مقالات سياسية

مشروع كاميرات

واحدة من أسوأ الأشياء التي ظلتْ تميز حكومة الإنقاذ على مدى 30 سنة، هو التفكير غير المجدي في كل الأوقات وخاصة أوقات الأزمات، فمثلاً تأتي بفكرة مشروع ثم تعمل بنفسها على دحضها بسبب عدم واقعيتها، بعد ذلك إما تناست المشروع أو نفذته وأهدرت فيه أموالاً كثيرة بلا فائدة، وظلت تكابر وتبرر له طوال الوقت. ورغم كثرة وقوعها في مثل هذه الأخطاء، إلا أنَّها لا تتعظ أبداً، ومشاريع كثيرة لا تعد ولا تحصى انتهت بالفشل أو صرفت عنها النظر لأنَّها غير واقعية ومخطط لها بحرص، وهذا إن دل إنما يدل على عمى البصر والبصيرة الذي ظل يلازم العقول التي تفكر للحكومة.

قبل ثلاثة أيام أعلن والي الخرطوم هاشم عثمان الحسين عن اتجاه الحكومة لإنشاء مشروع المدينة الآمنة، عبر تركيب (4) آلاف كاميرا مراقبة لحفظ الأمن حسب ما نقلت الصحف. وتجئ فكرة هذا المشروع بعد التظاهرات التي شهدتها الخرطوم، وأظنُّ أنَّ الفكرة تخويفية أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً، فالمشروع غير منطقي وغير عقلاني ويستحيل تنفيذه في مدينة كالخرطوم، تفتقر إلى الكثير من الأشياء التي تجعل المشروع فاشلاً ومنها البنية التحتية.

وحقيقة هناك أسئلة منطقية تطرح نفسها أمام كل من يسمع هذا الخبر، مثلاً ما قيمة هذه الكاميرات في مدينة تعيش ظروفاً قاسية، وتعاني الفقر والتشرد والنزوح والتسول وتستقبل مئات المتسربين من المدارس والجامعات، وتنتشر فيها العطالة والأعمال الهامشية والظواهر السالبة وغيرها من أوضاع مؤلمة تعيشها  الخرطوم، وهي مدينة كبيرة تساوي دولة بمساحتها وسكانها.

ثانياً كم تبلغ قيمة هذه الكاميرات التي بلا شك سيتم استيرادها من الخارج عبر الشركات إياها، و4 آلاف كاميرا عدد مهول وثمنه طائل ومع التركيب والمتابعة والصيانة سيكون مكلفاً جداً. ثم السؤال الأهم، من أجل ماذا تريد الحكومة إنشاء مدينة آمنة، من أجل نفسها أم من أجل المواطن؟ وبما أن فكرة المشروع جاءت بعد 30 سنة وبعد المظاهرات، فهذا يعني أنها تستهدفُ أمنها الشخصي، ولأنَّ الشيء بالشيء يذكر ففي عام 2013 أيضاً قرر والي الخرطوم عبد الرحمن الخضر تنفيذ مشروع مشابه بعد مظاهرات سبتمبر، يهدف إلى توفير طائرات مزوّدة بكاميرات لنقل الصورة الحقيقية للتظاهرات، باعتبار أنَّ الصورة الأرضية تحتاج إلى دعم جوي كما قيل، ولا أعتقد الفكرة تم تنفيذها تماماً وهو ما سيحدث مع مشروع الكاميرات.

إن تصبح أي مدينة في الدنيا آمنة لا بد من توفير متطلبات الحياة الكريمة بمعناها العريض لمواطنيها وخاصة المأكل والمشرب، ويجب أن تتوفر لهم الخدمات الصحة والتعليم والسكن والتقدير والرعاية ويشعروا بدولة المواطنة والحرية، هذا الشرط يقطع ثلاثة أرباع الطريق إلى الأمن بمعناه العريض. ومعروف صعوبة أو استحالة الحصول على لقمة العيش مما يجعل الإنسان غير عابئ بالمخاطر ومغامراً يتحدى القيم والأعراف والدين وحتى القوانين والدولة، ولذلك يجب أن تفكر حكومة الخرطوم ألف مرة في مشروع  الكاميرات قبل أن تنفذه، فالذي لم تردعه عيون القانون لأنه فقد حاجات أساسية، لن تردعه عيون الكاميرات وإن زُرعت له في منزله.

التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..