أخبار السودان

احتجاجات السودان.. انتقال الخطاب من الشارع إلى منابر المساجد

  • عبد الحي: الناس ما خرجوا إلا مضطرين لأن أرزاقهم ضاقت.. ويتبرأ من دعوة التظاهر من مسجده
  • إمام مسجد الرحمة بالحاج يوسف: هذا الشعب ليس غبياً والله أعطانا عقل نفكر به
  • رئيس هيئة علماء السودان: منابر الجمعة مفتوحة وأي زول بقول أي كلام

الجريدة: سعاد الخضر

ظلت الحكومة تراهن طوال السنوات الماضية على أئمة المساجد باعتبار أنها حكومة إسلامية تقوم ركائزها على تطبيق الشريعة الإسلامية كما تزعم وقبل هذا وذاك فهي تتحكم في الأئمة عبر تبعيتهم للمجلس الأعلى للدعوة والإرشاد، فهم في واقع الأمر موظفون يتقاضون رواتبهم على قلتها من الحكومة ويبلغ عدد المساجد في ولاية الخرطوم 5 آلاف مسجد.. وكان الأئمة في السابق يفتون بعدم جواز الخروج على الحاكم ويشترطون لذلك أن يرى منه الكفر البواح، إلا أن المشهد في هذه الأيام التي تشهد فيها البلاد احتجاجات تتسع حدتها يوما ًبعد يوم تغير المشهد كثيراً فالجمعة الماضية بمساجد الخرطوم بدت مختلفة حيث إن خطاب أئمة المساجد فارق لأول مرة وجهة النظر الرسمية للاحتجاجات فبينما ترى الحكومة أن الحزب الشيوعي والمعارضة تقف خلفها.. انحاز أغلب أئمة المساجد في خطبهم أمس الأول للمحتجين وأكدوا أن خروج المواطنين بسبب الضائقة الاقتصادية التي تجاوزت حد احتمالهم، واعتقلت السلطات الأمنية في الثامن من الشهر الجاري أمام مسجد الجريف غرب د. محمد علي الجزولي بسبب موقفه المناهض للحكومة والذي ظل يعلنه باستمرار حتى قبل اندلاع الاحتجاجات الأخيرة.

بطلان العجب

وفي السياق قال الشيخ آدم إبراهيم إمام مسجد الرحمة بالحاج يوسف في خطبة له ( تمر بلادنا بموجة من الاحتجاجات وصلت إلى سفك الدماء وتخريب الممتلكات ولكن إذا عرف السبب بطل العجب وتساءل من هو المسؤول عن ذلك؟ ومن الذي أوصلنا إلى التردي في الجانب الصحي والتعليمي وانهيار الوضع الاقتصادي ومن الذي تسبب في أن يصل الدولار إلى 65 جنيهاً، وصاح الخطيب قائلاً ياعلماء يا دعاة لا تقدس أمة الضعيف فيها لا يأخذ حقه ولا تكون لها مكانة عند الله، وتابع هذا الشعب ليس غبياً والله أعطانا عقل نفكر به).

خروج المضطرين

وفي تعليقه على الاحتجاجات قال الشيخ عبد الحي يوسف في خطبة الجمعة الماضية بمسجده بحي جبرة والتي خرج بعد نهايتها المصلون يهتفون مطالبين بسقوط النظام قال (خرج الناس خلال الأيام الماضية وماخرجوا إلا مضطرين لأن أرزاقهم ضاقت وتكدر صفوهم؛ لأنهم لايجدون ضرورات حياتهم) واعتبر أن المحتجين أوصلوا رسالة مفادها أن وضعهم ينبغي ألا يكون كذلك في بلاد تعددت مواردها، وشدد يوسف على امكانية إصلاح ذلك حال توفرت الإرداة والإدارة.. ووجه رسائل للحكومة وتابع سفك الدماء حرام ودم المسلم حرام، وتخريب الممتلكات حرام على الحاكم والمحكوم والخطأ لا يعالج بالخطأ، وبرأ عبد الحي الإسلام مما حدث في السودان باسمه وقال ليس للدين علاقة بالانحراف من الناس وليس من الإسلام وهؤلاء خرجوا لأن أقواتهم تعثرت، ولفت إلى أن من المحتجين من هو مظلوم ومقهور ومنهم من يريد أن يمتطي الظهور للوصول للسلطة ومنهم من يعادي شرع الله وزاد ينبغي ألا نكون مطية لهؤلاء).

وفي اليوم التالي تفاجأ المراقبون بظهور فيديو للشيخ عبد الحي يوسف يتبرأ فيه من المظاهرات التي خرجت من مسجده عقب صلاة الجمعة فهل مورست عليه ضغوط وتم استدعاؤه من قبل جهاز الأمن؟ وقال الشيخ عبد الحي يوسف في تسجيل فيديو بثه يوم السبت الماضي ( خطبة الجمعة الماضية تناولت الأحداث التي تعصف بالبلاد وانتهت الصلاة على خير وبعد انتهائها تحدث أحدهم وشرع ومن معه من قلة قليلة في هتاف معين وخرجوا من المسجد استغرق ذلك دقائق معدودة ونقلت ذلك بعض الفضائيات زاعمة أن المظاهرات خرجت من مسجدي وأنني على رأسها ) واعتبر أن ذلك عار من الصحة وتابع ( المسجد ليس للهتاف أو لتأييد موقف سياسي أو معارضته وإنما المساجد لتبيان حكم الله وهدى رسوله).

وانتقد الشيخ د. محمد الأمين إسماعيل حديثاً منسوباً إلى القيادي بالحركة الإسلامية محمود يونس هدد فيه بأن يسيل الدم للركب حال سقوط الحكومة وقال في خطبة له ( إذا كان محقاً أو كاذبا ًألم يسمعوا قول الله تعالى عن عاد عندما استكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة ورد عليهم قوله تعالى ( أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم ).

من جانبه شدد رئيس مجمع الفقه الإسلامي السابق د. عصام أحمد البشير على الحكومة لإجراء تحقيقات عاجلة لمعاقبة من تورطوا في إزهاق أرواح المتظاهرين.. وقال البشير في خطبة الجمعة الماضية ( من تورط في إزهاق نفس معصومة يجب أن يجد جزاؤه ). وكان الجدل بشأن العلاقة بين الحكومة وأئمة المساجد قد تجدد على خلفية إيقاف إمام مسجد عمر البدوي بالقضارف الشيخ محمود طه واستدعائه من قبل جهاز الأمن والمخابرات بولاية القضارف وسلمه خطاباً بإيقافه من الإمامة والتدريس في حلقات القرآن الكريم.

واستبعد رئيس هيئة علماء السودان بروفيسور عثمان محمد صالح أن يكون إيقاف إمام مسجد عمر البدوي الشيخ محمود بولاية القضارف بسبب انتقاده للحكومة في خطبه السابقة .. وقال للجريدة منابر الجمعة مفتوحة وأي زول بقول أي كلام. واستدرك قائلاً إلا تكون هناك حاجة مخفية لا نعلمها.

ورجح لجوء جهاز الأمن والمخابرات بالولاية لتقديم شكوى ضد الإمام الموقوف، وفي رده على سؤال حول دور الهيئة حيال قضايا الأئمة الذين يتم إيقافهم من قبل السلطات أكد أن دور الهيئة إرشادي.. وقال للجريدة ماعندنا سلطة زي القضاء جهة تنفيذية والهيئة لديها سلطة إرشادية.. وتابع وإذا كانت المسألة فيها ظلم ننصح الحكومة على سبيل التذكير والوعظ والارشاد. ولفت إلى أن الضوابط التي يفرضها قانون مجلس الدعوة على الأئمة معلومة ومستمدة من قواعد الشريعة وتابع (أن يتقي الأئمة الله في السر والعلن هذا هو المطلوب..

وأوضح أن كل ولاية لديها قانون خاص بمجلس الدعوة بالإضافة إلى اللوائح التفصيلية وكان المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد بالخرطوم قد أعلن في وقت سابق عن فصله وإنذاره لعدد كبير من أئمة المساجد .. وقال إن إيقاف خطيبي مسجد الخرطوم العتيق لم يكن بقرار سياسي.

وأصدر المجلس قراراً قضى بمنع خطيبي مسجد الخرطوم الكبير الشيخ كمال رزق و د. إسماعيل الحكيم من اعتلاء منبر الجمعة دون الإفصاح عن أسباب الإيقاف من قبل المجلس كجهة مسؤولة عن إدارة الحقل الديني.

وقال رئيس المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد جابر عويشة في تصريحات صحفية سابقة إن ” المجلس أوقف عدداً كبيراً من أئمة المساجد لأنهم خرجوا عن السياق في خطب الجمعة، وأكد أن إيقاف رزق والحكيم لم يكن سياسياً، وتابع هما أئمة متعاونين ولجنة المسجد هي التي قررت الاستغناء عنهم”.

واشتهر رزق والحكيم بتوجيه انتقادات عنيفة لسياسات الحكومة، وكانت خطبهما مثار جدل كثيف لتميزها بالجرأة في الطرح والتوبيخ الشديد لمسؤولي النظام الحاكم فيما يخص القضايا الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

اتهامات سابقة

واتهم رئيس المجلس الأعلى للدعوة والإرشاد بولاية الخرطوم السابق بدر الدين طه، بعض أئمة المساجد بالتفلت والخروج عن المسار العام واللياقة أثناء خطب الجمعة وصدر قرار بإعفاء عدد منهم.

وفي وقت سابق قرر وزير الدعوة والإرشاد عمار ميرغني منع حلقات الوعظ التي تقيمها بعض الجماعات السلفية في الأسواق والأماكن العامة ما أثار سجالاً واسعا.ًوكشف عويشة عن إعدادهم دراسة واتخاذ قرارات برفع رواتب أئمة المساجد، وأوضح أن الخريجين الجدد من الأئمة سيتم تعيينهم وفق قانون الخدمة المدنية في الدرجة التاسعة.

تشكل الوعي 

وقال امام مسجد الأنصار بودنابوي عبد المحمود أبو في خطبة الجمعة الماضية ان كل نظام قام على الاستبداد والقهر فهو الى زوال وان الظلم مشين لايبقى معه ملك ولاتجري معه حضارة، ولفت الى ان الوعي القومي بدأ يتشكل في السودان ودلل على ذلك بأن كل فبركة يطلقها النظام يواجهها الشعب السوداني بشعار وطني يؤكد على وعي الشعب ومثل لذلك بأن النظام عندما حاول أن يصبغ على المظاهرات صبغة عنصرية واجهه الشعب بشعار (يا العنصري المغرور كل الوطن دافور) ونوه الى مشاركة كل فئات الشعب خاصة الشباب في الهبة، وأضاف أبو (تصريحات قادة النظام تؤكد انهم لايعرفون الاسلام كما نفهمه) وترحم على الشهداء ودعا للجرحى بالشفاء وأستنكر االتعدي على المرضى والأطباء والعاملين بمستشفى أمدرمان واعتبر أنه جريمة في حق المرضى والأطباء والعاملين.

ازالة التمكين 

ولفت امام مسجد الأنصار إلى أن الحراك في الشارع بدأ مطلبيا ثم تطور الأمر الى تشكيل رأي عام اتفق عليه أهل السودان لتحقيق مطالب شملت رحيل النظام دون قيد أو شرط، استعادة الشعب السوداني لإرادته المسلوبة ليقرر مصيره، بالاضافة الى ازالة التمكين الجزئي وبناء دولة الوطن، وقيام حكومة قومية انتقالية تقوم بتحقيق الانتقال السلمي للسلطة من النظام، وتنصف المظلومين وتعاقب الظالمين، واستعادة علاقات السودان الخارجية وفق المصلحة الوطنية والاحترام المتبادل، وترفع عن السودان العقوبات المفروضة عليه، وتشرف على قيام مؤتمر دستوري يحسم قضايا الوطن المصيرية، بجانب اشراف الحكومة الانتقالية على قيام انتخابات حرة نزيهة ليقرر الشعب كيف يحكم ومن يحكمه، وعقب انتهاء صلاة الجمعة خرج المصلين في للشارع وهم يهتفون بسقوط النظام قبل أن تتدخل قوات الشرطة والأمن وتفريقهم بالغاز المسيل للدموع.

حرية الأئمة

من جهته قال الأمين العام لهيئة علماء السودان بروفيسور إبراهيم الكاروري إن الأئمة في السودان يتمتعون بالحرية في خطبة الجمعة.. وذكر الكاروري في حديثه للجريدة ( أي إمام حر فيما يقول ولسنا كالسعودية والأمارات اللتين تقومان بتوزيع خطب الجمعة على أئمة المساجد مكتوبة في ورق ) وأضاف ليس هناك تقييد على خطب الجمعة ) ولفت إلى أن الأئمة ملتزمون بموجب القانون بعدم السب والشتم والقذف أو الإساءة لشخص أو هيئة وزاد المنابر تنضبط وفق القانون الذي ينظم النشاط العام والقيم الأخلاقية .

انحياز للحق

وفي رده على سؤال حول انحياز بعض أئمة المساجد للاحتجاجات قال الكاروري ( مافي حاجة اسمها إمام انحاز للاحتجاجات ولكنهم إذا طلعوا المنابر انحازوا للحق )وأكد الأمين العام لهيئة العلماء عدم اعتراض الهيئة على الخروج للشارع طالما التزم المتظاهرون بالقانون والدستور.. ورداً على سؤال حول حكم الشرع في مطالبة المحتجين بإسقاط النظام رأى الكاروري أن تلك القضية محددة بالدستور والقانون.

الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..