مقالات سياسية

حمدوك وغلطة الشاطر

م. امجد مصطفى – جلاسجو

مازال من المبكر الحكم على الخطوة التي اقدم عليها د. حمدوك حيث ان الكثير من خبايا وكواليس هذه الخطوة لاتزال غير معلومة للعامه، كما ان حجم الضغوط الهائله التي مورست عليه ايام حبسه الانفرادي بلا شك اثر كثيرا على قدرته علي رؤيته للامور و الحكم عليها بصورة صحيحه.

مما لاشك فيه ان حمدوك تصرف بدافع من قناعه ذاتيه بان ليس في الامكان افضل مما كان، وذلك على ضوء المعطيات التي كانت متوفرة لديه، ومما لا شك فيه ان رؤيته للامور سوف (وقد بدأت بالفعل) تتغير مع احتكاكه ببقيه القوى السياسيه ومع اقترابه اكثر من نبض الشارع.

الشيئ المؤكد مع كل ذلك، وبدون اي انتقاص من قدر الشخص او الطعن في وطنيته، في رأيي الشخصي ان حمدوك قد ارتكب غلطه بامضائه على هذا الاتفاق بصيغته الحاليه، وكما قال الاقدمون، غلطه الشاطر بألف.

اولا من البديهي لأي مراقب للوضع غداة التوقيع علي الاتفاقية اعلاه، ان الانقلابيين كانوا في موقف شديد الضعف، حيث حاصرهم الشارع داخلياً وقاطعهم المجتمع الدولي خارجياً، وتواري عنهم رعاتهم الاقليميين تحت مطرقة الضغوط الامريكيه تحديداً، وكانوا (ولا زالوا) عرضة لعقوبات دولية وشيكة و مؤكده نتيجة لجرائمهم.

هذا الضعف جعلهم احوج لحمدوك منه لهم، مما جعله في موقف قوي يمكنه من إملاء شروطه، كما ان عامل الزمن كان ضد الانقلابيين ويفاقم من عزلتهم، مع ارتفاع اعداد الشهداء والمصابين والمعتقلين، وانسداد الافق اماهم بسبب الشلل شبه التام الذي اصاب مناحي الحياة المختلفه في السودان حتي لحظه الاتفاق.

كل ذلك شكل فرصه ذهبية لحمدوك للخروج بأكبر قدر من المكاسب، ما دام قد اختار في قرارة نفسه الاتفاق مع العسكر حقناً للدماء كما قال، وصيانة للمكتسبات الاقتصادية. اول هذه المكاسب التي كان علي حمدوك التمسك بها هو إلغاء مجلس البرهان السيادي كما الغي هو سابقه، ليجرد الانقلابيين من اي سلطه عليه، مع تشكيل مجلس جديد شرفي وبدون اي صلاحيات، وبعضويه ممثل من القوات المسلحه من خارج زمرة الانقلابيين، مع التمسك بعدم الحديث عن مصير الانقلابيين وترك ذلك مفتوحاً لتوفير نوع من المخرج المؤقت لهم من ورطة الإنقلاب.

المكسب او الشرط الثاني لقبول حمدوك بالعوده لرئاسه الوزاره كان يجب ان يتمثل في الافراج عن كافة المعتقلين السياسيين فوراً وقبل الإمضاء
علي اي وثيقة، وبالاخص اعضاء لجنة ازاله التمكين.

من نفس موقع القوة، كان علي حمدوك ان يصر علي تحصين لجنة ازالة التمكين مستقبلاً من اي تدخل في قراراتها، والإصرار علي منح حمدوك حق مراجعة وإلغاء اي من القرارات التي اتخذها البرهان منذ الإنقلاب، واخيراَ تضمين بند ينص صراحة علي خضوع شركات الجيش والدعم السريع لولاية الجيش.

ما سبق يمثل الحد الادنى من مطالب الثوار، وكان على مرارته اهون للبرهان ومرتزقة الجنجويد ومن معهم من الإستمرار في قتل الثوار ومواجه الشارع المنتفض بقوة ضدهم والمجتمع الدولي وعقوباته بانتظارالمجهول، وفوق ذلك التفكير المستمرفي ان حبل المشنقه ينتظرهم آجلاً او عاجلا عقوبة لهم علي جرائم فض الاعتصام ثم قتل المزيد من الابرياء بعد الانقلاب.

هم الان في فسحة من الزمن وفرها لهم حمدوك باتفاقه معهم، مما جعلهم اخيراً في موقع يمكنهم من الحركة (زيارة حميرتي للشرطة مثلاً) وادلاء بالتصريحات المستفزه من جديد (علي طريقة ابو جاهة)، وبانتظارما يخبؤه قادم الايام، فقد نجح العسكر مرحلياً في تمرير انقلابهم، تقريباً بدون اي خسائر، وبالطبع سيستمر تهريب الذهب, ونهب ثروات السودان, والارتزاق والعماله للخارج, والانبطاح للمصريين، وقمع المتظاهرين، والاستمرار في احتجاز المعتقلين رغم انف حمدوك، إلي ان يقضي الله امراً كان مفعولا.

الامل الان معقوداَ علي الشارع في ان يستمر في المقاومة، ويستغل الموقف الحالي لتنظيم نفسه وتشكيل قيادة جديد لحراكه، بعيداً عن السياسيين وقريباً من لجان المقاومة وتجمع المهنيين، وليدع حمدوك وشأنه مع العسكر، ويتمسك بلاءاته الثلاثة: لا تفاوض، لا شراكة، لا تسوية.

فيما يخص العسكر، مخطئ من يظن انهم انتصروا في معركتهم مع الشعب، فهم وإن احتموا بحمدوك مؤقتاً، لايزلوا في مواجهة مستمرة مع الشارع، تلاحقهم جرائمهم وإن تستروا وراء لجنة اديب، ولا يزال سيف العقوبات مسلطاً عليهم، حيث ينتظرهم الاسبوع المقبل تصويت الكونجرس علي مشروع العقوبات الذي تقدم به النائب مننديس ولما يسحبه بعد، ولا يبدوا انه سيسحبه. وفوق كل ذلك لا تزال المعونات الاقتصاديه من المؤسسات الدوليه معلقه، ولن تكفي مجرد عودة حمدوك لإرجاعها، والشاهد ان المجتمع الدولي ما يزال يأخذ بعين الأعتبار رأي الشارع المقاوم، يكفي في هذا الاعتبار زيارة القائم بالاعمال الامريكي لذوي الشهيدة ست النفور، وتبرعه بالدم نصرة للمصابين.

الايام القادمة تبدوا حبلي بالكثير، لكن المؤكد باذن الله ان الشارع هو الذي سيجبر حمدوك علي تصحيح غلطته، وهو الذي سيزيح الانقلابيين لا محاله، ويحاسبهم علي جرائمهم، ولنا عودة انشاء الله.

[email protected]

تعليق واحد

  1. ” يكفي في هذا الاعتبار زيارة القائم بالاعمال الامريكي لذوي الشهيدة ست النفور، وتبرعه بالدم نصرة للمصابين”
    في الوقت الذي يتبرع فيه هذا السفير الانسان بدمه للمصابين يقوم زبانية البرهان بمنع وصول الدم للجرحي بل يجهزوا على المصابين في المستشفيات ، لقد أصبح الدم الامريكي الديمقراطي يغذي شرايين الثورة المدنية السودانية الظافرة ويجرى في دمائنا.
    النصر للثورة وللثوار ولا عزاء للمتخاذلين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى