مقالات وآراء

أوراق .. الدبلوماسية السودانية (1) : نور الدين ساتي, “سفير الثورة” أم سفير الهبوط الناعم؟

مازن سخاروف

(أ) خلفية
عنوان المقالة (1) قد يدعو البعض إلى الإمتعاض, ويثير حفيظة بعض آخر. وللبعض من هؤلاء أو أولئك, وقبل أن أمضي قدما سأقول لهم ولكل من “قد” يصيح, كيف تتجرأ على دبلوماسى أديب أريب أنقلو-فرانكفوني مثــّل بلاده ووزارة الخارجية أفضل تمثيل وأفنى زهرة عمره “حاملا لواء السودان” عاليا خفاقا “في المشارق والمغارب”, إلخ كما يلي: كلامي وإن بدا تطاولا أو كان فعلا, فليس لدي وصف أقل تهذيبا من أدوار سعادة السفير نور الدين ساتي هذي الأيام على خلفية محددة هي الإنقلاب الغادر بقيادة الفريق البرهان (حسب الرواية الرسمية). خضت في موضوع الإنقلاب كجزء من هموم وشجون السودان (الحكم, علاقات السلطة, كما نفوذ الأنقلوساسكون) في سلسلتين متوازيتين من مقالات:

إحداهما بعنوان, “ديمقراطيات إنفجارية” (مرقمة واحد, صفر ألف, صفر باء, ثم إثنين إلى خمسة,أي سبع مقالات حتى الآن)؛ والأخرى بعنوان “االموت بشجرة الديمقراطية” (من ثلاث حلقات حتى الآن). أضفت بعض الكتابات على هامش تينك السلسلتين (مثل “تأملات في محنة فِلتمان, المبعوث الأقل شعبية” – أقصد أدنى شعبية؛ و”المؤمنون بالمجتمع الدولي: مؤتمر صحافي لنقابة أطباء السودان ببريطانيا حول الإنقلاب”). على ضوء كل ما تقدم, حديث اليوم مدخله كما أرى الدعاية الإعلامية من طرف السفير نور الدين الساتي (2) والتضليل و”بيع القضية”.

(باء) من الذي جاء بحديث “العسكر كذبوا” على المبعوث الخاص, فلتمان ونفذوا إنقلابهم بعد خداعه ؟
صحيفة نيويورك تايمز نقلت في مقالة لها تصريحات عن السفير نور الدين ساتي (3) تقول بصريح العبارة إن العسكر كذبوا على جفري فلتمان خلال إلتقائه بهم (بما يشمل البرهان) في زيارة الأول في عطلة الأسبوع قبل الإنقلاب مباشرة, كما ذكرنا مرة, وإثنين وثلاثا من قبل (فلتمان وصل الخرطوم الجمعة 22 أكتوبر وغادرها صباح الإنقلاب, الإثنين 25 أكتوبر). عندما سئل جِفري يوم الإنقلاب عما إذا كان مفاجئا من الإنقلاب, أجاب بالنفي, وأرجع فِلتمان ذلك إلى التوترات بين المدنيين والجيش كما بين المدنيين أيضا” (4)؛ ثم قال إنه “إعتقد أن الخلافات يمكن حلها, لكن خاب أمله”. صحيفة نيويورك تايمز لم تذكر مصدر وملابسات ما نقلته عن السفير نور الدين ساتي كما أشرنا. لكن المنقول عن الرجل يثير علامات إستفهام كثيرة. رجعت إلى إفادة أخرى لفِلتمان (تنوير من وزارة الخارجية الأمريكية, إنظر الهامش التالي), هذه المرة في إجابة منه على سؤال مباشر من صحافية لبنانية حول ذات التصريحات المنسوبة إليه.

إقتباس:

الصحافية موناليزا فْريحة عن جريدة النهار: أهلا سعادة السفير, وشكرا لهذا. كمتابعة للسؤال الذي طرحه ميشيل والوساطة الدولية والجهود لإنهاء هذه الأزمة أين تتعثر (..) الوساطة الدولية الآن؟ وهل صحيح أن القادة السودانيين (تقصد العسكر) كذبوا عليك كما نقلت ووشنقتون بوست ونيويورك تايمز؟

جفري فِلتمان: شكرا, موناليزا على سؤالك. عن سؤالك الثاني, عندما كنت في السودان, بالطبع قُبيل إختطاف العسكر مباشرة لمسار الإنتقال, كنا نلتقي مع القادة السودانيين – السياسيين والعسكريين – حول آليات يمكن أن تطمئن ما ذكره العسكر عما يثير قلقهم (فِلتمان قد يكون يشير هنا إلى قلق العسكر من تقديمهم إلى محاكمات جنائية, سخاروف), وبصراحة ما قاله المدنيون عن قلقهم من تباطؤ مسار الإنتقال بالمعدل أو الدقة اللتين رُغب فيهما. من هنا فقد تعامل العسكر معنا حول آليات شتى كانت ضمن الوثيقة الدستورية لعام 2019. إذن لن أمضي إلى حد أن أقول بإنهم كذبوا. لكن ما أود قوله أنهم كأنهم تحدثوا معنا بسوء نية, لأنهم تحدثوا معنا عن كيفية التعامل مع تلك المسائل المقلقة لهم من خلال الوثيقة الدستورية, وعوضا عن ذلك, بمجرد أن غادرنا قرروا أن يضربوا بمائدة المفاوضات عُرض الحائط لصالح إستيلاء عسكري (على السلطة). إذن سأقول إن الأمر أكثر منه أنهم اجتمعوا معنا بسوء نية, منه كذبهم المطلق علينا. (5)
إنتهى الإقتباس.

يبدو جليا أن فِلتمان لم يحسم الأمر هنا. فسوء النية ‘bad faith’ من العسكر حسب رده, سواء في القانون أو كوسيلة من وسائل التضليل ليس مقابلا للكذب الصريح في الإفادة أو ما تم التداول حوله. هذا المأزق طُرح مجددا أثناء التنوير من خلال سؤال دقيق ومفصل من سايمون أتيبا, مراسل Today News Africa بالعاصمة ووشنطون. ضمن ما سأله هذا المراسل إذا ما كانت هناك “تعهدات” تم “‘إعطاؤها لك بأن استيلاءً عسكريا لن يحدث”؟
جزء من إجابة فلتمان (مثل السؤال المطول): “لم نناقش أو نتخيل نوع الإستيلاء العسكري وخيانة تطلعات الشعب السوداني الذي نفذه العسكر بعد ساعات من مغادرتي (..) إذن لم يكن هناك تلميح أو حوار حول الإستيلاء العسكري كشيئ ممكن الوقوع”. إنتهى الإقتباس من إجابة فلتمان.

(ج)
الخلاصة على ضوء ما سبق: لم يوجد للعسكر ما يكذبون بشأنه, إذا لم يخض جفري فلتمان معهم (كما زعم) حول الإنقلاب سواء كتحذير منه بألا يفعلوه, أو تلميحا منهم بأنهم لن يفعلوا. على هذا الأساس, ماذا بحق الله كان السفير نور الدين ساتي يظن أنه يفعل في التصريحات التي نقلتها عنه على الأقل صحيفة النيويورك تايمز (كما قرأت المقالة هناك كاملة), وربما أيضا ووشنطون بوست, حسب إقتراح مراسلة جريدة النهار كما تقدّم؟

 

(د)
تقميش: بعد الدبلوماسية, هل هو إسهام الإعلام في التحضير للهبوط الناعم؟
وسيلة الإعلام السودانية الوحيدة التي شاركت في هذا التنوير (أي “الجريدة”) طرح مراسلها سؤالا يبدو “غريبا”: بالطبع لا أقترح أن طرح الأسئلة ممنوع, فهذه إحدى مسؤوليات الصحافيين, لكن “شكل السؤال يبدو مريبا, حيث كان السؤال, إقتباس:
مراسل “الجريدة: سيدي, كيف ترى أي شراكة مستقبلية محتملة بين المكون المدني والعسكري, وهل تعتقد أنها ستدوم؟ (6)

أقول إن شكل السؤال كان مريبا لأنه السؤال الوحيد الذي طرح على المبعوث الخاص. أصحاب العقلية الإجرامية لا يستيطعَن أحد لومهم إن أشاروا بأن الصحافي جزء من الهبوط الناعم “بارت تو”, وهو حين سأل سؤاله السهل (“دردقها مقشرة لفلتمان”) ينفذ “خط صحيفته” وهو “عبد المأمور”. هذا ليس سؤالا صعبا, فالولايات المتحدة لا تريد, لا في فترة ما قبل إنقلاب عبود, ولا بعد ثورة ديسمبر 2019 (ناهيك عن ثلاثين عاما من شراكة إستراتيجية أمنية مع نظام الحركة الإجرامية) دولة مدنية تستقل تماما عن سطوة العسكر. بربكم البلد دي حيلها ميت من شوية؟

(هـ) السفير نور الدين ساتي: “صفوة الصفوة” الدبلوماسية السودانية تحت المجهر
الدبلوماسية السودانية جنين إنجليزي, إبن شرعي للإستعمار. ونجد ذلك جليا في مواقف مشبوهة, بل ومتواطئة (وأحيانا لدرجة الخيانة) بمقاييس تاريخها كما بمقاييس اليوم. على سبيل المثال موقف السودان من أزمة ا لكونقو التي تمخضت عن مقتل الثائر الشهيد باتريس لومُمبا, السودان الذي كان رسميا مع لومُمبا رئيس الوزراء المنتخب و”تحت الطربيزة” مع القوى الإستعمارية (7). كما موقف وزارة الخارجية إبان حرب النكسة في يونيو 1967, حيث قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة واستضاف قمة “لاءات الخرطوم الثلاث” الشهيرة, بينما كان محـمد أحمد محجوب ووزارة الخارجية يقدمون تسهيلات “تحت التربيزة” للوكالة المركزية (8). تخاذل وتواطؤ وزارة الخارجية السودانية “ما من الليلة ولا من أمس”, فلها دور مشهود في قوى الإختراق الناعم للإستعمار, “قوات سيطرة إحتياطية” داخل وخارج الأمم المتحدة, مثل:

قول واحد, Toast Masters (Toastmasters)
قول إتنين, جمعية التسلح الخلقي
وفي غيرو.
ما هو دور السفير نور الدين ساتي في كل هذا بعد جزئية “كذبوا على فلتمان ياخ”؟ نور الدين ساتي مشارك (بعلمه وكامل اختياره) كعضو أو ضيف شرف مع إحدى ترسانات الإستعمار, ألا وهو المعهد الملكي للعلاقات الدولية:
The Royal Institute of International Affairs (RIIA)
أو إسمه الحركي, شاتَم هاوس Chatham House. وهو ركيزة من ركائز صنع الثوابت الإستعمارية:
يعني شنو الثوابت الإستعمارية؟
1. تخريب التنمية الصناعية في العالم الثالث
2. إستبعاد العدالة الإجتماعية من الصراع الأيديولوجي
3. إدامة الرأسمالية في الكون.
قال ثم ماذا, قال, سنواصل في الحلقة المقبلة.
مازن سخاروف, 19 نوفمبر 2021

الهوامش
——————–
(1) الحديث عن الدبلوماسية السودانية من أكثر المواضيع تعقيدا لأنها ترتبط بشكل مباشر بـ”الدولة السودانية”. وتلك الدولة وسياستها في رأيي ليست سوى ظل لسياسة “البلاط” الإنجليزي.
(2) سعادة السفير نور الدين ساتي هو أول سفير للسودان لدى الولايات المتحدة منذ تخفيض التمثيل الدبلوماسي (بداية من طرف الولايات المتحدة بعد طرد سفير السودان لديها) بين البلدين منذ عام 1998. السفارة الأمريكية في الخرطوم أعيد افتتاحها في عام 2002 برئاسة قائم بالأعمال وحتى هذه اللحظة ليس هناك سفير أمريكي لدي السودان. نور الدين ساتي بعد إعلان رفضه لإنقلاب البرهان الذي “أقاله” تحول الآن إلى “سفير الثورة”, الأمر الذي أضع تحته خطا, وهو طبعا موضوع مقالتي هذه.
(3) دِكلان وولش وعبد اللطيف داحر, صحيفة نيويورك تايمز (بالإنجليزية), “لقد كذبوا”. داخل الأيام الحرجة قبيل الإنقلاب, 29 أكتوبر 2021. جدير بالذكر أن صياغة الخبر توحي بأن فلتمان هو صاحب المزعمة, أي “لقد كذبوا”, حيث مزجت الجريدة في تضليل يبدو مقصودا بين موقف فلتمان والجزئية في عنوان المقال التي تربط بين كذب العسكر على فلتمان وفلتمان كمصدر لهذا الرأي. وهذا طبعا ليس صحيحا ولن يعرف إلا بعد قراءة المقال. والأدهي أن عشرات القنوات الإعلامية نقلت بدورها عن ن.ي.ت. بيانات المقالة بالإنجليزية:
‘They Lied.’ Inside the Frantic Days Leading to Sudan’s Coup, 29 October 2021:

