مقالات سياسية

السودان : مبادرة فولكر وغياب الريادات الوطنية الواعية..

طاهر عمر

اذا سلمنا لأمر نقبله على عواهنه لا شئ إلا لنجعله مؤشر عبره نستطيع أن ندلف لتفكيك حالة النخب السودانية وكيف لم تستطع أن تجسر الهوة ما بينها والمجتمعات الحية وقد حققت تقدم وإزدهار مادي؟ وهذه الحالة مستديمة ومستمرة الى ما يقارب القرن من الزمن وها هي نتيجتها فشل النخب السودانية في استيعاب أن الدولة مفهوم حديث ولا يمكن بناءها بما يكمن في منظومة قيم النخب السودانية التي لم تبارح محطات انتظارها التي طالت عن تقديم حلول نهائية لما هو مفتوح على اللا نهاية وليس له أي طريق يفضي الى الحلول النهائية.
مشكلة النخب السودانية لا تريد أن تفهم بأن لا حلول نهائية كما يحلم الشيوعيين السودان وحاملي أفكار وحل الفكر الديني من كل شاكلة ولون وهنا يلتقي في انتظار الحلول النهائية كل من الشيوعيين السودانيين واتباع احزاب الطائفية وأتباع الحركة الاسلامية السودانية والسلفيين.
لم يلحظ مفكري السودان بأن أزمة الفكر في السودان نتيجة كساد فكري عميق الجذور وقد أصبح موروث وسببه أن النخب السودانية لاحقة للأحداث الفكرية وتحولات المفاهيم ولا تعطي النخب السودانية نفسها الفرصة لإلتقاط أنفاسها ورؤية كيف تتحول المفاهيم وكيف تجابه الظواهر الاجتماعية في تسلسلها وكيف ان المجتمع الحديث الذي تسوقه معادلة الحرية والعدالة يجابه مشاكل متسلسلة تمسك بتلابيب بعضها البعض متجددة ومتلاحقة ومفتوحة على اللانهاية كيف يستطيع الشيوعي السوداني أن يسهم في حل مسألة فكرية معقدة وهو ضد فكرة الدولة من الأساس وهو في ايمانه بالمطلق المتجسد في فكرة نهاية التاريخ وانتهاء الصراع الطبقي؟ .
وقد رأينا مشاكساتهم ومعاكساتهم لحكومة حمدوك وكيف قد عملوا على اسقاطها الى أن حقق لهم إنقلاب البرهان حلمهم وكل هذا نتيجة لفهم الشيوعيين السودانيين وهو فكر لا يؤمن بفكرة الدولة من الأساس وقد نجحوا في صناعة الضجيج الذي يغطي على عيوبهم الفكرية وقد شكلوا مجموعة أصدقاء الحزب الشيوعي وحييدوهم عن معارك الصراع الفكري ولهذا السبب تجد أغلب النخب السودانية تجهل بأن علاقة الديمقراطية والرأسمالية علاقة طردية وعلاقة الماركسية والرأسمالية علاقة عكسية ويجهلون لماذا انتصر توكفيل على ماركس ولماذا انتصر ريموند أرون على سارتر؟ وكله بسبب سيطرة المثقف السوداني المنخدع بماركسية ماركس.
أنظر الي الساحة الفكرية هل ترى أي فكر يتحدث عن الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية وكيف قد فارقت فلسفة التاريخ التقليدية وأسست لفلسفة التاريخ الحديثة وكيف قد تخلصت من أثار الليبرالية التقليدية وجابهت أفكار الليبرالية الحديثة وكيف ظل الشيوعيين السودانيين الى اليوم ناجحين في جر مشهد الفكر الى الساحات الفكرية الخلفية التي ما زالت لم تصل بعد الى قمة الليبرالية التقليدية؟ والمؤسف حتى اللحظة لم تنتبه النخب السودانية الى تخلف ساحة الفكر السودانية التي ما زال يسيطر على معاركها الماركسي السوداني المنخدع بماركسية ماركس وليس ذلك فحسب بل قد جعل بقية النخب تجهل معادلة الحرية والعدالة روح الفكر الليبرالي بشقيه السياسي والاقتصادي فلا تستغرب أيها القارئ بأن الشعب متقدم على النخب يوم كان شعاره حرية سلام وعدالة وهو شعار يعكس أضواء الفكر الليبرالي.
والمضحك بان الشيوعيين السودانيين قد قالوا أنه شعارهم وهنا يمكنك ان ترى مغالطاتهم  ووهمهم بان تنسب الحرية والعدالة التي نادى بها ثوار ديسمبر الى ماركس وتسحب من تحت أقدام توكفيل المنتصر على ماركس وقطعا لا يحدث مثل هذا اللعب والاستهبال إلا في ساحة فكر النخب السودانية الفاشلة التي يسيطر عليها الشيوعي السوداني الذي لا يؤمن بفكرة الدولة من الاساس والمضحك لم يتصدى لهم أي مفكر سوداني  ليقول لهم بان شعار ثورة ديسمبر شعار ليبرالي يعكس روح الليبرالية الحديثة لطبقات صاعدة ليس لها علاقة بماركسية ماركس ولا يمكن ان يتحقق شعارها الا في ظل فكر ليبرالي يؤسس الى فلسفة التاريخ الحديثة التي يجهلها أغلب النخب السودانية و هم في أتباع الى المرشد و الامام ومولانا والاستاذ الذي ينسب له حزب الأفندي المضاد أي الشيوعي المنخدع بماركسية ماركس.
على العموم ساحتنا السودانية ونخبها لا تريد أن تفهم أن الشيوعية السودانية بنسختها المتحجرة والحركات الاسلامية والسلفيين واحزاب الطائفية لا تختلف عن النازية والفاشية فهي أفكار ضد عقل الأنوار وضد الحداثة كما يقول علماء اجتماع كثر نذكر منهم من استند على أفكار ماكس فيبر وكيف قد انتقد ماركسية ماركس وهنا يمكننا أن نسال لماذا لم يكتشف دارسي علم الاجتماع في السودان بأن أفكار وحل الفكر الديني من كل شاكلة ولون هي ضد الحداثة وضد عقل الأنوار ؟ .
سألنا هذا السؤال لأن ما يشغل ساحة الفكر الآن في السودان هو مسألة التحول الديمقراطي في السودان وقد فشلت فيه النخب السودانية وأفسدت شعار الشعب السوداني وأحلامه بدولة تقود التحول الاجتماعي والتحول الديمقراطي والسبب لأن النخب الفاشلة في أعقاب ثورة ديسمبر قد إنشغلت بتقسيم الغنائم بينهم أما الأحزاب السودانية لم يخطر ببالها بأن معاركها على ركام ما تركته الانقاذ من ركام قد أعماهم عن غياب هيكل الدولة نفسها كمفهوم حديث ولا يمكن ان يشغل بال أمثالهم أتباع المرشد والامام ومولانا والاستاذ وحزبه الذي لا يؤمن بفكرة الدولة من الأساس.
وعليه ها هي مبادرة الامم المتحدة تدخل الخط وهي أكبر مؤشر على أن النخب السودانية قد وصلت الى منتهاها في الفشل وعجزت أن تفك إشتباكها فيما بينها وإكرام للشعب السوداني صاحب ثورة ديسمبر ها هم أحرار العالم يحاولون إنقاذ روح ثورة ديسمبر من بين أيدي نخب فاشلة وعليه نقول بأن أكبر المفاهيم الغائبة عن أفق النخب السودانية هو مفهوم الدولة كمفهوم حديث وهي التي تقود التحول الاجتماعي والتحول الديمقراطي ويجب أن تكون مبادراتهم واستجابتهم لمبادرة الأمم المتحدة أن تركز على مفهوم الدولة كمفهوم حديث وهذا يتطلب ما يشبه المعجزة أي بأن تنتقل النخب الفاشلة بين عشية وضحاها الى مستوى يجعلهم في مستوى فكر أحرار العالم أصحاب المبادرة التي تريد تحقيق شعار الشعب السوداني حرية سلام وعدالة وطبعا هذا يدخل الى حيز المستحيل من نخب أدمنت الفشل ولكن نقول بأن الشارع والثوار والشعب هم مصدر السلطة وكما كان متقدم على الدوام على نخبه الفاشلة عليه يجب أن يستمر في ثورته التي تجبر العسكر والنخب بأن مفهوم الدولة كمفهوم حديث لا مكان فيه للعسكر ولا مكان فيه للنخب الفاشلة نخب ما زالت تابعة لأحزاب مولانا والمرشد والامام والاستاذ الذي لا يؤمن بفكرة الدولة من الأساس لأنه إذا تركت الأمور للنخب الفاشلة سوف يفشلون مبادرة الأمم المتحدة وبالمناسبة إذا فشلت مبادرة الأمم المتحدة سوف يدخل الى زمن ما بين الحربيين العالمتين وكيف أعقب زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى إكراهات وصعوبات كانت تسوق باتجاه حرب عالمية ثانية وقد نبه لها كثير من الفلاسفة والاقتصاديين ولكن كان حالهم كحال النخب السودانية لم يسمعوا الى لحظة قيام الحرب العالمية الثانية . الشعب السوداني يمكنه تفادي زمن ما بين الحربيين العالمتين في أوروبا اذا أجبر النخب الفاشلة على ترسيخ فكرة الدولة كمفهوم حديث وان تسفر مبادرة الأمم المتحدة عن ميلاد دولة حديثة ذات ملامح واضحة وليست كما كانت أيام حمدوك وحاضنته المريضة من نخب فاشلة وللأسف حمدوك كان بين أيديهم كالميت بين يدي غاسله في وقت كان يمكن ان يتحدث فيه عن غياب ملامح الدولة إلا انه صمت صمت القبور وكانت النتيجة إنقلاب البرهان الفاشل لكي يكون آخر أوهام النخب السودانية وفشلها وها هو الشعب السوداني قد لقنه درس لأن ينساه وأن أحلام أب البرهان لم تكن غير أحلام زلوط أما أحلام الشعب السوداني فهي حرية سلام وعدالة لا يمكن تحقيقها إلا عبر الفكر الليبرالي بشقيه السياسي والاقتصادي وللأسف فكر قد غاب طويل من مشهد الفكر السوداني .

تعليق واحد

  1. فعلا كما قلت هي نخب فاشله وحتى رجل الشارع العادي يعرف انهم فاشلون عندما يشاهدهم يتكلمون في اجهذة الإعلام المختلفه لكنهم لا يسمعون الا أنفسهم.

زر الذهاب إلى الأعلى