مقالات وآراء سياسية

الثورة والرصاص

محمد محمود 
يمرّ السودان الآن بأسوأ ظرف منذ الاستقلال. انقلاب البرهان يبدو وكأنه قد كسب رهانه المرحلي لأن العسكريين أصبحوا الآن القوة الحاكمة والمهيمنة ، والبرهان يبدو وكأنه قد وضع الأساس الذي سيستند عليه ليصعَد ويصبح سيسي السودان (وهذه في تقديري هي خطة القوى الإقليمية ، وهي خطة لن تعترض عليها أمريكا وباقي القوى العالمية إذا أصبحت أمرا واقعا).
ولا شك أن نجاح الضغوط على د. عبد الله حمدوك للعودة لموقع رئيس الوزراء كان انتصارا كبيرا للانقلابيين لأنه ألقى عليهم شيئا من الشرعية وضمن استمرار سيطرتهم على كل الجبهات . إن العسكريين اصطدموا بفشلهم بإزاء ثورة الشارع وبإزاء الاعتراف العالمي بشرعية حمدوك مما اضطرهم لابتلاع قرارهم بإزاحته . وعندما قرّر حمدوك أن يعود ويتحمّل مسئوليته فإنه فعل ذلك تحت ضغط أربعة اعتبارات كما اتّضح من تصريحاته: حقن الدماء ، والحفاظ على ما أنجزه في جبهة إخراج السودان من عزلته الاقتصادية، وما أنجزه على مستوى جبهة تحقيق السلام ، علاوة على حلمه وعزمه على عقد المؤتمر الدستوري الذي فشلت الحكومات المتعاقبة في عقده . ومن الطبيعي والمتوقع أن يختلف البعض من قوى الثورة مع حمدوك بشأن قراره ولكن من الظلم اتهامه بالخيانة والسقوط السياسي والأخلاقي . إن حمدوك يظلّ خارجيا هو وجه الثورة، ويظلّ داخليا هو رمزها بطموحاتها ونجاحاتها وإخفاقاتها.
وعندما ننظر لاعتبارات حمدوك فلابد أن نتوقف بشكل خاص عند اعتبار حقن الدماء، ولا أشكّ أنه كان أهم اعتباراته . إن حمدوك يدرك أنه يتعامل مع مجرمي حرب لا يتورعون عن استباحة تامة لحياة المواطنين لا يردعها رادع . إنه يدرك أنه يتعامل مع مجرمي حرب قرروا في ديسمبر الالتفاف حول الثورة لأنهم أدركوا أن عمر البشير أصبح ورقة خاسرة ومحترقة وأن مصلحتهم ومصلحة الحركة الإسلامية تقتضي التخلّص منه. التفّوا حول الثورة وقد بيّتوا النية على الانقضاض والانقلاب عليها عندما تحين لحظتهم .
وجاءت هذه اللحظة صبيحة الاثنين 25 أكتوبر . إن الفرق بين الظرف الديسمبري والظرف الحالي أن البنادق الآن ، كل البنادق ، بنادق الجيش والأمن والجنجويد والميليشيات والشرطة — كلها أصبحت ذات هدف واحد وموجّهة ضد الشعب لتحصد أي عدد منه.
إن مراهنة الانقلابيين أن ثورة الشباب سيكون مصيرها الذوبان والفشل . وهم سيبذلون قصارى جهدهم لشقّ الشارع بتعبئة عناصرهم الحليفة والمأجورة . ولكن تبقى البندقية هي رهانهم الأخير — فالعسكريون لا يملكون حجّة أو شرعية وكل ما يملكونه هو لغة البندقية وهي تفتح نارها على المواطنين العزّل وتقتلهم .
إلا إن ما لا يفهمه العسكريون هو أن السودانيين، وخاصة شبابهم، قد أصبحوا شعبا ذا كيمياء جديدة وأن التمسّك بالحرية هو ما يدفعهم في كل خطوة من خطوات ثورتهم الدائمة . هذه الكيمياء هي ما أخرج الناس بملايينهم في ديسمبر ، وهي ما يخرجهم اليوم بملايينهم أيضا وهم يفتحون صدورهم العارية للرصاص . إن ثورة السودانيين لن تذوب وتفشل ، إن رصاص العسكريين هو الذي سيذوب ويفشل . سيبني السودانيون ما عزموا على بنائه ، سيبنون غدا ديمقراطيا يخضعون فيه لحكم القانون ومبادىء حقوق الإنسان ولا تدوسهم فيه أحذية العسكريين.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مشروع الدراسات النقدية للأديان.

[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى