معاقل  المؤسسات الأمنية الاستثمارية وشركاتها وشركات الدعم السريع التي طغت وتجبّرت في الاستثمار في الإتجار بالسلع الاستراتيجية من دقيق وصمغ ولحوم والمضاربة والسمسرة والمرابحة والتهريب وخارج وزارة المالية والبنك المركزي لغاية الجمارك والضرائب وأصبحت مؤسسات تبيع وتشتري في كل الأسواق المحلية والأقليمية.

لم يشمل خطاب حمدوك أو رؤيته تصفية شركات الجيش والأمن والمليشيات وانما مراجعتها وإصلاحها. تجاهل خطاب حمدوك ورؤيته بداهة لا تخفي عن عين الإنسان العادي أن تلك الفئات من القوات المسلحة التي وقفت مع ثوار ديسمبر المعتصمين/ات في القيادة العامة حين دارت معركة بين القوات المسلحة وقوات جهاز الأمن وسقط فيها جرحي وقتلي من الجانبين، تجاهل أن تلك الفئات الثورية داخل القوات المسلحة قد تم الزج بهم في السجون ، ومنهم من تم فصله وإبعاده من الخدمة .!! 

انطلق حمدوك من فكر وخطاب التسوية وورثة الدولة العميقة لذلك إنحاز الي برنامج الرأسمالية الطفيلية التجارية الجديدة والقديمة الماثلة ، كون رؤية حمدوك وخطابه ( وبالطبع استراتيجياته وتكتيكاته) لاعلاقة لها بتفكيك النظام وتصفيته ومحاسبته. لا غرو أن يرفع عقيرته باكراً أنه “رئيس وزراء للجميع” وكأنه رئيس وزراء منتخب وليس رئيس وزراء أتت به ثورة. كان ذلك مفهوما وسقفاً واطئاً وخفيضاً ومرتبكاً تجلي منذ البدء.

مشاهد تعكس زهد حمدوك في الرهان علي مطالب ثوار ديسمبر:

أولاً:  

ترك المؤسسة العسكرية الإشراف علي ملف السلام ، وهم تاريخياً جزء لا يتجزأ من الحرب الأهلية ، ثم التلكؤ في إكمال مفاوضات السلام مع أهم حركتين مسلحتين هما الحركة الشعبية شمال (جناح الحلو) وحركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد).

ثانياً:

التردد في تشكيل المحكمة الدستورية ومجلس القضاء والمفوضيات (ومنها مفوضية الفساد) ، فتعطّلت محاكمة رموز النظام البائد ؛ كما لاذ حمدوك ولجنة نبيل أديب للتحقيق في مجزرة فض الإعتصام بالصمت المطلق. والموثّق أن الكباشي ذكر بعضمة لسانه في مؤتمره الصحفي بعد مذبحة 3 يونيو 2019 “ومن ثم وجهنا القيادات العسكرية والأمنية بفض هذا الإعتصام”. وكذلك اعتراف عائشة موشي عن وجود 1400 جثة ، الأمس نحنا حفرنا ليهم المقابر ، شفتوها انتو في التلفزيون، ديل ألف واربعمية جثة غير التانين الفي المشارح التانية”. (راجع عشاري أحمد محمود خليل، قضايا المخفيين قسرياً ، منشورات البداية). تري كيف يتثنّي أخلاقياً ونفسياً أن تكون رئيس مجلس وزراء وانت تري بأم عينيك جثث شهداء تعفّت في المشارح دون إجراء تحقيق عاجل وهناك حركة مقاومة قوية وثابتة وأسر شهداء ومنظمات وأحزاب إعتصمت أمام تلك المشارح.   

ثالثاً:

في ذكري ٣٠ يونيو ٢٠٢٠ ذكر حمدوك في خطابه “إنني أعيد التأكيد على التزامات الحكومة المبدئية بتحقيق العدالة والقصاص الذي يضمن عدم تكرار الجرائم التي تم ارتكابها خلال الثلاثين عاما الماضية في حق أبناء شعبنا، ومحاربة سياسات الإفقار المنظم لصالح سياسات اقتصادية متوازنة تضمن التنمية وعدالة توزيع الموارد وتوفير الخدمات الأساسية للجميع، وتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في السودان والسعي لإسكات صوت الرصاص في الساحة السياسية السودانية إلى الأبد، وضمان سيادة حكم القانون والعدالة في ربوع البلاد بشكل جذري لا مساومة ولا تهاون فيه (راجع مصدر سكاي نيوز ارابيا). “

هذا في ظاهر الخطاب علي سبيل المداهنة وحلو الكلام. أقول ذلك لأن باطن الخطاب تمثّل في رفضه لتوصيات المؤتمر الإقتصادي ، واللجوء الي فتات برنامجي ثمرات وسلعتي ، وتبني موازنة 2020 التي لاعلاقة لها ب “ محاربة سياسات الإفقار المنظم لصالح سياسات اقتصادية متوازنة تضمن التنمية وعدالة توزيع الموارد وتوفير الخدمات الأساسية للجميع” ، لأن نصيب المؤسسات العسكرية والأمنية (التي استولت وسيطرت علي موارد الدولة ولا تود إرجاعها ، ثم فى ذات اللحظة تأخذ من الخزينة العامة مرتباتها ومخصصاتها وامتيازاتها الضخمة) من جهة ونصيب الصحة والتعليم في الموازنة كانا مخيّبين للآمال الثورية الديسمبرية. . وأمام إصلاحات صندوق النقد والبنك والمجتمع الدولي ال “مؤلمة وشاقة” طرح حمدوك أن حكومته شرعت في تنفيذ “برامج لدعم الأسر وتقديم المعونات المالية للأكثر عوزا وللفئات الزراعية والعمالية المنتجة في الأرياف والمدن.” يتضح من رؤية حمدوك أنه قرّر قبول وصفة “مجموعة أصدقاء السودان” التي أسستها عدة دول بمبادرة ألمانيا لإعادة دمج السودان ضمن المنظومة الدولية بعد العزلة” ، قرر قبولها دون شروط. (راجع موقع الامم المتحدة).

رابعاً:

رغم ذرائع خطاب الشفافية التي تدرّب عليها حمدوك في تجربته مع المنظمات العالمية أصرّ علي أن يقضي أمور الإنتقال بالكتمان الشديد طيلة عامين ، ولم يرمش له جفن أمام جثامين الشهداء المتعفّنة ، ولم يكلّف نفسه مقابلة جموع المتظاهرين في ٣٠ يونيو ٢٠٢٠ ، أو مزاهرات المفصولين من الشرطة وأسر الشهداء. الشاهد أن تلك التجمعات والتظاهرات المطلبية السلمية صحبتها أعمال عنف من الشرطة وإغتيالات وكوّن حمدوك لجان تحقيق تموت يوم تكوينها ولا نسمع عنها كثير شيئ. حينئذ كان حمدوك مشغولاً بمقابلة السلفيين وبإعفاء وزير الصحة أكرم علي التوم وأجبر ستة وزراء علي الإستقالة منهم ابراهيم البدوي، ثم تمت استقالاتهم بدون شفافية يبين فيها تقييم أعمالهم. 

قال الخبير الأمني، اللواء المتقاعد عابدين الطاهر، لموقع الحرة، إن مسيرة 30 يونيو 2020 هي “مسيرة شبابية نيرة لتصحيح مسار الثورة، وما جرى شيء مؤسف رغم أن الشرطة في عهد الحكومة الانتقالية شهدت نقلة نوعية في تعاملها مع التجمعات والحشود”. وتخلل التظاهرات مقتل أحد المحتجين في مدينة أم درمان شمال شرق الخرطوم، وأعمال عنف بمناطق أخرى، منها ولاية شمال دارفور. وقال الناشط السوداني عثمان الجندي لموقع الحرة إن المتظاهر قتل في أم درمان برصاصة مجهولة في الصدر. وأفادت تقارير أيضا بدهس عربة للشرطة أحد المتظاهرين قرب مبنى البرلمان في أم درمان. ولم تقتصر أعمال العنف على العاصمة السودانية، بل طالت مناطق أخرى منها كبكابية بولاية شمال دارفور.

ويسألونك عن نتائج التحقيق في في مقتل متظاهرَين شاركا في تجمع الثوار وأسر الشهداء في 11 مايو 2021 بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لفض الاعتصام ، وفي ذات اليوم  صدر تويت من مكتب رئيس الوزراء يقول أن “رئيس الوزراء بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده مساء اليوم عقب جريمة استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين بمحيط القيادة العامة يوجِّه بتسريع تسليم المطلوبين للعدالة بصورة فورية ودون إبطاء”. 

خامساً:

في خطابه خلال المناقشة العامة للدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمير 2020 ذكر حمدوك أن حوار سلام جوبا “ليس للسلام ووقف الحرب فحسب، بل لوضع المعالجات الشافية لكل مسببات النزاعات ومعالجة جذورها” !!!!. وفيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان ذكر إن الوثيقة الدستورية أولت عناية بقضايا حقوق الإنسان وتم “تخصيص فصل كامل للحريات والحقوق، وإنفاذا للوثيقة، قامت الحكومة الانتقالية باتخاذ عدد من الخطوات الإيجابية لمعالجة التشوهات التي لحقت بهذا الملف طيلة فترة الحكم الشمولي السابق. وفي مقدمتها: إلغاء عدد من القوانين المقيّدة للحريات، وتعزيز دور المرأة في المجتمع، وحماية حقوقها، وإتاحة حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي ومحاربة ظاهرة الإفلات من العقاب”… واكتفي حمدوك بالصمت حول تلك الوعود ولماذا تعثّرت ، بينما حين إختار مخاطبة الشعب بدأ متفائلاً بوجود ضوء فى آخر النفق ، وبعد أقل من يومين تغيّر التفاؤل وتلك القناعة 180 درجة الي أن هناك أزمة شاملة. 

سادساً:

ومن المآخذ علي حمدوك :  التلكؤ والتسويف والتردد في عدم إتخاذ القرارات الثورية. أسلوب “الغتغتة ” وعدم الشفافية.علي سبيل المثال لا الحصر : فرط في ملفات السلام و السياسة الخارجية والاقتصاد وتركها جميعا للمكون العسكري ؟ لم يخرج حمدوك للثوار ومخاطبتهم حول مجمل سياساته أو القرارات التي انفرد بها برهان، وحول هروبه من الرد علي السؤال الملح من الجماهير ومن العالم الجليل بروف محمد الأمين التوم حول إبعاده من وزارة التربية والتعليم. أما إزاء إعترافه الأخير بأن هناك انقسامات عسكرية-عسكرية ، ومدنية-مدنية ، وعسكرية-مدنية ، كان عليه أن يقف مع المعسكر الثوري والصحيح ، فليس كلا المعسكرات علي خطأ. قرر حمدوك أن هناك “كيانات تاريخية” ، و “وكتلة تاريخية” وتارة كتلة التغيير، وهؤلاء عينهم مستشارين دون أن يوضّح أين موقفهم من الإنقسامات. 

الإصرار علي تبني نسخة اللبرالية الجديدة المفروضة علي السودان: 

لا البنك المركزي ولا وزارة المالية والتخطيط والبنوك تستطيع تلبية طلب الراسمالية الطفيلية (داخل السلطة وخارجها) علي النقد الأجنبي لأن الطفيلية تعمل علي ” تصدير (او تهريب) الاموال للخارج ، ورأس المال الطفيلى ، وعلى راسه الشركات العسكرية ، يسعى لتهريب الاموال للخارج. وايضا اخرون لا يرون اماناً لاموالهم فى السودان ولا ضمان لحفظ قيمتها”. لذلك لن تستطيع الحكومة التحكم في سعر الصرف ما لم تتحكم في وتسيطر علي منافذ دخول وخروج النقد وهو السيطرة علي الصادر والوارد ، التي تتحكم فيها الراسمالية الطفيلية عسكرية ومدنية (د. عباس عبد الكريم). ينطلق منهج د. حمدوك من “تقليص دور الدولة والقطاع العام فى الاقتصاد” ولا علاقة له ب”وجود قوى لدولة تنموية قادره على السيطرة على تجارة السلع الرئيسية وعلى القضاء على الفساد والتهريب وعلى توجيه الاقتصاد لمصلحة أغلبية السكان” . وبالمناسبة هذا الوضع الطفيلي والإقتصادي وغياب البني التحتية من (مفوضيات قانونية ، ومصرفية وتهريب وطرق وكباري ومطارات) لن يشجع ذلك تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة ، اللهم الا من الطفيليين والسماسرة الأجانب (د. عباس عبد الكريم).

