مقالات سياسية

أخي معتز.. المُشكلة ليس الخبز وحده..!!‎

مُحمد التجاني عمر قش

عند لقائه مع قادة الإعلام مُؤخّراً، تناول دولة رئيس الوزراء معتز موسى، جُملةً من القضايا التي تشغل الرأي العام هذه الأيام، وعلى رأسها أزمة الوقود والخُبز وشُح السُّيولة. ومِمّا يُحمد لسيادته أنّه تحدّث عن الخدمة المدنية، مُؤكّداً على مبدأ العدالة في التّعامل مع المُواطنين الذين هُم محل اهتمام حكومته! إلا أنّ سيادته أطال الحديث عن توفير الخُبز حتى أوشك أن يقول إنّ مُشكلة الشعب السوداني ما هي إلا الحُصُول على هذه السِّلعة الضَروريّة، بينما الأمر ليس كما يبدو؛ لأنّ الأزمة الحالية ليست أزمة خُبز أو وَقُود فحَسب، بل هي في واقع الأمر نتاجٌ طبيعيٌّ لتراكماتٍ إداريّةٍ واقتصاديّةٍ شَتّى! ومن المعلوم أنّ الأمر، أي الحُكم والإدارة، إذا أُسند إلى غير أهله، فعلينا ليس فقط مُجابهة الأزمات، بل انتظار الساعة، والساعة أدهى وأمر!

يا سيادتك أنت الآن على رأس الهَرم الإداري والتّنفيذي في البلاد، وحَديثك الأخير يظهر أنّك مُطّلِعٌ تماماً على كُل الملفات والقضايا التي يُمكن أن تُعالج بسُهُولةٍ إذا توفّرت خدمة مدنية ذات كفاءة وقائمة على نظامٍ إداري مُنضبطٍ وشَفّافٍ. لكن في الواقع هُنالك خَللٌ كَبيرٌ في سلك الخدمة المَدنية، وليس أدل على ذلك من الإخفاق في تَوزيع الوقود على المَحَطّات، وتوصيل الدقيق إلى المَخابز؛ إذ تتسرّب هذه المواد إلى السُّوق السّوداء والسّماسرة على عينك يا تاجر، ولهذا السَّبب من الصعب وَضع حُلُولٍ ناجعةٍ للأزمة بدون إحكام النّظام الإداري. كما أنّ من أكبر عِلَل الحكم في السودان تسييس الخدمة المدنية والخلط بين العمل الحزبي والتنفيذي على المُستويات كَافّة من أعلى الهرم الإداري وحتى الإداريّات، وإدارة الشركات العامة والبنوك.

من المعلوم بالضرورة أنّ أهداف العمل الإداري غير الأهداف السِّياسيَّة، وكذلك تختلف الأساليب المُستخدمة في الإدارة عن تلك التي يَعتمد عَليها السِّياسِيون اختلافاً جَوهريّاً. فبينما تقوم الإدارة على مُعطياتٍ ثابتةٍ، ويجب أن تُنفِّذ عملها وخُططها وتُقدِّم الخدمات، تحت رقابةٍ صارمةٍ وفقاً لمبدأ المُحاسبة والشفافية، يقوم العمل السِّياسي في أغلب الأحيان على استرضاء الجماهير بطُرُقٍ لا تمُت إلى الإدارة بصلةٍ وقد تهدر المجهود الإداري أو تضعفه على أقل تقديرٍ! وإذا نظرنا في واقع الحال السُّوداني لاتضح لنا جلياً أنّ السّبب الرئيس في انهيار كثير من المَرافق العامّة؛ خَاصّةً الخَدميّة منها، هو إسناد أمر إدارتها إلى أشخاصٍ محسوبين على القطاع السياسي أو منسوبي بعض الأجهزة النظامية والحزبية، من دُون أن تتوفّر لديهم أدنى المُؤهّلات والخبرة الإداريّة؛ ولذلك فَهُم يتخبّطون خبط عشواء مِمّا قَد يُؤدي إلى انهيار المؤسسة وفقدان أصولها ومواردها. ولَعلّنا نضرب مثلاً في هذا الصّدد بما حَدَثَ للخطوط الجوية السودانية التي خَرجت من الخدمة أو كادت بعدما أسندت إدارتها إلى مجموعة لم يظهر لها هدفٌ واضحٌ ولا خُطةٌ مدروسةٌ للنهوض بهذا المَرفق السِّيادي الحَيوي العريق!

ولا ننسى ما حَلّ بكثيرٍ من المشاريع التنموية العِملاقة والشّركات التي أُنشأت في مطلع التّسعينات من أجل تنمية الولايات ولكنها ذَهبت أدراج الرياح حتى لم نعد نسمع لها رِكزاً، وما ذلك إلا نتيجة حتمية للعبث بمَواردها من قِبل بعض الجهات التي مارست أعمالاً تتنافى تماماً مع الأُسس والمَبادئ الإداريّة المعمول بها في أنحاء العالم كَافّة، فأُجهضت كثير من التجارب، وفشلت المشاريع والاستثمارات الطَموحة التي كَانَ من المُمكن أن تُخرج السودان من مُستنقع العوز إلى رحاب الإنتاج، وتَحَقّقت الشِّعارات التي رَفَعَتها الإنقاذ في مُستهل حُمكها، مثل “نأكل مِمّا نزرع ونلبس مِمّا نصنع”.!
في الحقيقة لا أُريد البكاء على حليبٍ مسكوبٍ، بل القصد هو السعي إلى تَصحيح المَسَار بقدر المُستطاع، وهذه مسؤولية مُباشرة تقع على عاتق دولة رئيس الوزراء معتز موسى؛ خَاصّةً بعد حديثه عن ضرورة تَرسيخ العدالة التي تَشمل وتعني بين أشياء أُخرى كثيرة إسناد الشأن الإداري لذوي الكفاءة والتّأهيل والخَِبرة والنّزاهة وإلا سنكون كمن يَحرث في البَحر، وسَوْفَ تَتَوَالى الأزمات في المجالات كَافّة.

بصراحة شديدة إذا أرادت حكومة السيد معتز موسى ومن ورائها الحزب الحاكم، الخُرُوج من دوامة الأزمات والاحتجاجات الشعبية المُناهضة لسياسة الدولة، فعليها أن تفصل بين الخدمة المدنية، التي ينبغي أن تكون مُستقلة تماماً، وبين الجهاز الحزبي وإدارته؛ حتى لا تنزلق الأوضاع نحو المُواجهة مثلما حَدَثَ مُؤخّراً، فتُزهق الأرواح وتُخرّب الممتلكات الخاصة والعامة دُون طائلٍ! وبما أنّ رئيس الوزراء قد تحدّث عن مبدأ العدالة، فإنّ ذلك يستدعي بالضرورة أن يأخذ كل ذي حقٍ حَقّه، وهذا ما لا يَتَحَقّق إلا باختيار كوادر إداريّة مُؤهّلَة ومُختصة، على أن يُقدّم لها التدريب الكافي واللازم، بعيداً عن الجهوية والقبلية والمحسوبية والولاء الحزبي، ووفقاً لمبدأ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ).

وعلى العُمُوم لا بُدّ من إيجاد جهازٍ رقابي مُزوّدٍ بإمكانَات بشرية ولوجستية تُمكِّنه من الإشراف على قطاعات الخدمة المدنية دُون تَدخُّلٍ من الجهات السِّياسيَّة؛ حتى نضمن نزاهة العمل الإداري وكفاءته.

[email protected]

تعليق واحد

  1. “””السّبب الرئيس في انهيار كثير من المَرافق العامّة؛ خَاصّةً الخَدميّة منها، هو إسناد أمر إدارتها إلى أشخاصٍ محسوبين على القطاع السياسي أو منسوبي بعض الأجهزة النظامية والحزبية، من دُون أن تتوفّر لديهم أدنى المُؤهّلات والخبرة الإداريّة””””
    وأخيراً يا دتور قش أصبت كبد الحقيقة ولكن too late وهذه حال لا يشملها القول المأثور أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً، ونقول لك من علمك هذا أخيراً وقد لبثتم فينا ثلاثة عقود لا تقولون إلا ما يرضي اللصوص وأظنك سترد بأن علمني رأس الذئب الطائر لا محالة بإذن الله قريباً، فقد بلغ السيل الزُبى أو الرُبى وضاعت مرافق الدولة وركائزها التي كان من المفروض أن يُبنى عليها لا أن تهدم. انت عارف ليه حصل الحصل؟ ليس السباب ون من تولوا الادارة فقط من منسوبي القطاع السياسي والأمني الحزبي والدكاترة عديمي المؤهلات والخبرة الإدارية والسياسية معاً، بل تلك الروح العنجهية الاستعلائية الطافحة من عقيدة عصبة اللصوص التمكينية بأنهم قد ملكوا الحكم وصارت مؤسسات الدولة ملكهم يفعلون بها ما يشاؤون. وطبعاً مشيئة اللص هو أن ينتفع لنفسه بما تحت يده من مسروقات وهذا هو مغزى التمكين لديهم؛ للمنفعة الخاصة أو التنظيمية وليس لمصلحة الدولة وشعبها. فالمسئول الاداري وهو السياسي بكل عنجهية يستطيع أن يقرر بيع المرفق العام أو يستأجر مقراً آخر للمرفق العام إذا كان سيخرج من العملية بهبرة معتبرة. إن آية التمكين يا خوي قش حولوها بكل بساطة إلى نظام إقطاعي توزعوه بين الطبقة العليا في أول الأمر وهم البدريين وبمرور العقود الثلاثة إلى من هم دونهم ثم المنتفعين المرتزقة من المعارضة الحزبية المتوالية معهم وذل حينما أدرك أخوانك أن الضغط عليهم من المجتمع الدولي ينذر بفقدان هذا التمكين اللعين وما هو في الحقيقة بتمين وإنما مدَّ لهم الرحمن مدا حتى إذا أثخنوا في الأرض بعث عليهم أبعد من يخشون فأخذهم الله من حيث لا يحذرون أخذ عزيز مقتدر.

  2. أنا ملاحظ في نسختين للراكوبة القديمة والجديدة! كل نسخة بها تعليقات على الأخبار والمقالات مختلفة عن الأخرى. إيه الحاصل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..