مقالات سياسية

تونس أيقونة الحرية والتحضر.. (مُنع من النشر)

تحتفل جمهورية تونس هذه الأيام بذكرى عظيمة ضد الديكتاتورية والظلم والفساد والكنكشة في الحكم، عرفت بالربيع العربي وثورة الياسمين وكأنها استجابت لصرخة الشابي: (إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر).. إنَّ إرادة وقدر الشعوب وإصرارها على الانعتاق من الظلم ونيل حريتها هي من إرادة الله وأقداره، ومشيئته التي لا راد لها فلله جنود السموات والأرض وهو مالك الملك يؤتيه و(ينزعه) ممن يشاء، ولو كان الحكام الظلمة المستبدون في بروج مشيدة من المباني وأجهزة البطش والتسلط.

أقول لو التزم الأفارقة تاريخهم لكانت تونس الخضراء هي المقر المستحق في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية فعاصمة الاتحاد الأفريقي ولم لا؟ أليس هي الأرض الطيبة التي استمدت منها القارة الأفريقية اسمها منذ القرن السادس؟ ثم لو فهم العرب لكانت واستمرت تونس هي المقر الأنسب للجامعة العربية كي تلتقي فيها مثل (confluence) الشعوب والدول العربية مع جاراتها الأفريقية، فتعكس ذلك التنوع واللقاء بين حضارتين عظيمتين سيما وأن غالب الشعوب العربية هي في القارة السمراء ولقدمت أنموذجاً فريداً..

وفي حاضرنا العربي أصبحت تونس وشعبها هي أيقونة الحرية والديمقراطية والتحضر حيث انطلق منها الربيع العربي بثورة الياسمين العظيمة التي انتصرت في الرابع عشر من يناير، ويحتفل بها جميع التونسيون هذه الأيام في ملحمة وحدة وطنية وإنسانية عظيمة وصادقة رغم اختلافاتهم الفكرية والسياسية التي هي طابع الديمقراطية والدولة المدنية الدستورية، لا نجدها في عالمنا العربي الذي أجهض بعضه الربيع العربي في عملية تنم عن التخلف والاستبداد والتبعية والظلم الذي قال عنه عالم الاجتماع الشهير ابن خلدون الذي كتب في تونس مقدمته:

(الظلم مؤذن بخراب العمران). ولا شك أنه بسبب تحضر الشعب التونسي ومهنية جيشه واحترافيته ورفضه ليكون مطية لحاكم ونظام مستبد ظالم وفاسد وكاذب مثل بن علي الذي كان يستأسد على شعبه فهرب بجلده، إضافة لحكمة وتعقل الزعامات والقوى السياسية التونسية ونخبها المدنية، استطاعوا خلال ثمانية أعوام فقط أن ينزعوا فتيل الأزمات المتلاحقة ويجنبوا تونس الوقوع في مستنقع الفوضى والصراعات، فأنجزوا خلال هذه الفترة دستوراً ونظاماً سياسياً متقدماً وانتخاباتٍ حرة ونزيهة وصادقة ودورية كما تفعل الشعوب الراقية، فكرسوا التبادل السلمي للسلطة وحققوا قدراً عظيماً من الاستقرار والعمل على تجذير الحريات العامة، من حرية التنظيم والتعبير وعلى رأسها حرية الصحافة دون رقابة تحجب الرأي الآخر فتستفيد منه البلاد والذي من المؤكد سيؤدي إلى الازدهار الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ذلك أنَّ الديمقراطية والدولة المدنية الدستورية والحكم الراشد والمنافسة الحرة الشريفة بين الأحزاب، ستؤدي بالضرورة إلى الدفع وانتهاج حسن السياسات الاقتصادية والتوجيه المثمر للموارد نحو البناء والتنمية الشاملة، ومحاربة الفساد الذي هو السرطان القاتل أو القرصان الاقتصادي.

تحية لتونس الحضارة والعلم والحرية والكرامة والدولة المدنية الدستورية الديمقراطية التي ترفض التطرف والإرهاب ولو زوراً باسم المقدس.. وأحيي معها رئيس موريتانيا السيد محمد ولد بن عبد العزيز بمناسبة إعلانه أمس احترامه لارادة شعبه وللدستور وعدم العبث به، فأوقف محاولات تعديله من البرلمان ليترشح لدورة ثالثة، فهكذا يفعل الرؤساء العظام أمثال المشير سوار الدهب والزعيم مانديلا فكتبوا تاريخهم بأحرف من نور.

التيار

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..