مقالات وآراء سياسية

إيران وتوازن القوى في الشرق الأوسط

الباقر علي محمد الحسن
في هذه الأيام ، إيران تتصدر الأخبار ، إن كان ببسط هيمنتها على بعض الدول العربية ، العراق ، سوريا ، لبنان واليمن ، والحراك العسكري بمليشاتها وعملائها في كل منهم  ، أو تواجدها المكثف والمزعج في الخليج العربي وإحتلالها لبعض الجزر الأماراتية ، التواجد الإيراني وهيمنته السياسية والأمنية في تلك الدول أدت الى عدم إستقرارها إضافة الى الإنعكاسات الاقتصادية وتغيير في ديموجغرافيا تلك الدول ، إن دخول إيران في صراع قوة إو أيدولوجيا مع كبار دول المنطقة مثل تركيا وروسيا في القوقاز وتدخلات كل من الولايات المتحدة وروسيا في سوريا ، ماهي الا مقدمة لتحقيق المشروع الأكبر هو الشرق الأوسط الجديد والذي ظهرت إشاراته في العراق وسوريا وعدم إستقرار وحرب ضروس في اليمن بين الحوثيين واليمنيين وأنصار الشرعية الدولية  والمتمثل في دول التحالف .
إيران صاحبة مشروع ثوري في المنطقة العربية بهدف لتصدير الثورة و نشر مبادئ الجمهورية الإسلامية ويلقى هذا المشروع رفضا ومقاومة من كافة دول الجوار بالرغم من ذلك تتمادى الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في ظل ولاية الفقيه بالمضي في هذا المشروع غير آبهة بحسن الجوار وتبادل المصالح مع دول تفرضها الجغرافيا  والدين .
إيران تجد نفسها بعد غزو العراق ، وتحطيم قدراته العسكرية وتبديد ثرواته وضعف إقتصاده ، تمثل دولة  ذات قدرات عسكرية يمكن إستغلالها في تنفيذ مشروعها الثوري والوقوف أمام أي تهديد إسرائيلي محتمل ، لذلك بدأت مشروعها النووي في سرية تامة خارج نطاق سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن بعد لم تمتثل للرقابة والمتابعة الدورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، فأصبحت إيران متمردة وخارجة عن السلطان الدولي وأخطبوط على المستوى الإقليمي مما دفع ببعض دول المنطقة للتعاون مع قوى دولية وإسرائيلية بالتواجد في المنطقة والمياه العربية والمياه الدولية في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر بغرض المحافظة على أمنها وبذلك تمكنت مخابرات تلك القوى العظمى من حرية الحركة وتحقيق إهدافها ومصالحها الاستراتيجية والتي من ضمنها (الشرق الأوسط الجديد) بالرؤية الغربية ، إن إيران كدولة كبيرة في المنطقة ستكون لاعبا أساسيا في أي معادلة جديدة تتحقق على الأرض .
إيران ترى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير عادلة وغير أخلاقية ، وبالذات عقب إنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي 2018 لم تكن قانونية وتطالب برفع العقوبات و بفك حظر  مبالغ تقدر بعشرة مليارات دولار .
التقارير الغربية تفيد بقرب إيران لإمتلاك سلاح نووي في غضون فترة أقصاها عامين إلا أن هناك تضارب في تلك التقارير  حيث أفادت بعضها الى أن إيران تمتلك القدرة على إمتلاك سلاح نووي في أقل من ذلك بكثير مما حدا بإسرائيل التهديد بتسديد ضربات لتديمر تلك المفاعلات أسوة بضربها لمفاعل تموز  العراقي في  1981 ، إسرائيل تعلن في أكثر من منبر بأن الولايات المتحدة تتعامل مع إيران بصورة أكثر نعومة مما ينبغي ، وتحاول إقناع الجانب الغربي باللجؤ للقوة ، كما تؤكد بأن مؤتمر فينا القادم في 29 من نوفمبر ومخرجاته لا تعنيها من قريب أو بعيد وستتصرف وحدها حسب ما يقتضيه أمنها وسلامة دولتها.
