أخبار مختارة

بروفايل: فتحي الضو ..صحافة الموقف، والتوثيق، والتنوير

صلاح شعيب

عاد إلى السودان بعد عقد من الزمان الأستاذ فتحي الضو فاستقبلته بلاده كواحد من فرسانها الاشاوس، إذ ظل مثقفا صلب الموقف تجاه الاستبداد، فالتزم بمبادئ سياسية، وأخلاقية، تجاه وطنه لمدى أكثر من أربعة عقود. في غربته نافح الضو نظامين ديكتاتورين بشراسة. فمنذ وجوده في الكويت في السبعينات عارض نظام مايو حتى سقوطه، ثم ضاعف معارضته ضد نظام الإنقاذ دون توقف، ويعد فتحي من أكثر المعارضين في الدياسبرا الذين قطعوا مئات الآلاف في الأميال داخل الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا، وأستراليا، فاضحا نظام الإنقاذ، ومبشرا بالوعد الجديد الذي دائما ما كان يصر عليه في مقالاته: لا بد من الديمقراطية وإن طال السفر.

تابع فتحي مراحل تطور الثورة السودانية، ورصدها بكثير من العناية في مقالاته، وأعماله الصحفية التحريرية، ومحاضراته، ومشاركاته في القنوات الفضائية، والندوات عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وقد وظف كل سانحة لنقد النظام السابق.

وفي مجال التوثيق فإن فتحي يعد من أكثر الكتاب، والصحافيين، الذين اهتموا بضروراته المتعلقة بالتجارب السياسية التي كان ناشطا خلالها. فقد تمكن وحده من الاحتفاظ بعدد من قصاصات الصحف المعارضة في مستهل التسعينات، والوثائق المتعلقة بمرحلة تكوين التجمع الوطني إبان ابتداره العمل السياسي، والعسكري، لإسقاط النظام.

وبوصفه كان جزءً من ذلك الحراك عبر انتمائه لجمهرة المثقفين المعارضين المستقلين، ولكونه آنذاك مراسلا صحافيا للحياة اللندنية، وجهات إعلامية أخرى، فقد تمكن من الإلمام بمسار، وإسرار، تجربة التجمع الوطني بكل تضاريسها التحالفية حتى مرحلة تلاشيها. وبهذه الخلفية تيسرت له دراسة التجربة التي وفر لها مصادر، ومراجع، مهمة حتى تسنى له تقديم سِفر استقصائي كبير أخذ منحى التوثيق، والنقد، وتقديم المقترحات. وهكذا قفز الضو من باكورة التجربة ليراكم جهدا مثابرا في العمل الاستقصائي عبر مجهود فردي لم تثنه فيه ظروفه الأسرية القاهرة التي عاشها أثناء، وبعد، فقد زوجته الكريمة، رحمها الله. وهكذا غالب قدره العاطفي، والأسري، وتغربه الممتد، بكل ما فيه من مشقات، ليعيش قضية شعبه لحظة بلحظة، معبرا عنها بالقلم، ولاهجا بلسان صدق مبين، ومواقف متسقة، وجسارة متناهية.

وثق الضو حواراته المهمة التي أجراها مع قادة الإنقاذ في أيامهم الأولى إبان زيارته للبلاد موفدا من صحيفة الوطن الكويتية، وكذلك قدم مساهمة مهمة في توثيق الحرب الإريترية ـ الإثيوبية بعنوان: “حوار البندقية: الأجندة الخفية في الحرب الإثيوبية – الإريترية”. وأصدر كذلك كتاب “سقوط الأقنعة: سنوات الخيبة والأمل) و”الخندق: أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان” وكذلك أصدر كتاب “نون والألم: المحظور والمنشور في الشأن السوداني”. ولاحقا تمكن عبر دعم من مصادره داخل بنية النظام من تقديم اختراق أولي لجهاز الأمن تمثل في كتاب الخندق، والذي عنى بنشر وثائق تخص جهاز الأمن، تلك التي تجنح إلى توطيد أركان النظام بكثير من التآمر، والفساد، والهوج في انتهاك حقوق المعارضين.

ولم يكتف الزميل فتحي بذلك، وإنما ظل خلال مقالاته المقروءة في الصحف الإليكترونية ينشر بين الفينة والأخرى بعض الوثائق المهمة عن جرائم النظام، بجانب مقالات يقدم عبرها نقدا جريئا لسياسات النظام. ولعله عبر كل هذا الجهد قد خلق قاعدة عريضة من القراء الذين يلتمسون عبر حروفه كثيرا من الحفز الثوري، والتفاعل الحي مع القضية الوطنية، وشحذ الأمل نحو سودان حر ديموقراطي. إنه ظل يغذي عقل قرائه برؤى ترسخ الحلم الديموقراطي الذي طال انتظار أهل البلاد لتحققه. وبين سطوره يبعد فتحي الإحباط عن النفوس كي تتحرر البلاد من “العصبة الحاكمة” كما ظل يهجوها حتى صار كثير من المعارضين يستعيرون منه هذا الاصطلاح. والأهم فوق هذا أن الأستاذ فتحي الضو أبان في كتبه، ومقالاته، رصانة أدبية في التعبير عن مواقفه، وثقافة رفيعة، وشجاعة متناهية في الاستعداد لدفع ثمن هذا الموقف المجاهر ضد سلطة الإنقاذ، فضلا عن ذلك فقد ظل يزاوار تجمعات السودانيين عبر القارات الثلاثة محاضرا عن الشأن الوطني.

وأخيرا تمكن المؤلف من تحقيق اختراق آخر لجهاز الأمن السوداني يضاف إلى اختراقه السابق الذي نشر محتوياته عبر كتاب الخندق. وقد مثل هذا الاختراق الجديد الأول من نوعه لكشف الهيكلية التي تقوم عليها واحدة من أجهزة الحركة الإسلامية الأمنية التي كم أذاقت عددا كبيرا من السودانيين مر القتل، والاغتصاب، والتعذيب، وإفساد الذمم لصالح الطفيلية الرأسمالية. وربما لا يمكننا إدراك تأثير هذا النوع من العمل المعارض الذي تبناه الضو بمثابرة مشهودة إلا حين نقرأ مقالة الكاتب إسحق أحمد فضل الله بعد صدور كتابه الأخير. وقد أوجع محتوى الكتاب إسحق وسدر يتساءل عن الجهة التي قدمت المعلومات التي لم ينفها لمؤلف الكتاب. بل إن ذلك الإحباط إزاء صدور الكتاب تمثل في الإساءة إلى الأستاذ الضو عبر ترميزات لغوية يستشف منها التحقير والإساءة للمؤلف وشيخه الترابي الذي نال من قناته في ملابسات بحثه عمن سرب السر.

يعد “بيت العنكبوت: أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية” عملا توثيقيا خلاقا يضاف إلى مجهودات فتحي الضو الكبيرة التي أشفت بعضا من غليل الأسر المكلومة التي تضررت من النظام. إذ ساهمت الأجهزة الأمنية للحركة الإسلاموية الباطشة في قتل أبنائها بدم بارد في المعتقلات، واغتصاب فلذات كبدها، وعملت على إسقاطهم صرعى في ساحات التظاهر في المدن، وفي القرى الآمنة. وهذه الوثائق التي أوردها الضو قد كشفها مصدر من مصادره، والذي كان يمثل ركنا أساسيا داخل الأجهزة الأمنية. بل إنه المصدر التائب الذي ساهم بقدر ما في توطين سياسات تنتهك حقوق الإنسان بأشكال تنافي القيم الدينية، والإنسانية، على حسب اعترافه المبين. ولقد أوضح المصدر الذي أعان المؤلف أنواع الوسائل، والأساليب، القذرة التي اتبعتها الأجهزة الأمنية بتخطيط ممنهج، ومدروس، من قادة الحكومة وتحت إشراف البشير شخصيا، ومن هم دونه.

ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب كملمح أساسي من ملامح التوثيق المطلوب، والذي ربما سيساعد يوما في الاعتماد عليه لمقاضاة هؤلاء الذين انتهكوا حقوق الإنسان بشكل لا مثيل له في تاريخ الحكم الوطني. ولعلهم أولئك المحميين بنص القانون الذين ما يزالون يواصلون الإفلات من العقاب. إذ من خلال عملهم في جهاز الأمن يقومون بإيذاء المواطنين الشرفاء لمجرد تعبيرهم السلمي عن مواقفهم المبدئية ضد سياسات النظام الخرقاء التي وطدت للرأسمالية الطفيلية الإسلاموية. وهكذا لم تكن الأجهزة الأمنية إلا الغطاء للنخبة الإسلاموية التي سرقت موارد البلاد عبر الغش الديني والسياسي، وعبر إلهاء المواطنين بقنوات فضائية تتكامل أدوار مذيعيها، ومقدمي برامجها، وقارئي أخبارها مع أدوار أفراد الأمن، وقوات الدعم السريع.

أصدر فتحي كتابي “بيت العنكبوت: أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية”، وكذلك “الخندق: أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان”، وكذلك “الطاعون: اختراق دولة جهاز الأمن والمخابرات في السودان” وقد احتوت هذه الإصدارات على معلومات وافرة قدمتها مصادر المؤلف عن أسرار نظام المشروع الحضاري، وهيكل الجهاز التابع لأمن التنظيم، ستة فصول، إذ تعلقت بتقديم عمل بحثي عن مفهوم الأمن، والذيول التاريخية، والسياسية، التي ارتبطت به، ورصد للاغتيالات السياسية التي قامت بها الأجهزة الأمنية للنشطاء السياسيين، والطلاب، وكذلك بعض طرق اغتيال الحكومة لرموز العمل العسكري والسياسي. وقدم كتاب بيت العنكبوت نماذج للذين دبرت الحركة الإسلامية أمر اغتيالهم خارج البلاد، وتوثيقا لبعض الجرائم التي اقترفت ضد الطلاب.

نأمل أن يواصل الزميل فتحي في درب استقصاء الحقائق بعد انتصار الثورة على المشروع الحضاري الذي استخدم الأمن وسيلة لنهب ثروات البلاد، والإفساد بكل معطيات البلاد الاجتماعية، والثقافية، والفنية. وهكذا ينبغي أن تحذوا جموع السودانيين في الداخل، والخارج، خصوصا الذين تضرروا بشكل مباشر من النظام السابق حذو الأستاذ فتحي الضو للعمل على تكوين مركز للتوثيق يهتم برصد كل الانتهاكات التي أرتكبها النظام في كل مستويات الحياة، ونشرها سنويا عبر إصدارة. ومن شأن هذا المركز تقصى كل المعلومات المتصلة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل السودان عبر التعاون مع المنظمات الناشطة في المجال داخليا وخارجيا.

هنيئا للأستاذ فتحي الضو عودته لبلاده هذه المرة، والتي اكتسبت زخمها بنشاطه في أكثر من محفل. إذ احتفى به أبناء شعبه، واصدقاؤه، وأهله كواحد من المثقفين الكبار الذين سعوا إلى توسيع مساحات الاستنارة، وبذل الرصانة الإعلامية، ومواجهة أشكال الاستبداد كافة بجرأة لا تنفذ.

اليوم التالي

‫2 تعليقات

  1. اسماء مثل فتحي الضو وعبدالرحمن الامين وصلاح شعيب تخبرك علي احترام ما يخطه مدادهم من مواد منتهي الدسامه متمنيا ألا تنتهي ابدا لما لها من جاذبية وسحر بيان وروعة اللغه والأسلوب واهم من كل ذلك المصداقية والصدقية …يا ليت لنا في صحافتنا مثل هذه النماذج الأصيلة التي تزخر بالعلوم والمعرفة ورصانة اللغه …مرحبا بك فتحي في بلدك ونحن في انتظار الكثير المثير

  2. ومن قال ان كل من كتب عن الفساد هو بالضرورة نزيه وغير فاسد “؟
    ربما كتبلل من موقع الخصومة السياسية
    ربما كتب من موقع التنافس حول الكيكة دا بياكل وبنى ووو وانا ليه لا
    كل الحاصل يا سادة صراع سياسة وتنافس على موارد الدولة بعيدا عن الشعب بين اليسار ومن ناصرهم والكيزان ومن شايعهم اما الشعب فهو مجرد تغطية لهذا ىلاالفساد المتبادل
    والدليل لا يخفى على احد ( لجنة الازالة الحالية ومناع ووجدي
    تبا للساسة الحزبيين اينما حلوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى