مقالات سياسية

سيناريوهات الرقصة الأخيرة..!!

سمية آدم عيسى

على الرغم من دروس التاريخ، وحتمية الفناء، إلا أن الطواغيت قلما يأخذون العبرة، ويصرون على البقاء. فما أن تسلل أحدهم خلسة بلا مؤهلات، حتى سعى إلى القمع والاستبداد، زاجا بالناس في السجون مدفوعا بعقد نقص تتوالد، بلا رصيد نماء. فمن الطاغية الروماني الأشهر كاليجولا الذي عين حصانه نائبا في البرلمان، ونصب نفسه وريثا للأغنياء، إلى الإمبراطور نيرون الذي أحرق روما على أيقاع أشعار هوميروس وأنات القتلى والفقراء، لم نسمع أحدا منهم نجح في تغيير نواميس الطبيعة، بل كلما طالت مدة التشبث بدون زهد، كلما اسودت النهايات.

وفي واقعنا المعاصر، شهد الناس قصة وليام تولبرت رئيس ليبريا الذي أعدم بالحراب مع 13 من وزرائه، وصمويل دو الذي قطع المتمردون أذنيه وشيء آخر بسكين مطبخ، وصولا إلى “ملك ملوك إفريقيا” الذي قضى على أيدي “المقملين”.

بيد أن أن متابعين للمشهد يخشون ألا يكون هذا الخيار الدموي مناسبا لجيل المشروع الحضاري الذي فاق عدد المطربين فيه العلماء والمخترعين، بل إنهم يرون أن المشير داهية يتمتع بعبقرية وذكاء قل نظيرهما؛ فهو قد تلاعب بكافة الحوارات وقلب كافة الطاولات وخلط جميع الأوراق حتى صار أقرب إلى بهلوان منه إلى رئيس. ولولا المندسين وشذاذ الآفاق الذين أفسدوا عليه ركوبه السرمدي على ظهر الشعب، لأنجز تنمية شاملة يخطط لها منذ 30 عاما. وربما لا يفوقه ذكاء وعبقرية إلا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي رقص على رؤوس الأفاعي، ليؤدي رقصته الأخيرة وحيدا في باحة منزله بلا بطولات.

لماذا التشاؤم؟، فالرجل ربما يحذو حذو زين العابدين بن علي، الذي أصغى لتوسلات حرمه المصون، أن يجنبهما مصير نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته اللذين أعدما أمام عدسات الكاميرات. أو ربما يحذو حذو حسني مبارك، فيدعي المرض ويكفي البلاد والعباد شر الانزلاق إلى المجهول. غير أن أطباء نفسيين يحذرون من مغبة الإفراط في الأمنيات، فالرجل بحسب تشخيصهم يعاني من شوفينية ذكورية ونرجسية كاملة الأركان. فلا احترام لحقوق المرأة عرف عنه، ولا مراعاة لحقوق طفل، بل يبشرون الشعب بمزيد من العنتريات والرقصات والعذابات على وقع أغاني الحكامات “الجري دا ما حقي، حقي المشنقة والمدفع أب تكلي!” حسناً، يمكن القول إذن، إنه ربما يسعى للاستقرار في أي بلد آخر، كسوريا مثلا على غرار سلفه نميري الذي لم يسلم هو أيضا من اللوثة الدينية بعد 16 عاما فقط، وهذا ما تؤكده صحفيات ساخرات، مضيفات بأنه يخشى افتضاح بيعه نهر النيل بعد الرحيل.!

يتفق المحللون على أن المشير ربما يكون محقا في استبعاد فكرة “الهرب” أو “الاستقرار في بلد آخر”، لأن هذا سيقربه حتما من مصير تشارلز تايلور الذي تم تسليمه إلى المحكمة الجنائية كأول رئيس سابق يحاكم أمام محكمة لاهاي الدولية في “جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب”، والذي حكم عليه بالسجن 50 عاما، الشاهد إنه، ومع إصرار الطغاة على الخلود، تكيف الطبيعة أيضا طرق التخلص منهم.

فالدكتاتور، يحي جامع، الذي تعهد بحكم غامبيا “مليار عام”، اضطر إلى التنازل بضمانات بعد خسارته الانتخابات. وبعد 22 عاما، توسط بعض الرؤساء، لكنه، وقبيل مغادرته صرح قائلا “إنني فخور بأنني حفظت دماء الغامبيين أثناء الأزمة السياسية”، فقط ليكتشف خلفه أنه أفرغ الخزينة من كافة الأموال وحمل معه 44 صندوقاً من الجواهر والذهب والألماس بالإضافة إلى “حجابات” سحر وشعوذة وطلاسم أملا في العودة مرة أخرى لحكم البلاد. ولا شك أن المشير يهفو لهكذا خيار، خاصة مع أنباء تهريبه مليارات الدولارات من عائدات البترول. لا شك في أن نفسه ترنو إلى الاستمتاع بهذه الثروة مع زوجتيه، ولا شك في أن فرائصه ترتعد من المحكمة الجنائية، لأنه يعلم في قرارة نفسه أن قراراتها لن “تماص في مويه”. لكن وعلى الرغم من أن الوسطاء تنتظرهم مهمة عسيرة، إلا أن هذا الخيار ربما لا يصبح متاحا إذا ما أصر الجنرال على التحدي. فمن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تلوح الآن تهم “القصاص” من المتظاهرين، وجرائم تجنيد أطفال دارفور، والحبل على الجرار.

غير أن العارفين ببواطن الأمور يجزمون بأن المشير لن يتنحى طواعية، وأن الموضوع بالنسبة إليه مسألة “رجالة”؛ فهو قد نصب نفسه بلا مراسيم “أرجل رجال السودان”، وانه ينظر إلى روبرت موغابي وبشار الأسد بشيء من الإعجاب. غير أن موغابي الذي حكم 37 عاما وزور الانتخابات وغير الدستور، وخالف تعاليم الكاثوليكية باتخاذ زوجتين، وأوصل البلاد إلى حافة الفناء، وشرع في توريث زوجته، وتسبب في انهيار الاقتصاد، ووصل التضخم في عهده إلى 1600%، وأصاب الإيدز ربع البلاد بما فيهم ستة وزراء، كان محظوظا جدا لدرجة أنه فاز بأكبر يانصيب قومي أجراه بنك البلاد والذي بلغت قيمته 2600 دولار أمريكي!

أما بشار، وما أدراكما بشار! فقد نجح أخيرا في شيطنة الحركات الإسلامية، إلا أن المشير كما يقول العارفون، غير محظوظ البتة، كما إنه “الشيطان” بعينه، وهو “حركة إسلامية كاملة الدسم”، ناهيك عن إنه “مطلوب للجنائية”.

عموما، يجمع المؤرخون على أن الطغاة يبدئون أولى خطواتهم نحو الانزياح من المشهد مع انتفاض الجماهير، وكلما زاد ضغط الاحتجاجات كلما ضاقت الدائرة، ليجدوا أنفسهم يساقون عنوة إلى إحدى الزوايا الآنف ذكرها، هذا ما لم تباغتهم سكتة أثناء حالة الإنكار فيموتون بلا أمجاد.
3 يناير 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق