مقالات وآراء

غياب الدستور والمآلات الكارثية ..!!

إسماعيل عبدالله

 

 

منذ انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر من العام الماضي ، والبلاد تديرها مجموعة انقلابية تصدر القرارات المصيرية دون شرعية دستورية ، لا احد يعلم من هم حكام الظل هؤلاء الذين يتحكمون في صناعة القرار السياسي بعد الكارثة الانقلابية ، الوثيقة الدستورية برغم ما اكتنفها من عيوب الا انها كانت تمثل حجة بيد الذين يديرون الشأن العام ، أما اليوم وبعد أن سطت على السلطة الانتقالية حفنة صغيرة من العسكر وداعميهم ، اصبحت المؤسسات مختطفة بايدي هذه الحفنة الانقلابية ، ومن عجائب الدهر أن الوزراء الملتصقين بمقاعدهم من الذين لم يتأثروا بطواريء الانقلاب ، أتى بهم اتفاق جوبا المنسوخ في الدستور الانتقالي – الوثيقة الدستورية ، فكان الأوفق أن يذهب وزراء (السلام) مع رفاقهم مباشرة بعد نحر الوثيقة المعدّلة ، فلا شرعية دستورية بعد ذهاب الحكومة الشاملة لشركاء الحكم – قحت والجبهة الثورية، فالانقلاب قد محا الحبر الذي كتب به دستور البلاد الانتقالي – الوثيقة الهجين ، وصار من يحاول فرز كوم الجبهة الثورية عن كوم قوى الحرية والتغيير كمن يسعى لاستخلاص كوب من العصير من كوب آخر قد اضيف اليه من جنسه .

الانقلابيون جمعوا جميع السلطات بيدهم ، هم المشرعون والمنفذون والفاصلون بين الخصوم ، وبيدهم اهم واخطر الملفات المتعلقة بالأمن القومي والعلاقات الخارجية والتخطيط الاقتصادي ، وهم وحدهم من يضعون الميزانيات المالية ويقدمون الموازنات العامة ، لقد كان ولوقت قريب قبيل استقالة رئيس الوزراء ، يوجد هنالك شكل من اشكال الحكم المتميز بشيء من تعدد المؤسسات، على الرغم من غياب المجلس التشريعي ، كيف يمكن للجنون أن يسيّر دفة الحكم في دولة مثل السودان ، قطر كل اقليم فيه يصلح لأن يكون دولة قائمة بذاتها ؟ ، ما يحدث اليوم من عناد تمارسه المجموعة العسكرية المسنودة ببعض المتمردين السابقين ، لا يمكن أن ينقل البلاد نحو انتخابات عامة تسهم في توطيد ركائز مؤسسات للحكم تلعب دوراً حقيقياً في استقرار دولة كبيرة بهذا الحجم ، الحماقة التي ارتكبها هؤلاء المغامرون سوف تعصف بوحدة الوطن ، ولا شك في أنها ستمكن للعملاء الساعين لرهن المقدرات الوطنية لقوى المحاور الاقليمية والدولية ، والطريق الذي يسلكه هؤلاء المجازفون بمصالح الناس لا محالة موصلهم للفناء الكامل.

الفعل السياسي والحراك الشعبي في هذه البلاد لم تقدر الجبهة الاسلامية القومية على تدجينه ، حاولت ذلك بعد سطوتها الأولى على السلطة عبر انقلاب يونيو ، (كلفتت) دستور خديج زوّرت به ارادة الشعب ونقلت السلطة لرئيس لم يختره احد ، صار دكتاتوراً حكم الدولة لثلاثة عقود بعد ان احتضنته وطلت طلاء نظرياتها الميتافيزيقية الخادعة على جدار عقول البسطاء ، لم تتمكن نظرية اللجان الثورية الليبية المنقولة (بضبانتها) من صهر الشعوب السودانية المتنوعة والمتعددة في صحن رأي سياسي واحد ، لقد صرف هذا الكيان الجبهوي الذي كان يقوده الدكتور الراحل حسن الترابي من موارد الدولة صرف سياسي مسرف ومجحف وظالم لأجل بناء هذا الكيان الحزبي ، فلم يجن الحزب غير البعد عن وجدان عامة الناس وخاصتهم ، وكان مآله الاسقاط الكامل ، فحري بهذه التجربة الجبهوية الفاشلة أن تكون موعظة للطبقة السياسية ، وأن تكون خير معين للباحثين عن مخرج للأزمة الوطنية المزمنة التي اعيت كل من سعى وحاول مداواتها ، ومن مضحكات هؤلاء الانقلابيين أنهم استعانوا بذات الادوات القديمة التي درج على استخدامها منظرو النظام البائد .

الذي يريد أن يقدم بديلاً سياسياً ناجحاً من حزب او فرد ، عليه القيام بتطليق النظريات الحزبية البائدة طلاقاً بائناً بينونة كبرى ، وعليه التخلي عن استغلال الدين في الفعل السياسي ، وعليه ركل ودفن الاطروحات القديمة – المشروع الحضاري ، الدستور الاسلامي ، النهضة الاسلامية ، الدعوة لاستنهاض همة الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة ، الدعوة لاحياء الرسالة الثانية من الاسلام المستنسخة من رسالة النبي محمد (ص) ، والبديل برأيي هو ذلك الطرح السياسي المخاطب لشئون وشجون الجيل الصاعد الحاضر ، وهذه الشجون بالضرورة دائرة ومتمحورة حول خصائص النهضة الاقتصادية على مستوى الفرد والجماعة ، وهذا الاتجاه النهضوي الاقتصادي العالمي لا يقتصر على شباب السودان وحسب ، وانما هو تعبير جمعي وطموح عالمي يشترك فيه الصيني والامريكي والاوروبي والافريقي ، فما عادت الكتب الصفراء تجدي حشداً سياسياً مع وجود هذا الطموح الشبابي المشروع.

 

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..