مقالات وآراء

ورحل أيقونة الغناء السوداني عبدالكريم الكابلي

 طارق يسن الطاهر

لم تكن مغنيا فقط ، تحفظ  الكلمات ، وتعرف الألحان، وتؤدي الأغنيات ، وإنما كنت تبعثها ( شلالا رويا )، ما كنت ضنينا بالوعد  ،وإنما كنت كريما معطاء  ، (يهب الحياة غناءه يهب الفنون.)

(ماذا يكون)  يا كابلي ، لو لم تكن أنت أيقونة الغناء السوداني ، فمن أي الجوانب يتناولك الدارسون ؟!
فأنت بارع في العربية الفصحى ، غُصتَ في الشعر العربي قديمه وحديثه، وأتيتنا بتلك التي (نالت على يدها) ، وقد نقشتَ أنت على معصم الغناء السوداني،  ولكن جَلَدك لم يكن واهيا .

وغصتَ في بحر الشعر العباسي، حينما شدوتَ مع ذلك الحمداني أبي فراس، (معللتي  بالوصل والموت دونه )، وتضوعت مع العقاد في  (شذى زهر ولا زهر ).

اقتحمتَ غمار التراث السوداني البعيد ، فنهلتَ منه مع بنونة بت المك في مرثيتها الخالدة ، و(خيلها العركسن وما قال عدادن كم ، فرتاق حافلن ملاي سروجن دم) وسألت عن علي (متين يا علي تكبر تشيل حملي) ، وفسرت التراث ،وكلماته الصعبة التي ما كنا نعرف نذللها لولاك  ، فما كنتُ لأعرف أن الوضيب هو الشعر ، لولا سمعتك تفسره مع الرائعة الراحلة ليلى المغربي :  (كشفن ليك أمات وضيب ) ،فلولاك ما عرفنا  (الفافنوس) ، ولا تشرفنا بترديد قصة (خال فاطنة)

وعبرتَ الحدود وجئتنا باللالئ التي كانت أحلى من تلك (اللؤلؤة البضّة ، التي صيدت من شط البحرين )، وركبت الجندول وتجولت في البندقية  ، وسألت مع الملاح التائه  : ( أين من عينيَّ هاتيك المجالي ، يا عروس البحر يا حلم الخيال)، ولم تكن غريبا كما كان هو.

لم تكن مغنيا فقط ، فأنت الشاعر الذي صاغ الكلمة ، وأجاد النظم ، وأنت الملحن الذي دوزن النغم المموسق المنغم .
كنت فصيح النطق ،سليم المخارج ،غض العبارة، جميل الكلمة ،عميق المعنى ،رقيق الحديث .

يا أيقونة الغناء السوداني العظيم ، ( لو أنت نسيت أنا ما نسيت ) ، حينما استمعت إليك في أمسية أدبية في القاهرة ، فكنتُ كالتلميذ الذي يأسره علم أستاذه ، وكالمريد الذي يخشع لدى شيخه ، وأنت تحلل التراث تحليل العالِم  ؛فأنت نطاسي الكلمة ،وجرَّاح الشعر، وطبيب الأغنية ،     سمعتك وأنت تحلل كلمة “فولكلور” وترجعها لأصولها في اللغات الأخرى،  حرفا حرفا،  وتعيدها للمعنى المستخدَم حاليا ، ببراعة لا يملكها غيرك.

كنت مجموعة إنسان ، وكنت أمة اجتمعت في شخص ، فأنت (الزول السمح، الفات الكبار والقدرو ) ، فقد كانت (المرايا تكلمك )، وتناديك( زينة ولأنك عاجبها) .

كنت قيثارة الوطن حينما شدوت للخرطوم ، حينما (هبت في جنح الدجى وضمدت بالعزم هاتيك الجراح ).

وكنت ذا كلمة طيبة ، وأنت تشيد بطلابنا وطالباتنا  حينما شدوا في كورالهم  بـقصيدتك : (شمس الصباح والصباح رباح ، شمسك يا وطني )

وطفت بصوتك العذب في أنحاء السودان ، حينما غردت لمروي التي (شفت فيها كل جميل ).

وأبدعت متجليا ، حينما غنيت أمام جمال عبدالناصر: ( مصر يا أخت بلادي يا شقيقة  ، يا رياضا عذبة النبع وريقة ، يا حقيقة  )

كلنا نحبك أستاذنا ؛ لأن (حبك للناس خلانا نحبك تاني ، وفيك الإحساس نساني أعيش أحزاني) ، فأنت (الومضة التي عشنا على إشراقها)

كنت رصينا في اختياراتك ، شاملا في انتقاءاتك ، مبدعا في حرفك  ،بديعا في لحنك .

كنت أنيقا في مظهرك،  رغم المرض الذي سعى لأن يجعلك شاحبا، لكنك قاومت وصمدت و”ركزت”

عندما جاءنا خبر وفاتك ، ( وتفشى الخبر وذاع وعم القرى والحضر) بكتك عيون أبناء وطني وبناته ، وأعينهم ( غالها الدمع فما أبصرت شيئا)
طبت حيا وميتا أستاذنا عبدالكريم الكابلي
ـــــــــــــــــــــــــ

[email protected]

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..