مقالات وآراء

في ذكرى الأستاذ.. الشعب الخائف!

عماد البليك

 

 

يعيد يوم الثامن عشر من يناير، ذكرى رحيل المفكر السوداني والمجدد الديني محمود محمد طه الذي أعدم شنقًا في مثل هذا اليوم من عام 1985م من قبل سلطات الرئيس الأسبق جعفر نميري في مؤامرة ضد فكر الرجل الذي كان يرى فيه معارضوه وخصومه، خطرًا عليهم، يمكن أن تتشكل من خلاله صورة مستقبل السودان القائم على الإخاء والتسامح والألفة.

كان محمود طه رجلًا مستبصرًا، استشرافيًا، بمعنى الكلمة، ومن خلال ما قدمه من مشروع حياة رحبة، استطاع أن يعيد النظر في جل قضايا الواقع السوداني ومركباته المعقدة، بيد أن شأنه شأن كل عظيم في هذه البلاد التي ترعى ما لا قيمة له وتزبد بالأوجاع، لا تترك للنور أن يقتل الظلام، ولا للحقيقة أن تفيض في بحر سرمدي اسمه التحرر الإنساني.

راهن طه على الحرية والقيم الإنسانية السمحة، على المعاني الإيجابية داخل بناء الشخصية السودانية، تلك القيم التي اهتزت للأسف وتشرذمت بل تكاد دفنت جراء التحولات الكبيرة التي حصلت في السودان في العقود الماضية، بحيث أصبح السودانيون شعبًا آخرًا مختلفًا، غير ذلك الذي سكن تلك البقعة قبل قرون طويلة.

من أقواله الجديرة بالـتأمل في ظل هذه الظروف التي تعيش فيها البلاد مأساة التشرذم والفوضى والأنانية الغارقة، قوله: “أننا يجب أن نكون أخلاقيين لأن ذلك يعطينا الفرصة لنكون أحراراً، وبالحرية نتخلص من الخوف، والخوف هو عدونا الأول، والأخير”.

فالخوف بالفعل هو آفة التخلف، تلك التي تعطل السير إلى الأمام، لكن ما هو الخوف؟ هل فهمناه وهل أدركنا معناه؟

إننا شعب خائف.

ربما يأتي أحدهم ليقول أليس الشجاعة في الموت والشهادة والخروج؟ لكن ما وراء ذلك ما يكشف عن الخوف من التغيير، لأن فعل التحول الحقيقي عند أي شعب لابد أن يتشكل من خلال الرغبة العارفة والمعرفية لفكر التحول نفسه، وهذا للأسف غير حاصل حاليًا.

لقد كشفت لي مئات التعليقات عن خبر نشره موقع “العربية” عن ذكرى رحيل الأستاذ محمود محمد طه، أن أغلب الجيل الجديد مصاب بعماء اتجاه التاريخ الحقيقي لهذا البلد، فإذا كان هؤلاء الشباب قد خرجوا ضد نظام الأخوان والبشر وجماعات الهوس الديني فالأولى بهم أن يناصروا فكر الأستاذ الذي دعا للتحرير، بيد أن العكس هو الصحيح، أنهم يكنون له كراهية لا تعرف سرها.

ثمة حالة من الخلط والفوضى الذهنية التي تتطلب تفكيكًا لا يعرف المرء سببها، أهي بنى العقل المزيف؟ أم أنه التاريخ الراكد الذي يعجز عن صناعة الإنسان الحر الحقيقي؟ العارف والذي يرى الطريق المستقيم.

إننا في هذه الفترة أكثر من نحتاج إلى إعمال الفكر، التحرر من الخوف بحق وحقيقة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى