مقالات وآراء

البرهان يحي سوق عكاظ في السودان

أسامة ضي النعيم محمد

نعم ، يطلقه من منصة يخاطب عبرها الجند في قاعدة الشجرة وكاميرات التلفزة العالمية تقذف صورالحدث في أركان الدنيا ، ظهر سوق عكاظ في العام الميلادي501، تأتي اليه العرب من كل مكان في الاول من شهر ذي القعدة للتجارة ، والاستماع للمواعظ ، وإلقاء ألقصائد، يعيده حيا البرهان ليشد الخيمة ويعلن عن سوق الخطابة والمناظرات  مؤسسا لبداية الدولة المدنية في السودان ، رمية  بنيران صديقة أطلقها البرهان في مقتل علي الانقلابات العسكرية لتثبيت أعمدة البنيان المدني في السودان. 

المناظرات السياسية بين المتنافسين علي مناصب الدولة عرفتها البشرية منذ عهد الروم والفرس ، في نسختها الحديثة في عالمنا المعاصر تأخذ بالألباب في عام الانتخابات تلك المناظرات بين المرشحين في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ، كانت هي السُنة الحميدة بيننا في الديمقراطية الاقرب الي عهد الحكم الانجليزي ، توقد ( الرتاين) في الساحات أو دور الاندية الرياضية حيث تقام منصات الخطابة ، يتباري المتنافسون علي الترشح لانتخابات الجمعية التأسيسية في تعظيم الدور والوعد بأن المرشح يأتي بما لم تأت به الاوائل ، شفخانة أو بئر للسقيا أو مدرسة ابتدائية  أو ( نفاسة- داية)من بين الوعود الاهم في ذلك الزمن الجميل .  

سوق عكاظ السودان أعلن البرهان افتتاحه بسيل اتهامات مبهمة ، طاقية رماها البرهان في الهواء والتقطها أهل السياسة في السودان ،ولحسن الطالع كان مقاس الطاقية ( فري سايز) ، وجد الكل الراحة والمهلة عند اعتمارها ، مشي يعتمر الطاقية محمد الفكي عضو مجلس السيادة وشريك البرهان في المائدة المستديرة ، من خلال شاشات تلفزيون السودان وفي لقاء خاص أعاد الكرة الي البرهان ، أعضاء مجلس السيادة بكامل العدد هم رأس حكم السودان وأعضاء المائدة المستديرة متساوون في الحقوق والواجبات ، عرج في مناظرته  الي الفشل في الوصول الي قرارات في أمور الرعية مما يعكس قصورالبرهان في ادارة  الاجتماعات ، الوصول الي نقطة القرار والتوافق بين المجموعات من فنون رشد الادارة وافتعال المعارك وزرع البغضاء يؤشر الي افتقار روح قيادة الفريق. 

في مناظرته الشهيرة يطلق البرهان تعريفا جديدا للعمل السياسي ، مفاده ضرورة الغاء أدب الاختلاف بين المكونات السياسية ، فات علي البرهان استحضار قراءات القران العشرالتي أجازها العلماء ثم تنوع الرؤي بين المذاهب الاربعة وكل التنوع لإثراء عبادة التدبر عند المسلم ، خلط واضح بين أدبيات الضبط العسكري والممارسة السياسية ، في ميدان القتال يسعي القائد الي تدمير الخصم ولتحقيق ضرب الهدف لابد من ضم عناصر القتال من رجال وعتاد في قبضة القائد ليرمي العدو قتيلا أوفارا من أرض المعركة ، الممارسة السياسية تقابل متطلبات الاحباب والأهل من المواطنين والشعب والهدف اسعادهم وتحقيق رغباتهم وإطعامهم من الجوع وتأمينهم من الروع والخوف وصد من يريد بهم سوء ، الهدف هنا ليس تدمير الشعب بل جذبه للالتفاف حول القيادة الرشيدة ، للسياسة فقهاء ومدارس ومسالك للوصول الي رفعة الشعب مما يتطلب تعدد منابر المخاطبة وحلقات التفسير، غم علي البرهان فهم دوره السياسي في مجلس رأس الدولة ووقف فقط عند العقل العسكري أردفه معه الي بلاط الحكم بفهم أن الجميع تحت قبضة وطوع بنان القائد الميداني البرهان .

أخلع نعليك – فأنت في محراب أدب ثورة ديسمبر ، فيها قادة المجلس الرئاسي كلهم بعقل الساسة ، ودعوا خلفياتهم العسكرية والجهوية والمتمردة طرحوها بعيدا ليعودوا فريقا وساسة لخدمة الشعب ، فارق الشعب بيوت الاشباح وزوار الليل وتمجيد الرأي الواحد ممثلا في الزعيم  أمين تنظيم الاخوان وقائد المجلس الاربعيني الذي يرسل القول الفصل ، لايحتاج في قطع الرأي الي مجلس الملكة بلقيس وقولها ( أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتي تشهدون) وسار قرانا يتلي محفوظا في محكم التنزيل ، البرهان لا يريد شهادة معه في مجلس السيادة مناظرا مجلس الملكة بلقيس ،  بل يمشي البرهان بمقاله فرعون زمانه ( ما أريكم الا ما أري) .

شكرا للقائد البرهان فقد أحيا عند أهل السودان أدب ومنابر المناظرات السياسية كما سوق عكاظ في العام501م ، لسوق عكاظ وقبل أن يودع العالم في العام 726م محمدة  ، أرسي سوق عكاظ أيضا أدب تسوية الخلافات بين قبائل العرب وهو ما يحتاجه البرهان ليقدمه لثوار ديسمبر 2018م ، فليكن عندنا أدب المناظرات السياسية وحل الخلافات والوصول الي نقطة القرار لنعبر بالسودان الي دولة مدنية هي بعسكرها وملكيتها شعب السودان. أصاب البرهان حين نصب خيمة للمناظرات و تسوية الخلافات علي خطي سوق عكاظ بنكهة سودانية.

وتقبلوا أطيب تحياتي.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..