أما من ناحية الجانب الإيراني ، فهو يأخذ التهديدات الإسرائيلية بمحمل الجد وقياداته العسكرية العليا .
تصرح بأنها ستتعامل مع أي هجمات إسرائيلية لتحولها الى حرب شاملة ليست داخل الأراضي الايرانية فحسب  بل ستكون في ساحات أخرى ، تهدد كل المصالح الغربية في الشرق الأوسط والاستقرار عموما في المنطقة .إسرائيل لن تقبل بالعودة لاتفاق فينا كما جاء في 2015 لأن إيران طورت من قدراتها في تخصيب اليورانيوم ، كما إن إسرائيل  تشكك في أن إيران تخفي عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية  الكميات الحقيقية لليورانيوم المخصب النقي وإن إيران تخفي مواقع أخرى لنشاط نووي غير  مفاعل نطنز ومفاعل فوردو  ومفاعل أراك ، كما أن العودة للإتفاق بصيغته القديمة سيعود على إيران بمليارات الدولارات التي ستستغلها إيران بتقوية وجودها في المناطق المضطربة سياسيا والمتاخمة لإسرائيل.
تصريحات الطرف الأمريكي والإسرائيلي في حال فشل المفاوضات وعدم قبول إيران الوفاء بإلتزامها وتعهداتها بخصوص الإتفاق ستقود البلدان ( 1+5) (الأعضاء  الدائمون بالإضافة لألمانيا) لدعم إسرائيل في ضرب إيران لكبح جماحها النووي حتى لا تفلت ككوريا الشمالية الا أن أمريكا تفضل المفاوضات الدبلوماسية وإيران من جانبها ترى أن إجتماع فينا الهدف منه إعادة الأطراف الى طاولة المفاوضات ورفع العقوبات عنها كبادرة حسن نية ، المراقبون لا يتوقعون توقيع معاهدة جديدة ولكن الإجتماع سيحقق  فرصة لإيران لوضع مطالبها على الطاولة وهي أكثر قوة من ذي قبل .
.إجتماع فينا القادم سيشكل نقطة تحول في الدور الذي ستلعبه إيران في المنطقة في حال تمت الموافقة على النصوص القديمة لإتفاق 2015 والذي يعطي إيران الحق في بيع اليورانيوم المخصب وبفك الحظر على الأموال في الدول الغربية سيكون في مقدور إيران تطوير قدراتها النووية ، وتثبيت وجودها في بعض الدول العربية ، وفي هذا المؤتمر إذا إقتضت المصالح الغربية ستتم تقسيم مناطق النفوذ لصالح الغرب وإيران وإسرائيل مع المحافظة على مصالح الغرب في الحصول على بترول الخليج .
كان من المفترض إن يكون للجامعة العربية وجودا في هذا المؤتمر حتى ولو في شكل مراقب ، لأن هذا المؤتمر و العودة لهذه الاتفاقية لها إهمية قصوى في رسم السياسات العربية في التعامل مع إيران ومع إسرائيل على حد سواء في المستقبل .
إن الصمت العربي الحذر إزاء الإتفاق النووي الإيراني يجعل الدول العربية مسكونة بالقلق إذا ما تم الإتفاق على حساب مصالحها مع الغرب.وسيزيد من النفوذ الإيراني الإقليمي.
على العرب أن يقدموا على حل الصراع الأزلي بينهم وبين إيران برؤية سياسية ومصالح واضحة ومتماسكة بعيدا عن الإرث الآيديولوجي.وعن اللهث عن وراء وراء الحماية الغربية والتي وصلت الى قناعة بأن على  دول المنطقة حماية نفسها!!!!!
[email protected]
زر الذهاب إلى الأعلى