لن نمل من استصحاب رأي عتاة اللبراليين الجدد حملة جائزة نوبل والآن فى معيّة جوزيف ستغليتز حامل جائزة نوبل واكبر موظفي البنك الدولي الذي زعم أن الحِجاج وسط الاقتصاديين النيوكلاسيكيين (تقرأ النيولبراليين) حول سرعة الإصلاح الاقتصادي يدور بين تيارين هما دعاة العلاج بالصدمة ودعاة التدرج. وحسب ستغليتز أن الأمر الأهم ليس هو سرعة الإصلاح وانما “ديناميات الإصلاح وترتيبها الزمني ، ثم سرعة عمليات الإصلاح. وأن النظرية الاقتصادية التي تركّز علي حالة التوازن والنمذجة المثالية ليس لديها ماتفتي فيه حول هذه الديناميات. مع ان تكنوقراط صندوق النقد يصرون علي اقناع الدول التي يتعاملون معها بعيد عن هذا الفهم الاقتصادي” (ستغليتز ، 162، العولمة والسخط منها). أصر هنا بشدة علي إستنطاق ستغليتز كون من يديرون دفة التطبيق الأعمي لروشتة الصندوق في الحكومة الإنتقالية هم تكنوقراط لايرون غير نماذج وشروط صندوق النقد التي ينتقدها بوضوح ستغليتز. إذن الإصلاح الاقتصادي الذي يصر علية تكنوقراط الحكومة الانتقالية يتمحور حول سرعة التطبيق والتسرع المهلك لإرضاء الصندوق وشروط الراسمالية الطفيلية التي يقودها الجنرالات من جهة وتجويع الشعب من جهة اخري. الجدل وسط الليبراليين الجدد هو حول منهج ورؤية وطريقة الاصلاح من حيث من يدفع ثمنه الباهظ ؟ الثوار الغلابة المسحوقين وذوي الدخل المحدود أم الراسمالية الطفيلية .. ان طريقة تكنوقراط الحكومة الانتقالية لإرضاء الراسمالية العسكرية الطفيلية لن ينجز نمو ولا تنمية حتي بمنطق الليبراليين الجدد. أنهم كمثل يطلب المستحيل ويريد عبور حفرة قفزاً بتنفيذ قفزتين في الهواء لتجاوز الحفرة. يذكرنا استغليتز أن “سياسات الصندوق نادراً ماتتحدث عن الفقر الناجم من الروشتة كما أنها تتجاهل الآراء التي تنتقدها حين كتب أن الصندوق “لا يتيح نقاشاً مفتوحاً شفافاً. تصدر سياسات الروشتة من منطلقات ايديولوجية ، وما علي الدول الا اتباع موجهات الصندوق دون نقاش. هذه الطريقة تقض مضجعي، ليس لان تلك السياسات تقود الي نتائج سيئة ، ولكن لأن تلك الطريقة غير ديموقراطية” (ستغليتز ، ص 14 ، مقدمة الكتاب) .. لاحظ اننا هنا ننطلق من ارادة ثورية وليس ديموقراطية فقط كما قال ستغليتز. وبين تخوّف وعجلة تكنوقراط السودان في تطبيق الروشتة يتم بيع مطالب الثوار ، وستعود الشوارع التي تم تجويعها الي هيجانها مرة اخري عاجلاً أم آجلاً.

فاتورة تعجّل د. حمدوك وتكنوقراطه في تطبيق روشتة صندوق النقد سيدفعها أكثر من 90% من السودانيين الكادحين الرازحين تحت خط الفقر. كتب جوزف ستغليتز “الآن حتي صندوق النقد اعترف انه قد روّج بتطرف لليبرالية ، كون لبرة (تحرير) الاسواق المالية والمصرفية ساهم في الازمة المالية العالمية في نهاية التسعينات ١٩٩٠ ومثل هذه السياسات يمكن أن تدمر تماما الدول الصغيرة” (ستغليتز ، ص 59). يذكرنا استغلتز ان تلك السياسات جعلت ثروات دول غنية في مواردها مثل الكنغو (زائير سابقا) ونيجيريا وسيراليون تستخدم لتفجير الفساد وعملت نخبها الممتازة في سباق محموم للسيطرة علي ثرواتها، وكان ذلك تحت قيادة الصندوق. 