(4) لقاء من الدوحة أجرته قناة سكاي نيوز عربية مع فلتمان. نشرت المقابلة في فيديو بعنوان, “فيلتمان: من حق السودانيين التظاهر سلميا (مقابلة خاصة), 25 أكتوبر 2021. المشباك:

(5) (من ترجمتي لجزء من محضر التفريغ الصوتي لـ) تنوير مع السفير جِفري فِلتمان, المبعوث الخاص للقرن الأفريقي. تنوير خاص عبر الهاتف, 2 نوفمبر 2021, وزارة الخارجية الأمريكية (التنوير يمكن أن تقول مؤتمرا صوتيا أو audio conference, عن طريق رابط راديَوي من دبي, حيث مقر المكتب الإقليمي لوزارة الخارجية الأمريكية أو Department of State Dubai Regional Media Hub, بين مكان تواجد السفير فلتمان بواشنطون, والمتصلون من أنحاء مختلفة من العالم, وفيهم صحافي سوداني (كما تقدّم) من صحيفة “الجريدة” إسمه زاهر بخيت, إضافة سخاروف). المشباك:
https://www.state.gov/briefing-with-ambassador-jeffrey-feltman-special-envoy-for-the-horn-of-africa/

(6) المصدر السابق.
(7) هذا موضوع شائك خاض فيه الخائضون وسكب فيه من مداد الصحائف ما يفيض عنه البحر. تحقيقي أن مقتل لومُمبا مؤامرة (بالمعنى الحقيقي للمؤامرة, أي إستبعاد ما يسمى “بالنظرية” فيها والتركيز على “المتآمرين”) عالمية من أطراف أوربية كما أفريقية, مدنية كما مخابراتية, وشملت حتى تآمر الأمين العام للأمم المتحدة ذات نفسه, داق همرشولد. كل ما سأورده هنا هو الموقف الحربائي للدبلوماسية السودانية إبان الأيام الحاسمة من أزمة الكونقو (ومحنة الشهيد لومُمبا في ذات الوقت) حيث كانت الحكومة السودانية مع حلف غانا والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) المؤيد لـ لومُمبا (موقفا كما عند التصويت في أروقة الأمم المتحدة), لكنها على الأرض كما تقول وثائق الوكالة المركزية بتاريخ 10 يناير 1961, “حتى لحظة كتابة هذه السطور لم تعطِ معونة للومُمبا في الكونقو. كما لم تقم الحكومة بشكل علني بإعطاء إذن العبور للدول المساندة لحكومة ستانلي فيل, رغم أن طائرة واحدة على الأقل تابعة للجمهورية العربية المتحدة عبرت السودان في طريقها إلى لِسالا في محافظة الإستوائية”. تحدثت ملفات السي آي إيه (المصدر, العلاقات الخارجية للولايات المتحدة, 1961-1963, المُجـَلـّد العشرون, أزمة الكونقو, ووشنطون, 10 يناير 1961؛ تاريخ الوثيقة الإستخبارية قبل إغتيال لومُمبا بأيام) كذلك عن الدول الأفريقية التي تتبنى أيديولوجية راديكالية (أو شديدة الوطنية: الترجمة معادية جدا للإستعمار), ونوّهت على أن السودان “قد يتم الضغط عليه” لينضم لتلك الدول. أي أن السودان بصريح العبارة “مكره أخاك لا بطل” في الرجالة في المواقف العالمية للدبلوماسية السودانية والسياسة السودانية الخارجية. هذه الإزدواجية لم تقتصر فقط على الإزدواجية في الدبلوماسية السودانية؛ بل كذلك في دور يعد مشبوها للعسكر السودانيين في الكونقو (كما عسكر في ذات الدول الأفريقية التي تظهر مساندة لومُمبا مثل عسكر غانا). من العجيب أن الدراسة السودانية “المطولة” التي قد تكون الوحيدة عن أزمة الكونقو لم تظهر إلا منذ شهر, بقلم د. أحمد عديل (بالإنجليزية) بعنوان, السودان, الأمم المتحدة وأزمة الكونقو.

(8) المصدر, مازن سخاروف. العاوز تفاصيل بكل شفافية يتفضل يسأل.
==
مازن سخاروف, 19 نوفمبر 2021
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى