مقالات سياسية

ثورتنا هي الديمقراطية وفي أسمى حللها‎

سعيد محمد عدنان

الديمقراطية بمعناها الرفيع – وهي في عقيدتنا الحق والشورى – نمارسها ونبنيها في هذه الثورة لأول مرة، أقول ملء فيّ لأول مرة، ونحن يقظين معافين، تجربة ليست مواتية لأغلب شعوب العالم ولنا نحن خاصةً منذ استقلالنا، مارسناها ولكنها كانت ضعيفة مريضة ليس فيها ما يقويها ويوقفها على رجليها.

الديمقراطية هي ممارسة حق الخيار بإبداء الرأي والحوار ثم التراضي بحجم القناعة، أسلوب راقي وحضارة رفيعة، لكن للديمقراطية أن تكون حقيقية يتوجب ممارستها في ظروفٍ صادقة حيث توفر المعلومة المثقفة حول موضوع الحوار، والأمان من حيث منع الترهيب، والأمانة من حيث منع الترغيب والخداع، وتحكيم القانون بدءاً من القانون العام الذي تسير عليه الجماعة لحين الاتفاق على تعديله أو تصحيحه بالرأي والمشاورة العادلة.

ولكننا، بالرغم من سماحتنا وتسامحنا وصبرنا الطويل، لم تتسنّ لنا كل تلك الموجبات لنشأة الديمقراطية الصحيحة، فكانت فينا طائفية وعرقية وخطل موروث من الخرافات والهوس تجثم على صدورنا وترسم لنا صوراً ليس بها في الحق من شيء، بل ومزرية، فقادتنا الأوهام بالوسطية القدسية، والشفافية الإلهية في الدروشة، ومس الجن والشيطان، والمحايات والحجابات وممارسة السحر، والتصوف الذي هو هروب من الواقع السياسي للقوم المشرّبة دينياً، وظهرت في قهر المغول للدولة العباسية ومنها انحدرت الصوفية إلى الشام ثم مصر وتركيا. فكان ذلك غياب المعلومة المثقفة بل وحظر للثقافة والبحث بالترغيب، ثم انحرافاً منه بالتكفير والتغريب.

وداخلته موروثات من العرقية والفوقية النسبية القدسية، ورواسب من عصور الاستعباد والرق وممارسيه من صيادي الرق الذين كانوا يمونون تجار الرقيق به، وهؤلاء الصيادون هم من نفس أمم هؤلاء الرقيق، ولما حوربت تجارة الرقيق، سمى هؤلاء الصيادون أنفسهم بما يسمح لهم بالانتماء إلى أسيادهم تجار الرقيق، و ركبوا تلك الموجة التي ما هي إلا تشخيص لعقدة النقص، كل هؤلاء الفوقيين هم ضحايا النقص كما هو في تحاليل الطب النفسي. وتقدم العالم الحر في ذلك واقصى كل الفوقيين من رجاله ونسائه، حتى ولو كانوا حكاماً أو فرساناً أشاوس أو علماء مرموقين، أقصوهم ولم تشفع لهم انجازاتهم ولو شمخت، فأقاموا المحاكم الجنائية بدءاً بمحكمة نورنبرج لمحاكمة مضطهدي اليهود، والمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة حكام وقادة جيوش دول البلقان المضطهدة للمسلمين، وحاكموا الكنيسة الكاثوليكية بإفتائها بأن السود هم سلالة ملعونة (انتي كرايست) بحجة أن حام إبن سيدنا يونس – الإبن ذا السحنة الداكنة – حكى لإخوته عن رؤياه أباه عارياً، فلعنه أبوه ولعن ذريته… هراء ليس له مرجع أثري ولا فقه ديني، وقيام تجار الرقيق بممارسة الرقيق على تلك الفتوى.

ونزعت مؤسسة معمل (سي إس إتش إل) في نيويورك جائزة نوبل والأنواط الإكرامية التي نالها جيمس واطسون عام 1950 في اكتشافه جينات الذكاء من أبحاث الكيمائي روزالند فرانكلين، وأصبح رئيساً لتلك المؤسسة من عام 1968 – 1993، نزعت منه عندما أشار فيها لاحقاً أنه بها يرى أن السود أقل ذكاءً من البيض وهو في التسعين من عمره.

هكذا ليس هناك ما يشفع لأي عنصري أو فوقي من الجزاء في ظلمه الآخرين، فهو يكاد أن ينادي بأنه إلهاً، وإلا فكيف يبرر تلك الفوقية وهو بشرٌ كغيره من البشر؟

هكذا مورس الترهيب بالوسطاء القدسيين، وليس أقله ترهيباً القمع العسكري باقتلاع السلطة وتدمير منابر الحوار وحظر المعلومة، ثم التقتيل والتعذيب والتكذيب والضلال، وأخيراً القيام بتحريك قوائم المرمى بالسرقة والاكراه، فكان الحكم باللصوصية، وكان للديمقراطية مصير الموت المحتم كما رأيناها تحدث لأممٍ عدة لها عشرات السنين ترزح تحت نير الكبت والاضطهاد والضياع، وانجرفت بعيداً عن شاطئ الأمان وصارت في رحمة الرياح ومساراتها.

ولكن شعبنا الخلّاق تمكن بحذاقته التي بارك له بها المولى عزّ وجل بوعده “يهدي من يشاء ويضل من يشاء”، أن ينبثق نور وعيه في ثوراته المتواضعة التي قدم فيها فقط أغلى ما لديه من القليل الذي يملك: دمه ودم أبنائه ودموعه ودموع أبنائه وعرقه وعرق أجداده، في صبرٍ وشمم، ووعيٍ وثبات، وكأنه على وعدٍ على مواجهة القدر.. سطر أسطراً عبارة عن إلياذة سودانية مهداة لكل الشعوب الصابرة والمترجية لنور الخلاص، فإذا به يحقق ما تتمناه البشرية ليكون صرحاً ومناراً تهتدي به الشعوب المتحررة.

هذه ثورة قيّدت يديها بقيود الحق والأخلاق، وعصبت عينيها من خدعة الأبصار من أصحاب الألوان، وصمّت أذنيها من مزامير الإلهاء والتضليل والتهويل، وعصمت نفسها الأبية من الأطماع ومن الأهواء، وتحذّرت بهدي الله تعالى “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً103 الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً104″، الكهف، واهتدت بقول الرسول الكريم “القابض على دينه كالقابض على الجمر”.

فلم يعد الشعب السوداني، شعب الثورة، تنقصه المعلومة المثقفة التي ضنّت بها عليه عصابة الإنقاذ القميئة، بالحظر والمراقبة وقفل الصحف واعتقال الصحفيين وأساتذة الجامعات ومعلمي المدارس، وحظر النهل من الفيض المعلوماتي العالمي بحجة الأخلاق والمؤامرات، والجلد والإقصاء والتعذيب، والتكفير والإعدام ظلماً، وكأن الشعب السوداني كسيح العقل والفؤاد، وارتعدوا هم من مواجهة المحكمة الجنائية الدولية التي طالما وقف أمامها رجالٌ أثبتوا براءتهم وخرجوا مكرمين، وآخرون فشلوا فنالوا عقابهم راضين، لكن هذه الطغمة ليس لها في الحق ولا الإحقاق، فهي طغمة لصوص لا تلوى على شيءٍ من الخلق أو الدين.

واستقبل شعب الثورة المعلومة بوعيٍ وطاعةٍ تلميذٍ وقيادة معلّمٍ، حتى أنه وبنصوع الحق في جبهته، وصل إلى ضمائر الأخيار ممن انضموا لفلول وجحافل طغمة الإنقاذ في انخداع وجل من لا يخطئ، سارعوا نحوه لمؤازرته والاعتذار له، فما أعظم أن ينتصر الحق بالإحقاق وليس بالثأر والاستئثار.

أن الشعب بكتاباته وشجاعته في مواجهة التكفير والتخوين، وبمداخلات أبنائه وبناته وآبائه بإثراء المداخلات على المقالات والكتب والندوات، وبالمساهمة الغنية بالأفكار والمواصلة والخروج إلى الشارع، وفتح الصدور وتلقي ضربات الهراوات والغاز المسيل للدموع، وأرقاها ببذل النفس والنفيس، سطر تلك الإلياذة التي هي ليست فقط للأمة السودانية فحسب، بل للبشرية جمعاء، فهذه خطوات خالدة ونفحات شافية ينظم فيها شعبنا الأبي درره اليوم.

ألا بارك الله في ثورة الحق ومكارم الأخلاق الفتية

عاش الشعب السوداني الأبي
والخزي والموت لأعداء الشعب ومجهضي مكارم الأخلاق
وليسقط التسييس الديني والقهر العسكري
وكل دعامات الفساد — تسقط بس

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..