
لقد اصبح موضوع وحدة قوى المعارضة حاجة ماسة وعاجلة جدا وأولوية ترقى لمستوى فرض العين لا مفر منها على كل من يدين بالولاء لتراب هذا الوطن العزيز وذلك في ظل المتغيرات والاحداث المتسارعة التي تفرض وجودها بقوة على الوضع السياسي الراهن .
المراقب لمجريات الامور في السودان منذ فترة ليست بالقصيرة لا بد من ان يلاحظ ان الوطن وبلا شك يسير على حافة هاوية سحيقة بغض النظر عن ما يجرى تداوله هذه الايام حول التقنيات الاسرائيلية أو الأمريكية المستخدمة للتجسس على المواطنين لا سيما الناشطين سياسيا منهم.
وغني عن القول ان الصراع المستعر بين ابناء الوطن الواحد الذين نشأوا على ترابه (قبل تدخل الموساد السافر في شئونه) قد هدد وجود ووحدة السودان كدولة اصلا نظرا للصراع الضاري على السلطة عن طريق الانقلابات واستخدام القوة.
وهذا الصراع التاريخي على السلطة يحكمه منطق معوج لا يستقيم ابدا إلا بتغيير المفاهيم والاجتهاد بالعمل على خلق آلية بمفهوم ديمقراطي مقبول للتداول السلمي للسلطة بدون احتراب.
و مما زاد الطين بلة ان الانقاذ قد خلقت بكوادرها المتأسلمة بطانة من المنتفعين باعوا المبادئ في سوق النخاسة ولا يعرفون معنى للكرامة والوطن ولا يعنيهم على الاطلاق الرأي الاخر ولا يهمهم انقسام الوطن ان فقدنا جوبا وتوريت او حلايب وشلاتين ولا يعبأون بضياع سواحل ومياه البحر الاحمر خدمة لمصالحهم الذاتية الضيقة إرضاء للمحاور الاقليمية والدولية التي تتربص بالسودان.
أصحاب الضمائر الخربة هؤلاء استمرأوا الأكل على كل الموائد والرضا بالفتات وتتوجه تارة شرقا وتارة غربا بالإضافة إلى الأطماع العربية و ليس لها من هدف سوى البقاء فى السلطة بأي ثمن الى ان تزف ساعة تسليمها للمسيح الدجال كما كانوا يروجون .
لقد ابتلاهم الله بعصبية لا متناهية مصحوبة بسوء النية وقصر النظر وعمى البصيرة الا من التآمر والجهل والفساد والشقاق ، يكثرون البكاء على منابر المساجد وفى الصلوات يذرفون دموع التماسيح وقلوبهم شتى يبتغون ملذات الدنيا والثراء الحرام والتسلط على رقاب البشر ولا يخشون في نحرها رقيب او حسيب ولا تنقصهم في ذلك الحيلة والكذب والخداع.
بؤرة الخراب في السودان تتكون من ثلاثة أضلاع تحمل في طياتها نذر الشؤم للوطن وقنبلة موقوتة بانفجارها يتطاير الوطن الى شظايا :
1- جيش مفترى عليه تحت سيطرة قيادات مؤدلجة ولجنة أمنية فاسدة وجهاز أمن باطش لا علاقة له بأمن وأمان السودان وتحالف مهين ومتآمر مع حركات الكفاح المسلح سابقا والمكلفة بقمع الشعب حاليا.
2- عصابة الدعم السريع أو الأسفين الذى دقه عمر أحمد حسن الكذاب بغرض دنيء يحمي به اطناب فساد بطانته لعدم ثقته في الجيش فأطلق لهم اليد لتنحر أمنه وعافيته وتنخر جسد اقتصاده المتهالك بقيادة تتميز بالارتزاق والابتزاز والانتهازية والجهل والطمع من مرتزقة الجوار الأفريقي.
3- المكون الثالث يشمل بطانة السوء القابضة على اقتصاد الوطن وهي بطبيعة الحال رافضة للتغيير متمسكة بامتيازاتها وفسادها ويندرج تحت لوائها الفلول والمنتفعين من مدنيين وعسكريين وحفنة مأجورة من الشباب او فئة موتورة تم غسل عقولها وشل تفكيرها.
أما الجانب الآخر من هذه المعادلة المعقدة فهو الاغلبية الساحقة وتتكون من كتلة الشباب الثوري الحرجة المهيمنة على الشارع السياسي بدون منازع وقيادات الاحزاب المدنية والتكتلات المهنية ومنظمات المجتمع المدني الداعمة للشباب وحركتي جيش تحرير السودان والجيش الشعبي قطاع الشمال وهم من يؤمنون بالتحول المدني الرفض التام لتدخل العسكريين في اجهزة السلطة المدنية.
وبدون اطالة في هذا الموضوع الشائك وجب القول ان الحل الوحيد لهذا المعضلة هو وحدة قوى الثورة المؤمنة بالتحول المدني.
هذه الوحدة ورغم الحاجة الماسة لها ، إلا انها لا بد ان تأتي هذه المرة متأنية ناضجة وسليمة وقوية وحكيمة تستند إلى مناهج علمية واضحة المعالم تتخطى الفترة الانتقالية وتضع في الاعتبار مواطن الضعف والقوة والمخاطر في هذا البلد المتنوع الأعراق والثقافات ومشروعه المستقبلي المتطلع لدولة فتية قوية تنعم بخيراتها ومواردها الجمة لمصلحتها اولا في وجود استراتيجية امنية اقتصادية لكل مكوناتها مستفيدة من تجربة الثلاث سنوات المنصرمة وما سبقها من اخطاء وتجارب فاشلة منذ الاستقلال.
ولقد حملت الاخبار مؤخرا مؤشرات مبشرة لبداية المناقشات بين مختلف القوى المعارضة للانقلاب العسكري وكانت ضربة البداية وثيقة تنسيقية لجان المقاومة بود مدني وتلتها قوى الحرية والتغيير بتقديمها لأطروحتها وتصورها للفترة الانتقالية.
من الواجب على تنسيقيات لجان المقاومة في كل بقاع السودان المشاركة بآرائها واطروحاتها في هذه الفترة الحاسمة من اجل تنفيذ مبدأ مشاركة الشباب وقود الثورة وحراكها المهيمن على الشارع السياسي في كافة مستويات واجهزة الحكومة الانتقالية
ومن هنا أيضا نتقدم بالدعوة لكافة الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ان تسرع في تقديم تصوراتها في كيفية ادارة الفترة الانتقالية وكيفية تكوين المجالس والمفوضيات الشرعية والعدلية لتحقيق العدالة في القضايا العالقة المتعددة وعلى رأسها قانون الانتخابات وكل ما يتعلق بمصادر تمويلها لتثبيت دعائم الحكم المدني وان تمضى اكثر من ذلك لتأطير الرؤى والافكار لما بعد الفترة الانتقالية والتخطيط والتأسيس للمستقبل على المديين القريب والبعيد.
لقد نجحت القوى السياسية بجدارة ومهارة تنظيمية فائقة في اسقاط عصابة الانقاذ من خلال قوى الحرية والتغيير ولذلك لا بد من الاستفادة منهذه التجربة الناجحة واستصحابها في هذه المرحلة الحرجة وتكوين جسم مماثل اكثر تماسكا واقوى شكيمة موحدا وقادرا على القيام بأعباء المرحلة بكفاءة عالية ومفاوضا ماهرا ومتحدثا رسميا لبقا ملتزما بمخرجات هذه الجبهة العريضة.
ولتحقيق ذلك ، لابد لكل قوى الثورة الحية الداعية للتغيير والمحبة والسلام أن تصطف خلف هذا الرايات لإخراج السودان من وهدته الى آفاق مستقبل واعد لأن فى التنوع قوة ومنعة لتحقيق اهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
و “تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا … وإذا افترقن تكسرت آحادا”.