الحمد لله الذي حلّ عقدة من لسان حَمَلةْ جائزة نوبل أن يذكروا مصطلح “الراسمالية” بعد زوال الحرب الباردة دون أن تتلعثم ألسنتهم. لقد كتب ستغليتز عن “راسمالية المحسوبية” والكليبتوقراطية كمنظومة متكاملة من النهب الفوضوي (ص 161) ، نهب من الممتازين المتسلطين للجميع ، وهذا ما يتم عندنا حتي بعد ثورة ديسمبر 2018 من عصبة الحزب الحاكم الدموي السابق خارج السلطة الإنتقالية وداخلها معاً.   

يذكرنا ستغليتز بأن اهتمام “صندوق النقد بالإقتصاد الكلي، وبالتحديد التضخم جعلها تتجاهل قضايا الفقر والظلم (اللامساواة) وراس المال الإجتماعي” (ص 161) والصندوق يعلم جيداً أن أثر التضخم علي الفقراء هو قاصمة الظهر. 

وحول تجربة البنك الدولي فى روسيا يقول ستغليتز أن البنك يصر علي روشتته المعهودة حول “الإستقرار، والخصخصة وسياسات التحرير” ، وحين إتضح أن روسيا تحتاج الي مؤسسات قوية لم تكن في جعبة البنك أي اقتراحات بهذا الصدد. ولم تكن للبنك الدولي حسب ستغليتز استراتيجية لمحاربة الفقر أو لتعزيز النمو ، خاصة أن جل الفقر فى روسيا كان في الريف. تكنوقراطنا الآن يتبارون علي تنفيذ أوامر المؤسستين لأن في إعتقادهم أن الحل بيد الخارج وحده لا شريك له لمزيد من النهب والخصخصة وليس فى موارد الدولة الداخلية التي يجب إعادتها للدولة. لقد اقترح البنك الدولي مثلا في روسيا أن يتم إرجاع رؤوس الأموال التي هاجرت من روسيا دون تصفية وتفكيك بنية الدولة العميقة المهيمنة علي الاقتصاد الروسي من أوليغارشية ولصوصية طفيلية (كليبتوقراطية) ورأسمالية المحسوبية/ المافيا. أما في حالة السودان فان حمدوك يصر بعد ضياع عامين من السلحفائية إرجاع رؤوس الأموال المنهوبة في الخارج دون أن يفكك بنية الفساد الداخلي من لصوصية طفيلية ومافيا التهريب وسرقة موارد الدولة داخل المؤسسة العسكرية ومليشيا الدعم السريع والراسمالية الطفيلية والذي لن يتحقّق إلا باستثمار كامن سطوة منظمات ولجان وأحزاب ثورة ديسمبر. اذا كان هناك إنقسام مدني-مدني أين تقف أنت من منطلقاتهما مقارنة بمنطلقات مطالب ثورة ديسمبر؟. لماذا تراهن علي العمل مع قسم واحد من الحاضنة (وهم التسوويين القدامي/الجدد) وأنت تعلم جيداً أنهم يتحالفون مع جنرالات الجيش والمليشيا؟. أنت إذن جزء لا يتجزأ من الأزمة. يذكرنا ستعليتز من التجربة الروسية وعلاقتها مع البنك وصندوق النقد “أنها إنتقلت من دين وأيديولوجيا ماركس الي دين الأسواق الحرة وقد حلّت البراغماتية الجديدة محل بريق ولمعان الآيديولوجية القديمة” (استعليتز ، ص 189) ، أما د. حمدوك فأنه وبتعجّل قياموي يعيد إنتاج ذات آيديولوجيا السوق وبراغماتيتها التي طبقها النظام القديم البائد نظرياً ورفضتها ثورة ديسمبر. “لقد فشلت سياسات العولمة في تخفيف حدة الفقر وكذلك في تحقيق الاستقرار الاقتصادي” (ستغليتز ، ص٦) . مارست الدول الغربية النفاق في افضل حالاته (والكلام لستغليتز وليس كارل ماركس) حين فرضت علي الدول النامية ازالة السياسات الحمائية والجمارك ولكنها احتفظت لنفسها بفرض سياسات حمائية علي الزراعة وسلبت الدول النامية من المنافسة وزيادة صادراتها الزراعية ؛ وكذلك تصر علي عدم دعم تلك الدول النامية لمنتجاتها الصناعية (ص ٧) . وحين تفشل السياسات الزراعية وسياسات البني التحتية التي توصي بها مؤسسات البنك والصندوق او الدول الغربية ومستشاروها ، ويتم تمويلها من البنك الدولي يكون لزاماً علي الدول الفقيرة أن تدفع ذلك الدين ، الا في حالة إعفاء الديون (ص ٨) التي نهلل لها ولا ندري أين ذهبت ولا تود الحكومة الانتقالية فتح ملف يسمي المسؤولين الذين نهبوا تلك المليارات.

