مقالات وآراء

صناعة الحروب واشعال الحرائق

 فايز الزاكي 

امريكا (الاخ الاكبر) الذى يريد فرض وصايته على الجميع من خلال صناعة الحروب واشعال الحرائق

مرة اخرى ، تحاول امريكا ان تنصب نفسها بطلة حقيقية لشخصية (الاخ الاكبر) والتى كانت مجرد شخصية وهمية فى رواية جورج أورويل المسماة (١٩٨٤).

ومن افريقيا بكل تعقيداتها الى الشرق الاقصى فى اسيا ، وفى مناطق لا تحصى ولا تعد تمارس امريكا حرفيا دور (الاخ الاكبر) الذى يراقب حركات وسكنات اخوته الصغار مع كثير من الوعظ والارشاد ترغيبا وترهيبا.

امريكا او الاخ الاكبر تجسد فى عالم اليوم مفهوم السيطرة الشمولية من خلال عدة ادوات ومرجعيات لن يكتب لها النجاح الا بصناعة ازمات واشعال حروب ، وفى سبيل ان تصنع امريكا عالما طائعا لارادتها ، ومتعايشا مع نزواتها واستراتيجياتها وحضارتها المصنوعة ، كان لابد من استحقاقات يقدمها الاخرون قربانا للاخ الاكبر، وكانت تلك الاستحقاقات شئ من الخوف والجوع والمرض والقلق والرعب لكون ان (الاخ الاكبر يراقبكم).

فى كل بقاع الدنيا الساخنة فى مناطق الصراعات سواء كانت إثنية او عرقية او طائفية ، او حتى كانت منازعات بين دول ، يطل وجه امريكا عبر شاشات تعرض تراجيديا صراع عبثى على مسرح (الاخ الاكبر) .

ولان امريكا تعانى من عقدة التاريخ ، فان (الاخ الاكبر) يكره الى درجة عميقة مفردة (التاريخ) فليس من حق (تاريخى) للفلسطينيين فى دولتهم ، وليس للصين حقوقا (تاريخية) موثقة فى بحر الصين الجنوبى ، وليس لروسيا حق (تاريخى) فى ضمان امنها وحقوق اقليات روسية تعدادها بالملايين تعرضت للسحل فى اوكرانيا ، وليس من اى حق (تاريخى) لكائن من كان فى فقه وشريعة (الاخ الاكبر ) ، ببساطة لان امريكا دولة بلا (تاريخ) ، فهى ابنة العصور الحديثة.

يمتلك (الاخ الاكبر) خيالا خصبا وقدرة كبيرة على صناعة الازمات والانقلابات والفتن والمؤامرات والحروب والاغتيالات البشعة ، وكانت تلك هى الوسيلة لانعاش الخزائن الامريكية والتكسب من خلال توزيع الصناعة الامريكية من الاسلحة الفتاكة.

وكانت المنطقة العربية افضل انموزج لاستراتيجية الدم التي اعتمدتها امريكا او (الاخ الاكبر) ، بدءا من حلف بغداد سئ الصيت متوسط الخمسينيات ، مرورا بالمبدأ الذى اقره الرئيس الامريكى الاسبق ايدن ايزنهاور عام ١٩٥٧ الذى سوق ل(الاخ الاكبر) التدخل فى شؤون الدول العربية تحت غطاء الحماية من (الخطر الشيوعى) ، وما بينهما من حروب فى منطقة الخليج وانتهاء بثورات الربيع العربى ومصطلح (الفوضى الخلاقة).

وتنوعت الشعارات التى كانت عنوانا لنهج واحد هو (التدخل) ابتداءا من شعار (الدفاع عن الديمقراطية) ، و(صد الخطر الشيوعى) و(امبراطورية الشر) و(الاحتواء المزدوج) و(الحرب على الارهاب) و(محور الشر) و(مشروع الشرق الأوسط الكبير ).

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتى وانتهاء الحرب الباردة ، تسعى امريكا لان تنصب نفسها شرطية للعالم بان تعيد ترتيبه وتتحكم فيه من خلال اسطورة (الاخ الاكبر).

ولكن ، ولان التاريخ ملئ بقصص ارتداد السحر على الساحر ، فان اصابع (الاخ الاكبر) تحترق الان بنيران كانت قد أوقدتها ، فان كانت امريكا هى صاحبة القدح المعلى فى صناعة الارهاب فى العالم ، فان مارد الارهاب الذى (خلقته جينيا) فى معاملها يخرج عن قمقمه الان ليطرق ابوابها.

وان كانت امريكا قد رعت وكرست لمفهوم (الصراع بين العرب والزرقة) فى اقليم دارفور السودانى ، كمثال ، فان امريكا الان هى اكبر بؤرة للتنازع بين مواطنيها من السود والبيض ، بعد ان اعتقدت انها قد تجاوزت هذه الحقبة مع وصول باراك اوباما لمنصب الرئاسة.

تخطئ امريكا ان اعتقدت انها تحقق كسبا لاستراتيجيتها الانتهازية ان اشعلت حريقا فى بحر الصين الجنوبي ، فهذه اللعبة اكثر تعقيدا من سابقاتها ، وعلى امريكا ان تبحث عن وسيلة اخرى ان ارادت الاعتذار للفلبين عن ما فعلته بشعبها عام ١٨٩٩ ، وهو ما كتب فى سفر (التاريخ) كاول تدخل امريكى فى العالم القديم ، وراح ضحيته مئات الالاف من الفلبينيين الذين دفعوا حياتهم ثمنا (لنداء الحرية والعدالة) كما اسمته الصحافة الامريكية آنذاك.

ومن بعد الفلبين ضمت اللائحة التى اعدها زولتان غروسمان عن التدخلات الامريكية على امتداد قرن، ونشر فى كتاب (لماذا يكره العالم امريكا) لضياء الدين سرادار وميريل واين ديفيز ، نحو ١٠٨ تدخلا عسكريا امريكيا فى انحاء المعمورة ، ولم تتعظ امريكا بعد .

وكم كان مضحكا حالة (الاستجداء) التى بدت عليها مندوبة الولايات المتحدة الامريكية لدى الامم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد وهى تستجدى اعضاء مجلس الامن لادانة روسيا ، على اعتبار ان ما قامت به ليس فعلا (اخلاقيا).

امريكا ليست مؤهلة لقراءة دروس في الأخلاق علي دول العالم ، لانها ببساطة اول من قام بالتدخل (عسكريا) فى مناطق عدة من ارجاء العالم .

تخطئ امريكا ، مرة اخرى باشعال نار الحرب بين روسيا واوكرانيا ، من خلال سلسلة متواصلة من التحريض والتحشييد والتحفيز لكييف لان تظهر ممانعة (مصنوعة) و(متهورة) ، ولان تطلق يد القوميين المتعصبين في أوكرانيا ، لمواصلة الانتهاكات بحق الأقلية الروسية هناك .

وكان لامريكا اليد العليا فى تحريض اوكرانيا على تعطيل اتفاقيات مينسك ، التي نصت على الإصلاح الدستوري لأوكرانيا ومنح الحكم الذاتي لبعض المناطق.

لم تفهم امريكا ، ان قواعد اللعبة قد تغيرت ، وللابد ، وكان عليها ان ان تدرك ان تركيبة أوكرانيا الإثنية وتاريخها الجغرافي تفترض أنها منطقة وسط بين روسيا وأوروبا ، وهذا ما يعني مراعاة مصالح روسيا وكذلك مصالح الأوكرانيين والأوكرانيين الروس.

كان يجب على امريكا ، ان تسعى الى التطلع صوب روسيا كعنصر رئيس في أي توازن عالمي جديد ، بدلا  عن اعتبارها الخطر الوحيد والمطلق الذي يهدد الولايات المتحدة.

وكان على امريكا والغرب ، ان تسعى لجعل أوكرانيا جسرًا يربط بين روسيا والغرب ، عوضًا عن أن تكون منطلقًا لهذا الجانب أو ذاك ضد الآخر .

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..