مقالات سياسية

قهر الرِّدّة وسقوط المشروع الإسلامي

في الذكرى السابعة والثلاثين للرِّدّة

محمد محمود

(1)

تأتي الذكرى السابعة والثلاثون لإعدام الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الرِّدّة في هذا العام والسودانيون يواصلون ملحمتهم من أجل استرداد ديمقراطيتهم بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي مثّل انتكاسة خطيرة على ما أنجزته ثورة ديسمبر والطريق الذي فتحته.

كان إعدام الأستاذ محمود صبيحة 18 يناير 1985 واحدا من أكبر مظاهر عنف وهمجية نظام جعفر نميري وعقوبات الحدود التي كان قد فرضها لتوه، وكان هذا الانتهاك رسالته الصارخة ليعلن لأهل السودان وللعالم انحيازه لمشروع الدولة الدينية. وفي الواقع فإن ما ذاقه السودانيون في الشهور الأخيرة لنظام نميري وهو يطبّق عقوبات الحدود، بدعم وتعاون الإخوان المسلمين الملتهب الحماس والذين قاموا بدور ذراعه التنفيذي، كان بمثابة المذاق المبكّر لما كان ينتظر السودانيين من قهر في ظل نظام 30 يونيو العسكري الإسلامي. وعندما أُعدم الأستاذ محمود لم تكن هناك مادة عن الرِّدّة في القوانين ولجأ قضاة النظام لجسم الشريعة لبعث العقوبة وتبريرها. وهكذا وعندما انتزع الإسلاميون السلطة تحرّكوا بسرعة لردم هذه الثغرة فوضعوا، ولأول مرة، مادة مستقلّة للرِّدّة هي المادة 126 في القانون الجنائي لعام 1991، لينقلوا بذلك الرِّدّة من جسم الشريعة لجسم القانون الجنائي السوداني. كان لابد للسودانيين من انتظار ثورة ديسمبر ليتمّ إلغاء المادة 126 في يوليو 2020.

إن ذكرى الرِّدّة تضعنا أمام القضية الكبرى: قضية الحرية. هذه القضية الكبرى انتبه لها ثوّار ديسمبر لتصبح العنصر الأول في شعارهم الثلاثي: حرية، سلام، وعدالة، وهم بهذا الانتباه انحازوا للحرية بوصفها الأساس الصلد للثورة ومستقبلها. وهذا الانحياز للحرية الذي يجعلها البداية والمدخل والأساس هو ما تعبّر عنه المرجعية الكبرى للبشرية اليوم ونعني بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يعلن في مادته الأولي: “يُولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق”. وهذه الحرية الأساسية لا تلبث أن تتخذ أشكال حرية أخرى في حياتنا لا نستطيع العيش وتحقيق إنسانيتنا بدونها مثل الحرية السياسية والحرية الدينية والحرية الاجتماعية.

(2)

وأهمية ذكرى الرِّدّة هو ارتباطها الوثيق بمشروع الدولة الدينية الذي لا يزال مطروحا في حياتنا السياسية وخاصة بعد انتكاسة 25 أكتوبر 2021. وطالما أن الحركة الإسلامية، وخاصة في تجلّيها كحركة إخوان مسلمين، قائمة وتمارس إما حكمها أو هيمنتها فإن احتمال عودة حكم الرِّدّة وبعثه أو العيش في ظلّ ترهيبه سيظلّ قائما. وهذا هو ما يجب أن نضعه دائما في اعتبارنا عندما نفكر في مسألة الحرية في السودان وهو أن هيمنة الحركة الإسلامية على الفضاء العام تمثّل واحدا من أكبر، إن لم يكن أكبر، القيود على الحرية، وخاصة الحرية الأم: حرية الفكر والتعبير. وهذه الهيمنة متاحة للحركة الإسلامية حتى وإن لم تكن في السلطة بفعل هيمنة الخطاب الديني.

أن الطموح المتوثّب والهدف الذي لا تراجع عنه للشارع السوداني الآن هو الديمقراطية، والقوة الأساسية التي تقف سدّا في وجه ذلك هي الجيش. والدور الذي يقوم به الجيش اليوم يعود لانقلابه الأول في نوفمبر1958 والذي أضحى الجيش بعده أكبر خطر مباشر على الديمقراطية السودانية، علاوة على دوره التاريخي في قهر الجنوبيين وتطلّعهم المشروع لتقرير مصيرهم والذي كان قد بدأ قبل انقلابه الأول.

 

(3)

وإن كان الجيش يمثل الخطر الأكبر الأول والماثل كل الوقت على الديمقراطية فإن الحركة الإسلامية في تجليها كحركة إخوان مسلمين تطوّرت لتصبح الخطر الأكبر الثاني. وتطوّر الحركة الإسلامية هذا مرّ بثلاث مراحل بدأت في الستينيات في حلّ الحزب الشيوعي. كانت الحركة الإسلامية حينها قوة برلمانية هامشية وما كان من الممكن إلا أن تلعب دور القوة الضاغطة التي اعتمدت على تحالفها مع الحزبين الكبيرين (حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي) لدفع الجمعية التأسيسية لحلّ الحزب الشيوعي، وهو القرار الذي أصبح أكبر انتهاك للديمقراطية في تاريخ التجربة الديمقراطية السودانية. أما المرحلة الثانية فجاءت في السبعينيات بعد دخول الإسلاميين فيما عُرف بالمصالحة الوطنية مع نظام جعفر نميري. كان الإسلاميون حليفا أصغر في هذه المصالحة ولكنهم استفادوا منها استفادة قصوى ليتحوّلوا لقوة ذات ثقل مالي وليخترقوا الجيش وليحققوا توسّعا وانتشارا في عضويتهم. كانت هذه المرحلة هي مرحلة الإعداد للانقضاض على السلطة. وهكذا وعندما جاءت التسعينيات فإن الحركة الهامشية التي بدأت كحركة ضغط وتطوّرت لحليف أصغر استطاعت أن تنفرد بالسلطة وتهمّش باقي القوى السياسية عندما قامت بانقلابها في يونيو 1989.

وما ميّز الحركة الإسلامية عبر المراحل الثلاثة التي مرّت بها وظل سمتها الثابتة الأساسية هو عداؤها للديمقراطية وعملها الدائب لتقويضها وتدميرها. وهذا العداء ليس مجرد صدفة عارضة وإنما هو أصل لا ينفصل عن الخلفية الفكرية التي تستند عليها والصورة المثالية للدولة والمجتمع الذي تسعى لبعثه وبنائه. ولقد أُتيحت للحركة الإسلامية فرصة تاريخية عقب انقلاب يونيو وعلى مدى عقودها الثلاثة في السلطة لتحقّق حلم بناء دولتها ومجتمعها، وكانت النتيجة واحدة من أكبر تجارب الخراب وتدمير الأوطان التي شهدتها دول العالم النامي.

(4)

لقد سقطت التجربة الإسلامية إلا أن الحركة الإسلامية لم تسقط وما زالت متشبثة بالسلطة. وهي لا زالت ممسكة بمفاصل جهاز الدولة ولم تفقد ثقلها الاقتصادي. إلا أن أهم ما يسندها وتعتمد عليه الآن هو الآلة القمعية الضخمة التي بحوزتها والمتمثّلة في الجيش الذي نجح الإسلاميون في تحويله لجيش عقائدي، وجهاز الأمن، وميليشيا التنظيم، علاوة على ميليشيا الجنجويد وميليشيات أخرى حليفة. وما يميّز المواجهة التي يخوضها السودانيون الآن أن القوتين اللتين تمثُلان أكبر خطر على الديمقراطية (الجيش والحركة الإسلامية) قد أصبحتا قوة واحدة تقف في وجه السودانيين وهي تحاول قتل حلمهم لتحقيق الحرية والسلام والعدالة.

إن ذكري الرِّدّة مناسبة هامة لأن الفكر الذي يكمن خلف الرِّدّة وعقوبتها يمثّل جوهر فكر الحركة الإسلامية. إلا أن ثورة السودانيين الدائمة تعلم أن كل محاولات قهر الحرية وخنق التطلّع الديمقراطي محكوم عليها بالفشل والهزيمة مهما قويت آلة القهر وتكاتفت قوى القمع. لقد قلنا في مكان آخر ونكرّر أن “السودانيين، وخاصة شبابهم، قد أصبحوا شعبا ذا كيمياء جديدة وأن التمسّك بالحرية هو ما يدفعهم في كل خطوة من خطوات ثورتهم الدائمة. هذه الكيمياء هي ما أخرج الناس بملايينهم في ديسمبر، وهي ما يخرجهم اليوم بملايينهم أيضا وهم يفتحون صدورهم العارية للرصاص. إن ثورة السودانيين لن تذوب ولن تفشل. إن رصاص العسكريين هو الذي سيذوب ويفشل. سيبني السودانيون ما عزموا على بنائه، سيبنون غدا ديمقراطيا يخضعون فيه لحكم القانون ومبادىء حقوق الإنسان ولا تدوسهم فيه أحذية العسكريين.”

 

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.

[email protected]

تعليق واحد

  1. “..وأهمية ذكرى الرِّدّة هو ارتباطها الوثيق بمشروع الدولة الدينية الذي لا يزال مطروحا في حياتنا السياسية وخاصة بعد انتكاسة 25 أكتوبر 2021….”
    “انتكاسة 25 اكتوبر “؟
    ياخي دا حتى حمدوك اللي بررت لكل افعالو اللي بيناتها ضلوعه مع الانقلابيين سماها في خطاب الاستقالة ” انقلاب”
    انت لا زلت مأخوذ بعزة اثمك ؟
    هو الشجاعة والكلمة الصادقة إلا في نقد الدين والإيمان ؟

زر الذهاب إلى الأعلى