أزمة حمدوك الفكرية والأخلاقية انه يتبني مفهوم للعولمة والانفتاح الاقتصادي مطابق لمفهوم وزراء المالية واصحاب المصلحة الخاصة وصندوق النقد والبنك والشركات عابرة القارات التي ترعي مصالح التجارة العالمية وحركة راس المال والبضائع والتقنية. اقول أخلاقية لأنه رئيس مجلس وزراء الثورة ومتوقع منه ان يتبني مقررات وتوصيات اللجنة الاقتصادية وليس تسفيهها. ان المصالح الاقتصادية الضيقة التي تدفع مؤسسات العولمة الي صياغة وفرض قوانين مثل تحرير الاسواق المالية والمصرفية ، ذات القوانين التي تلغي سيطرة النظام المصرفي المحلي علي حركة تدفق رؤوس الاموال من والي دولنا. هناك النموذج الأسيوي مثلا الذي يفتح براحاً للحكومة التي تعتمد علي السوق أن تتخذ دوراً نشطاً في تخلّق وتكوين الاسواق مثلا ترويج تقنيات تكنولوجية جديدة وأن تقنن للشركات احترام رفاهية شعوبنا وعمالنا. تلك رؤية أسيوية (بنك التنمية الأسيوي مثلا) مغايرة لنموذج توافق واشنطن حول النمو والتنمية (ستغليتز ، ص ١٠).

يقود حمدوك شخصياً مشروع التحالف الاقتصادي السياسي الذي يطرحه وينفذه تكنوقراط الفترة الانتقالية ضمن تحالف عسكري مدني وراسمالية طفيلية تخطط لوراثة ذات البنية الإقتصادية أو مايسمى بالهبوط الناعم أو/و الدولة العميقة، وهو مشروع آيديولوجي اقتصادي سياسي بجدارة. قوام هذا المشروع ولحمته وسداه استغلال بشع للغالبية المسحوقة تحت خط الفقر ولن تغني من جوع خمسة دولار شهريا لا تكفي وجبة الفول. وصدقت عبارة الشاعر القدال رحمه الله :

مراحك يعشى ويفشى

خضارك مرطب يندّى الضهارى

ترابك يقوّم دخن لو زرعت الحجارة

تسفر سعيتك تقنّب تباري الجداد العقالي

تجوع يا البشدّر خريفك سوافي البطانة؟


مراجع:

  1. السيد يسين ، ثورة 25 يناير بين التحول الديموقراطي والثورة الشاملة، أغسطس 2011.
  2. عشاري أحمد محمود خليل، قضايا المخفيين قسرياً بواسطة الدولة والجنجويد في المقابر الجماعية والمشارح والمعتقلات السرية، في سياق مذبحة الشباب الثوار 3 يونيو 2019، 22 مايو 2021، منشورات البداية

www.albidaaya.org

  1. وزير التربية السابق (بروف محمد الأمين التوم): استفسرت حمدوك عن سبب استبعادي ولم أتلقّ رد، أخبار السودان 30 مارس 2021:

وزير التربية السابق: استفسرت حمدوك عن سبب استبعادي ولم اتلق رد

  1. جوزيف استغلتز ، العولمة والسخط منها ، 2002:

Globalization and its Discontents

  1. د. عباس عبد الكريم  ، في الاقتصاد السياسي للثورة (4) سياسة التوجه نحو الخارج: سياسة الفشل وفشل السياسة: 

https://sudanile.com/archives/143322

 

تعليق واحد

  1. اخ الفاضل تحليل سليم ومنطقي………..

    للاسف هذا حالنا منذ الاستقلال والي قيام الساعة….ز

    لا احد يعمل لمصلحة البلد وهذه مصيبتنا الكبري(( اين نقد واين الترابي لعنة الله عليه واين الصادق المهدي واين منصور خالد واين واين واين))

    لله درك يا وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى