أهم الأخبار والمقالات

السودان وتحديات التغيير، احتمالات تبديد المكاسب، فرص تحقيق اهداف وأحلام جِيل في حَياةٍ أفْضَل

د. عصام محجوب الماحي

يتحدث الكثير من الناس عن عدم مِهَنِيَّة قناة الجزيرة في نَقْلِ ما يَحْدُث حاليا في السودان وانحيازها للسلطة الحاكمة وما تمارسه من عنف بوسائل مختلفة لمواجهة المتظاهرين في مواكبهم الشعبية السِلْمِيَّة وصلت للقَتْل بالرصاص الحي، وفي تَصوّر البعض ان قناة الجزيرة لو نَقلَت ما يَحْدُث بمهنية، لسقطَت سلطة المؤتمر الوطني فورا.

لا اتفق مع الجُزْئيَّة الأخيرة من تلك الرؤية وأرى، حالياً، ان الحراك الشعبي الذي يعمل للتغيير وتجري احداثه وتطوراته في السودان، ستكتمل حلقاته عاجلا او آجلا وسيصبح ثورة كاملة الدَسَم غير مَسْبوقة، وفي تقديري ان قناة الجزيرة لا تُؤخِر ولا تُقَدِم حدوث التغيير ومعلوم انحيازها، ولا أي قناة اجنبية اخرى تَفْعَل، ولا حتى القنوات والصحف وكافة وسائل الاعلام السودانية، فشباب الجيل الثائر واعمارهم من 25 سنة وأقَل، ومعهم بعض – كي لا اكتب قليل – من الصَامِدين القَابِضين على جَمْرِ القضية من الاجيال الاخرى، تجاوزوا الإعلام التقليدي واعتمدوا على الفضاء المفتوح على “السوشيال ميديا” وقاموا بواجبهم ويستمرون في العَضِ بالنواجذ على عوامل وإرادة تحقيق التغيير. فماذا عن الذين يتفرجون من بَقِيَّةِ – لِتُقْرأ اغْلَبِيَّة – الشعب السوداني خاصة أولئك المنتسِبون لقوات الشعب المسلحة والشرطة والامن وغيرهم من الأجهزة والمصالح والمؤسسات الرسمية والعمال والموظفين في الدولة وفي القطاع الخاص، وكافة الشرائح الاجتماعية الذين يشكلون الاغلبية القصوى في المجتمع؟ لماذا لا زالوا واقفين على السياج في الرصيف يتفرجون على دولة جماعة الاسلام السياسي بمليشياتها المسلحة تواجه شباباً غَض الإهاب قوي الشكيمة أعزلٌ إلَّا من تصميم وارادة ماضِيَة، يهتف “سِلْمِيَّة سِلْمِيَّة ضد الحرامية”؟

لماذا لا يهبون لمساندتهم ويجعلونها انتفاضة مليونية تَكْسَح النظام في ضربة واحدة ما بين ليلة وضحاها فلا يشرق صُبْح إلَّا وقد زال النظام تتلقفه مزبلة التاريخ، لبدء عهد استرجاع الوطن من مختطفيه ومحاسبتهم لإحقاق الحق ورفع الظلم واستواء الأشياء، لتصير هي ذات الاشياء المعروفة في العدل والاستقامة، في السياسة والاقتصاد والمجتمع والعمل والدين والاخلاق والسلوكيات وأداء الواجبات والتمتع بالحقوق المشروعة؟

لماذا لا يكَفِّرون عن فشلهم بلامبالاتهم وسكوتهم الذي يَقْتُل – الطَلقة ما بِتَكْتُل بيَكْتُل سكات الزول – وعن عدم تفاعلهم بما حدث ويحدث في البلد، وعن اضاعة حياتهم بالبحث عن حلولٍ فردية، فسمحوا لنظام التسلط والقهر والظلم والفساد ان يعبث بالبلد قرابة ثلاثين عاما، عاماً إثر عام، شهراً يمسك بشهر، يوماً بعد يوم، متأقلمون متعايشون مع التدهور والتراجع في كل جوانب الحياة، والأمَرّ والأسوأ توافقهم مع الغِشِ والخِداعِ باسم الدين، فلبسوا لكل حالة لباسها، مَرَّة لِحية، وتارة غُرّة في الجبهة وتقصير جلابية وحّمْل سِبْحَة ونُطْق جُمَل وعبارات عظيمة المعاني جرى تفريغها من جوهرها بابتذالها في مقاصد تَنْقُضها وتَتناقَض معها وتَنْتَقِص منها؟

يجب ان ندرك، في هذه اللحظة المِفْصَلِية الحاسمة، ان المسؤولية كانت واصبحت وستظل جماعية، وهروبنا الفردي لمعالجة احتياجاتنا الشخصية كان خصماً على الوطن، وتضحيات الذين يمَهِدون الان السير في طريق التغيير الذي يرْصِفونه ببطولاتهم لينطلقوا فيه نحو الحرية والكرامة والعِزَّة والحياة الابيَّة الكريمة في غَدٍ افضل، لن تؤتى أكْلُها الا بان نعترف بالفشل الذي احاط بالمجتمع ونعمل على تدارك على الاقل اهم جوانبه لتكتمل عوامل الانتصار بالانفعال بالهَبَّة الوطنية الشعبية التي تمسك بكل اركان واطراف واعماق البلد والمشاركة فيها لتنتصر، لا يدفعنا لذلك غير انهاء حالة الخِنُوع التي امسكت بالمجتمع السوداني طِيلة ما يقرب من ثلاثين عاما وحِفْنَة من شُذاذ الافاق والمتطرفين يعبثون بالبلد ويلْهَطون ثرواته ويزورون تاريخه ويغيرون جغرافيته ويجعلون حاضره لا يُطاق فتندفع الاجيال الشابة لركوب البحار بحثاً عن هجرة ومنافي، ولا يكتفي بذلك اولئك الحِفْنَة من لصوص السلطة والثروة ومستغلي طيبة اهل البلد وتسامحهم، فيتعمدون تفخيخ مستقبله لتفجيره.

ان الهَبَّة لا محال ستتحول الى ثورة تدك قلاع الظُلْم وتفتح لمستقبل الحرية والديمقراطية الحَقَّة، بَيْدَ انه تحوم وستحوم حولها، وتحيط وستحيط بها عوامل – لا اقول سَرْقَتها – وانما اشَدِد، تتربص بها عناصر الانحراف بالثورة حتى لا تتماسك الحلقات المترابطة لحزمة التغيير المنتظر في كل جوانبه، السياسي، الاقتصادي، الإداري، القانوني، التشريعي والاجتماعي لإعادة الوطن المختطف أولاً وسريعاً لحاله الأساسي في مَنصَّةِ التحرير مطلع يناير 1956 ولم ينطلق من حينها نحو التعمير الحقيقي والصحيح لتشكيل الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية القائمة على الاعتراف بالتعددية السياسية والعِرقية والدينية والثقافية، علما بان الاعتراف بها وحدها ليس كل شيء، فالاهم احترامها وترسيخها وجعلها محل وفاق قومي لا عُرْضَة لطموحات واهداف واشواق اقلية او اغلبية بالانتخاب او بالانقلاب، لتنطلق البلاد نحو التنمية المتوازنة التي يقدِّم المواطنون في سبيلها الواجبات قبل ان يَسْألوا عن الحقوق، وتقدم اليهم الدولة الحقوق في قسمة متوازية ومتساوية قبل ان يَسْألوها عنها. فكيف تتم العودة بالسودان لتلك المَنَصَّة، وكيف يتحقق كل ذلك؟

يجب، بادئا ذي بدء، ادانة كل الانقلابات العسكرية التي حدثت في السودان منذ استقلاله وعدم الاعتراف بما انْتَجَت، وبجرة قلم واحدة الغاء كل ما قامت به في كل تلك المجالات خاصة المسائل التي تُدِير وتسَيِّر الحياة اليوم وغداً، اي تفَعل فِعلها في الحاضر والمستقبل. وتلك مسائل لا تقبل المساومة ولا التفاوض ولا إطالة أمدها الذي يقود للتسويف.

ارادة الانقلابات العسكرية اضرت بالتطورات التي شهدتها البلاد وزرعت قنابل موقوتة تفجر التطور والانتقال لمرحلة جديدة ويجب الغاء ما قامت به فورا. وارادة الثورة وتحديات التغيير يجب ان تبدأ منطلقة متعافية وغير مُكبلة بأخطاء وجرائم الانظمة الانقلابية التي سرقت السلطة وانتجت الاخطاء الجسيمة بل الخطايا التي يجب ان تحاسب عليها كأنظمة اولا قبل الافراد الذين صنعوها او شاركوا فيها، بان يُلْغى كُلْما ارتكب باسمها وفي ظلها وتحت جبروتها وعنفها وقهرها وظلمها.

وعليه، إذا لم يحصل وفاق وطني شامل على تلك الخطوط الاساسية للانتقال لمربع جديد فان ثورة التغيير تكون قد فشلت قبل ان تنجح، وبُددت التضحيات قبل ان تُسْتَعاد الحقوق.

وفي هذا الإطار الاساسي لثورة التغيير يجب احاطة العالم كله، وقد سبق واحيط بذلك من القوى التي عملت من أجل التغيير خلال فترة انقلاب 17 نوفمبر 1958 وانقلاب 25 مايو 1969 وانقلاب 30 يونيو 1989، بالالتزام بكافة المواثيق الدولية واحترامها، والأهم والذي يجب تأكيده الان بِشِدَّة، عدم الاعتراف بما انتجته معهم تلك الأنظمة فيما يتعلق بالديون التي تكبل مستقبل البلاد وتعيق انطلاق التطور الاقتصادي.

الشعب السوداني يريد ان يَفْتَح صفحة جديدة في الداخل بين مكوناته ومع الخارج في كل ما يتعلق بما حدث له في الماضي من اجل مستقبل مُشْرِق، فالبلاد واعدة وتستطيع ان تحقق فائدة لمصلحة شعبها وفائدة مشتركة بينها وبين الاطراف الخارجية في إطار ثنائي او متعدد الاطراف.

تلك هي باختصار دون اسهاب، قضايا التغيير الأساسية التي يجب تضمينها أي وثيقة ان كانت ميثاقا او دستورا انتقاليا باعتبارها ثوابت وفاقية وطنية جامعة يتأسس عليها نظام الحكم ودستور البلاد الدائم، وغيرها التفاف وتبعيض وتسويات وترضيات ومماحكات ومماطلات هي كل ادوات سرقة الثورات ووقف التغيير في حدود اسقاط أنظمة وقيام بديل لها، وهذا هو عَيْن ما حدث في اكتوبر 64 وفي مارس-ابريل 1985، وكل الامل والرجاء ألَّا يحدث ذلك مع التغيير الذي يطرق الابواب الان.

ان نجاح الثورات، وبالأخص في حالتنا السودانية الراهنة، يجب الا يقف في حدود اسقاط النظام وإلَّا ضاعت تضحيات السنين، وهُدِرَ الدم الذي سال من الضحايا وضاعت ارواح الشهداء وتفرقت دمائهم بين عوامل الفشل العديدة. والحراك الشعبي الثوري الحالي يجب ألَّا يتوقف بذهاب رأس الحكم وسقوطه مقابل بقاء قواعد الحكم الفاشل، واستمرار نهجه بملامح وأدوات أخرى وإن أصبحت أقل تنكيلا، وإلَّا فما معنى التغيير أصلا ولماذا التغيير وما هو المَنْشود من التغيير؟

الثورة الناجحة لا تنتهي مهمتها بإسقاط النظام، وانما يجب ان تفتح الباب للتغيير المطلوب، والتغيير بالثورة يَرُد الحقوق لأهلها فيحاسب بالقانون من أجْرَم، ويجعل معركته الفكرية مع جماعات التطرف تقود للتعافي والتسامح والتعايش بدلا عن البُغْضِ والكراهية التي زرعها كثير من مفكري الهَوس الديني والتطرف والانغلاق في عقول بعض السُذج والبسطاء وضِعاف الفِكر، فاستسهلوا فتح عقولهم وقلوبهم لثقافة الغلو والقتل والموت بدلا عن التسامح والحياة والتعمير والبناء.

لقد مَرَّت ثلاثة عقود من الحُكم الحالي في السودان، وقبلها عقود من التحضير والتجهيز له، لحُكم شمولي أيدولوجي قابض اختطف السودان واهل السودان وعَمَل في البلد ما عَمَل، ولكن الاهم أجْرى في اهله ما أجْرى من جريمة زرع التطرف والكراهية والغلو في عقول وأنفس الكثير من الناس، وهؤلاء سيبقون ضمن اهل البلد الذي يجب ان يسعهم ويستوعبهم، فهل نتركهم بالأمراض التي اصابتهم وسَمَّمَهم بها اهل التطرف من جماعات الاسلام السياسي؟ قطعا لا، اذن ما هو المطلوب؟

لا بد من علاجهم من الأفْكار التي تجرعوها فسَمَّمَت عقولهم وجعلتهم قَتَلة ومُخَرِبون، ولن يكون العلاج إلَّا بعمل فِكري مُضْني يحقنهم بمضاد لتلك الأفْكار، وهي مهمة صعبة يجب عدم تركها للإجراءات الامنية لوحدها، وبالضرورة ان يتوفر ويتقدم لها اصحاب المراجعات الفِكرية الذين توصلوا مبكرا – او حتى سيتوصلون لاحقا – الى حقائق الاخطاء في الفِكرة وعواقب الممارسة التي بنيت على الفِكرة ومآلات المستقبل اذا تركت الفِكرة الخاطئة تمشي بين الناس، عَلنيَّا كما كانت او سِريَّا اذا جرت محاصرتها امنيا فقط، ولا اريد ان اضرب امثلة واستعرض اسماء اصحاب المراجعات الفِكرية لأنني سأظلم بعضهم ان لم اشر لأسمائهم وهم كُثُر. يجب ان يتوفر لأصحاب المراجعات الفِكرية مناخا ملائما لمهمتهم، ويجب ان تتوقف اية حَمْلَة هوجاء لا تقود للتعافي الوطني والفِكري والانساني بين الناس وبين اهل البلد.

والمراجعات الفِكرية والسياسية غير مطلوبة لعلاج جماعات الاسلام السياسي المتطرفة فحسب، فالبلاد حقا يجب ان تتعافى من الامراض العديدة التي اقعدتها وسببت لها الاحتقان المزمن والتشرذم القميء وثنائيات التضاد والصِدَام والعِرَاك في غير مُعْتَرَك.

هنالك مراجعات ومعالجات مطلوبة لأحزاب وجماعات اليسار معتدلا ومتطرفا، وللأحزاب التي تتقوى بالطائفية والارتهان لفرد، وحتى لليبراليين فيما يتعلق بالماضي واحداثه واخطائه الكثيرة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة حتى إذا ادانت رموزا هم مَحَل تَبْجِيل واجلال، ليصبح التاريخ صفحة نقرأ منها الاخفاقات لعدم تكرارها، ونحيي بها الانجازات والانتصارات دون ان تصبح مربعا او صندوقا لا نخرج منه.

عاش السودان وشعبه منذ 30 يونيو 89 في ظلِ حُكْمٍ ديكتاتوري ايدولوجي شمولي حَوَّل السودان لدولة دينية خاضت باسم الاسلام حروباً جهادية عِرْقية ادت لفصل البلد الى دولتين واشعال الحروب في كل اطرافه وقد استمر حوالي 30 سنة، وقبل ذلك مَرَّ السودان بحكم ديكتاتوري بدأ ايدلوجيا يساريا شموليا وانتهى فرديا مُتَسَتِراً ومُتَلَحِفاً بالدين استمر 16 سنة، وقبله ايضا شهد السودان 6 سنوات من الحكم العسكري القابض، وتلك سنين عُجاف فاقت في مجملها نصف قرن من الزمان.

دول أوربا الشرقية التي كانت ضمن معسكر حلف وارسو السابق الذي بدأ تفككه في يونيو 1989 واكتمل في اواخر نفس العام، قضت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث وقَعَت وتُرِكَت تحت النفوذ السوفيتي، حوالي نصف قرن من الزمان في ظل انظمة ايدولوجية شمولية ديكتاتورية قابضة.

حسناً، ما ان نجحت ثورات التغيير والتحول نحو التعددية السياسية واقتصاد السوق، جرى الغاء كافة ديونها الخارجية. واذا لم تَخُنْ الأرقام وهي تقريبية، الغى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والعديد من الدول الشريكة ديونهم على بولندا 80 مليار دولار، والمجر اكثر من 40 مليار دولار، وتشيكوسلوفاكيا حوالي 30 مليار دولار و9 مليار دولار بلغاريا، وتمتعت المانيا الشرقية بحضن شقيقتها الغنية المانيا الغربية، ولم يجد اي احد او دولة او هيئة مالية دولية دينا على رومانيا لإلغائه، فقد دفع شاوشيسكو خلال الثمانينيات 13 مليار دولار وسدد اخر سنت من ديون بلاده قبل ان ينهار نظامه وتتحرر رومانيا من ديكتاتوريته ونظام عِبادة الشخصية الذي وُصِفَ به حكمه، وتلك احدى جرائمه الكُبرى فتَصَوَّر لو تم تدوير ذلك المبلغ في اقتصاد البلاد في ذلك الوقت، اين مفترض ان تكون رومانيا اليوم وهي تتعثر طريق التنمية وتعاني ما تعاني لتستفيد من المساعدات التي يفترض ان تتمتع بها اسْوَة بشقيقاتها السابقات وقد انطلقن بعد التحرر من الشيوعية نحو التنمية والرفاهية متحررات من معوقات الديون.

اي نعم.. هذا ما يجب ان يطلبه السودان من كل شركائه ومن كل العالم، ان ينطلق متحللا ومتحررا من مكبلات وقيود الماضي بدون ديون، وهو يستحق ذلك كما استحقته دول أوربا الشرقية، فمن يحَمِل هذه المسألة والمطالب المشروعة ويخاطب بها العالم؟ انها احدى تحديات التغيير التي إذا لم نستطع ان نحققها فلا نَلومَنَّ غيرنا بل أنفسنا، لان تحقيقها بين يدينا ويرتبط بحزمة التغيير التي يجب انجازها، فما هي الاصلاحات الموازية المطلوبة؟

غَنِيٌ عن القول ان هنالك قضايا تتعلق بمحاسبة الماضي، وبدون مساءلة الماضي لن نستطيع ان ننطلق للمستقبل كما ان الحاضر سيظل مُكَبَلاً ومُكَبِلاً. فكيف يتم ذلك؟

ان المسألة ابسط من بسيطة وواضحة ولا تقبل اي ضبابية او مشاعر ثأر، فلا أحد يريد ان تمتد اعمدة المشانق في ميدان ابجنزير، ولا أحد يريد ان يأخذ القانون بيده، ولا يريد أحد ان يؤخذ أحد اخر بجريمة مشاركته في نظام سياسي او فكرة سياسية اثبتت خطئها، ولا احد يريد ان يعلق مشانق فكرية او سلوكية وانما يجب محاسبة الجرائم التي ارتكبت ضد الافراد، فهذا حقهم، والجرائم ضد سيادة واستقلال الوطن وتبديد ثرواته وامكانياته وسرقة المال العام وتدمير مؤسسات الدولة، وهذا حق الشعب لا يمكن التفريط فيه وينبغي عدم التنازل عنه، فكيف تتم تلك المحاسبة؟

لم اكن اريد التحدث عن اسماء اشخاص او احزاب، ولكن احيانا لابُد مما لا بُد مِنه، فبعد اندحار نظام مايو جلسنا – بعض الذين كانوا مشاركين مباشرة في الشارع في انتفاضة مارس ابريل 85 باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي وبقيادة الاستاذ الكبير علي محمود حسنين – وتفاكرنا في ان انجاز مرحلة اسقاط النظام تحققت برغم التدخل الذي جرى واوقف الفعل الثوري الذي كُنَّا قد اعددنا له مع اخرين في احزاب اخرى ونقابات كثيرة ومن المفترض ان يستمر لرصف الطريق لإزالة اثار مايو وكنسها حقيقة وليس شعارا، ولحماية النظام الديمقراطي الجديد وترسيخ التجربة واحاطتها بما لا يؤدي الى افشالها. وكان لابد من الاتفاق على ان القانون، والقانون وحده، يجب ان يكون الفَيْصَل وبدونه فسيكون الامر مجرد تَشَفي وستتدخل عوامل اخرى لن تحقق متطلبات التغيير.

وضعنا الخطوط العريضة لذلك واحلناها للجنة القانونية بالحزب الوطني الاتحادي وقد كان يَضُج بالقانونيين اصحاب العلم والمعرفة والجدية والوطنية والتجرد ولا ريب انهم جميعا اصدقاء وتلاميذ لشيخ القانونيين، قضاة ومحاميين، الاستاذ علي محمود حسنين. كلفنا اللجنة بإعداد الحِزم التشريعية لذلك، فخرجت لنا عروس القوانين المطلوبة في ثوب قشيب لا يأخذ الناس خبط عشواء وزففناها للأحزاب والنقابات والمجلس العسكري ولمجلس الوزراء وللرأي العام، فكنا نريدهم ان يكونوا على قلب رجل واحد، وأطلقنا على عروس القوانين “قانون معاقبة ومحاكمة الخيانة والفساد”، باعتبار ان الذين ارتكبوا الاخطاء العظيمة والكبيرة خلال 16 سنة أفسدوا وخانوا، والفساد لا يرتبط فقط بسرقة المال العام فالإضِرار بالمجتمع وافساد الحياة السياسية هو فساد أكبر وخيانة عظمى. وجاء بعده قانون “تنظيم الاحزاب السياسية” الذي رَكَّز اول ما رَكَّز على ضرورة تسجيلها وفق قواعد محددة تأخذ في الاعتبار ديمقراطيتها الداخلية وتداول السلطة فيها ومصادر تمويلها والاهم عدم السماح بقيام احزاب على أسس دينية او عرقية او جهوية حفاظا على التوجه القومي الذي يعَضِد وحدة البلاد ولا يفتتها باسم العمل السياسي الحر.

وأهم من كل ذلك، وقبل تشكيل الحزب الوطني الاتحادي وداخل حلقة ضيقة حول الاستاذ علي محمود، اتفقنا على خطوط عريضة لأول كلمة جماهيرية يلقيها مع مشاركته في اول لقاء سياسي لقوى الانتفاضة، استضافه الميدان الشرقي بجامعة الخرطوم بعد انتفاضة 6 ابريل 85، وكان من بينها تجديد نداء الشهيد الشريف حسين الهندي للعالم والدول الصديقة وللمنظمات المالية الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بان الحزب الاتحادي الديمقراطي والمعارضة الوطنية لا تعترف بنظام مايو وبما ينتج عنه من اتفاقيات وبالأخص الديون التي يستجديها وتُمْنَح له وتكبِّل الشعب السوداني وستقيِّد انطلاق اقتصاد البلاد بعد اسقاط النظام، وبالفعل اعلن علي محمود ذلك الموقف حينها واصبح لاحقا برنامجا للحزب الوطني الاتحادي، فيما لم يصبح مشروعا تشتغل عليه الحكومة الانتقالية ولا التي تشكلت بعد انتخابات 1986 وانهت الفترة الانتقالية سيئة الاداء التي لم تفعل غير ان جعلت نظام مايو قائما بملامح اخرى فأفشلت معها الديمقراطية نفسها.

المكان ليس مناسبا الان لاستعراض ما حدث عندها وردود فعل الشركاء حول كيف ولماذا رُفِضَت، ومن رفض مبادرات الحزب الوطني الاتحادي واسمحوا لي لأقول “مبادرات الاستاذ علي محمود”، ولم يحققوا غير مبادرته بما عُرِف باسم “ميثاق الدفاع عن الديمقراطية” والذي جعلوه حبرا على ورق عندما قام انقلاب 30 يونيو 1989.

وكما هو معلوم، فيما عدا الجبهة الإسلامية القومية التي قامت بانقلاب 30 يونيو 89، وقعت كل القوي السياسية، على ميثاق الدفاع عن الديمقراطية في احتفال بهيج في ميدان المدرسة الاهلية في امدرمان جوار منزل الزعيم الازهري يوم 17 نوفمبر 1985.

ومع ذلك فان الوثيقة يمكن ان تُسْتَحْضَر من جديد ويُفَعَّل أحد اهم ما وَرَد فيها من بنود، فقد جاء في السابع: يعلن شعبنا عدم التزامه مسبقا باي ديون او قروض او معونات تقدمها اي دولة او مؤسسة مالية لأي نظام ديكتاتوري يتسلط على بلادنا.

ان ما يجعل ذلك ممكنا ومتاحا العمل له وبه، هو ان القوي الموقعة على الميثاق اودعت الوثيقة التاريخية الهامة لدي مجلس الامن الدولي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية التي اصبحت لاحقا الاتحاد الافريقي، ليكون العالم كله والمنظمات التي تضم السودان على عِلم بها وبمحتوياتها ولا تدعي عدم معرفتها، وهذ الأمْر وحده مَحْمَدَة يجب الاستفادة والانطلاق منه، على الأقل للمطالبة بإلغاء ديون السودان.

تلك هي بعض قضايا التغيير المطلوب النظر فيها بكل الوطنية والتجرد والاتفاق حولها وتطويرها، لا انقاصها او تحجيمها بل اضافة اليها في ذات الاتجاه، بما يجعلها قادرة على وضع البلاد في الطريق الصحيح لإنجاز مهام مرحلة بالغة الخطورة في السودان ستحدد بالفعل، إن لَم تُؤخَذ في الاعتبار ولَم يعمل بها، ان يستمر السودان دولة فاشلة كما جعلته السلطات الانقلابية العسكرية السابقة وبالأخص نظام انقلاب 30 يونيو 1989، او يكون دولة قادرة ان تقف من جديد وتتجه نحو التنمية والتطور والحكم الراشد والتعايش والانسجام بين شعوب السودان او مكونات أمّته فتتجدد آمالها في اعادة توحيد دَولَتَيْها، كونفدراليا كخطوة اولى وفدراليا في اخر المطاف، فليس هنالك سُودَانَيْن وانما سودان واحد أحد لا ينفصم ولا ينفصل.

وتلك هي مطالب التغيير، كفيلة بان تُفشّل احتمالات تبديد المكاسب التي حصل عليها الوطن بحراك الجيل الجديد وتضحياته، وبها تَنْفَتِح فُرص تحقيق الاهداف وتتمدد ميادين جعل الاحلام حقيقة وواقعا يعيشه جيل التغيير والاجيال التي تأتي بعده وتواصل عملية البناء الوطني السليم فيَطْلِق عليها التاريخ “جيل البطولات”، وتنعم ببعض مكاسبها الاجيال التي سبقته فتداوي أنفسها بأنفسها من آثار فشلها وتحصل مُجْتَمِعَة على وصْفِ “جيل التضحيات”.

في الختام من الواجب القول، انني اكتب اليوم 11 يناير 2019 الذي يصادف اليوم العالمي لكلمة “شكرا”، ولا أجد امامي الا ان اخلع القُبعة وانحني وأقَبِّل كل الأرْجُل التي تَعَفَّرَت وهي تتظاهر في طرقات كل السودان لأجل التغيير، واقول شكرا لجيل التغيير.

اقول لهم شكرا، إن انتهى حراككم بانتصار عاجل أو آجل، فقد حققتم الخطوة الأولى في طريق التغيير، فالسودان بعد 19 ديسمبر 2018 لن يكون كما كان قبل ذلك التاريخ.

وأقول لهم شكرا، حتى إن توقف حراككم، قبل تحقيق اهم فصل فيه ألا وهو اسقاط النظام الحاكم منذ انقلاب 30 يونيو 89، فلن تكونوا مسؤولين عن توقفه أنتم وانما الأجيال الفاشلة التي وقفت وتقف على الرصيف امام حراككم الفاعل في قلب الشارع وتضحياتكم الممهورة بالدم والروح وكأن أجيال الفشل العارم تريد ان ترى ما أنتم فاعلون، والى اين أنتم ذاهبون بطموحات التغيير في معركة غير متكافئة مع نظام قاهر ظالم قاتل مسلح وأنتم عُزَّل الا من إرادة التغيير وحلم في غدٍ جميل.. بئس فشلهم وخوفهم وهروبهم من استحقاقات الحياة الكريمة.

ولِيَ عظيم الشرف ايضاً ان اختم واقول لهم، اما وإن حققتم نَصْر إسقاط النظام لا رأسه فحسب، فلن اكْتَفي بان أقول لكم شكرا، وانما سأقرأ المكتوب في دواخلكم، في قلوبكم وعقولكم، حول محددات التغيير الذي انطلقتم اليه، متمنيا ان أجد فيها عناوينا رئيسية لتصميمكم بان لا تتوقف ثورتكم للتغيير وتنتهي عند ذلك “الميس”، فهي يجب ان تبدأ في تلك اللحظة لتحقيق أهدافها الكُلْيَّة.

هذه الثورة يجب ألَّا تَعْرِف التَمَرْحُل والمراحل التي سيدخلكم فيها منتجو الفشل والذين يدَوِّرون الفشل ويعْلِكونه كلمات غامضة في السنتهم ويتفاوضون حولها، وعلى ثورتكم ان تعرف الاستمرارية كمرحلة واحدة مترابطة قاصدة تحقيق حزمة قضايا التغيير، فتصبح ساخنة حية قوية يقظة، تحقق مشروعا كاملا متكاملا.. وإلَّا فسترثون بدوركم الفشل وتتبارون في التغني بانتصار لا يحقق التغيير المنشود وانما يسجل نفسه ضمن الدائرة الجهنَّمية لتوالي الفشل.. هَبَّة فانتفاضة فثورة تنجح فتخفق وتفشل، وكأنك يا بَدْر لا رُحْت ولا جِيت، وتضيع بذلك التضحيات سُدى.. ويصبح المستقبل اسودا ويستمر الحاضر طاردا.

أهذا ما تريدون؟ لا أظن، بل قَطْعاً لا وألف لا.

[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق