مقالات وآراء

ثورات هيبان وجبال النوبة المنسية

ايليا أرومي كوكو 
جبال النوبة هي قلعة الابطال والرجال الشجعان انها موطن من يسمونهم برماة الحدق . وكل التواريخ تشهد لهم وان تنكرت لأداورهم تبقي مواقفهم الثابتة وخير شاهد لهم .
الحدث الاول
من الاحداث المبكرة التي لا تزال راسخة في ذهني وستبقي عالقة في عقلي الباطن مادمت حياً وانا طفل صغير حادثة الهزة الارضية او الزلزال الذي حدث في منتصف ستينيات القرن الماضي . انا لا اذكر التاريخ تحديداً لكن الحدث ظل محفوراً عميقاً في نفسي ووجداني .. فقد اهتزت الارض تحت أرجلنا وصرنا نترنح كالسكاري ذات اليمين وذات الشمال ورأيت بأم عيني بيوتنا وكلها القطاطي تقريبا تهتز بقوة لعدة ثواني قد تصل الي دقيقة . لم تحدث أي خسائر لا في الممتلكات ولا في الارواح فالهزة كانت متزنة والعناية الالهية كانت حاضرة ايضاً . ومن بعدها جرينا الي السوق كأطفال مرعوبيين نستطلع الاحوال وكان يوم ذاك هو يوم السوق في هيبان . واذكر هل كان يوم السوق في هيبان هو نفسه يوم الخميس ام كان يوماً اخر .
الحدث الثاني الذي سأظل اذكره جيداً وهو حدث يكاد ان يشبه الزلزال وتكاد تواريخ هذين الحدثين تتداخلان في ذهني حد التطابق . هو حدث المسيرة الشعبية او المظاهرالجماهيرية التي أتت من جهة شمال هيبان بقيادة أهلنا من كودن وحجر كومي وقدندلي ولورمنج واويا وربما من الازرق والصهب ان لم تخونني الذاكرة الطفولية . كان الوقت صباحاً نحو العاشرة وهو وقت الفطور كنا في البيت وكان ابي موجود معنا . وبسماعنا الهتافات والصرخات والتهاليل العالية المجلجلة تخترق الصمت المعهود في هيبان ركض أبي خارجاً من البيت فأسرعت من خلفه دون ان يراني حتي وصلنا شارع هيبان الرئيسي الواقع بين قهوة او مطعم الحاج سعيد ومنزل كباشي كودي الذي يطل علي السوق مباشرةً . بوصولنا كان الموكب قد وصل لنفس المكان للتو يتقدمه رجال كبار وشباب لا اذكر اسمائهم . لكنني اسم كجومبي وأظنه الذي كان قائد الموكب هو الذي اتذكره جيداً . توقف الموكب في المكان لبعض الوقت . كان الجميع يلوحون بالعصي واغصان النيم مشمرين السواعد وحناجرهم تزمجر بهتافات هادرةً زلزلت ارجاء سوق هيبان والمنازل المجاورة . خرجت هيبان وتقاطر كل أهله من ال رجال ونساء والاأطفال لأستقبال الموكب او المظاهرة وبالاحري جاءوا لأستجلاء الامر ومعرفة الحدث . هنا تقدم أورمي كوكو او كومي لخبات كما كانوا يسمونه . نعم تقدم أبي الذي كنت أقف بجواره مدهوش ومخلوع تقدم نحو رتل الموكب مهيئاً اياهم بهتافات لا اذكر كلماتها او معانيها وعانق كجومبي بحرارة الثورة وعنفوان روح الثائرين . في تلك اللحظة وصلت قوت من الشرطة وأمسكت أبي وكثيرين من المتظاهرين وغير المتظاهرين ليختلط الحابل بالنابل . تم ايداعهم مركز او سجن هيبان ومن ثم ترحيلهم الي كادقلي .
الحدث الثالث
سامحوني ان كنت لا اذكر الاحداث والتواريخ والاشخاص جيداً ولست منحازاً لأشخاص بعينهم لأي سبب الاسباب حتي لو كان الشخص المذكور هو أبي . ذكر الاشخاص هنا فقط هو لأرتباط الاشخاص بلاحداث او علاقتي بالاشخاص قربي منهم ومعاصرتي لهم في الزمان والمكان . الحدث الثوري الكبير الثاني الذي اذكره ويذكره أغلبكم هو قفل الطريق الرئيسي بين هيبان وكادقلي عند منطقة أبل وبالاصح عند حجر الاسماء . وحجر الاسماء هو نهاية الجبل الاسود في الاتجاه الجنوبي او مدخل ابل وكوبنق الي الشواية ومن ثم كادقلي . هذا المكان عبارة عن مقرح او ممر ضيق ومنطقة جبلية يغطيها صخور كبيرة يصعب عبورها بالعربات والمركبات فعرض لايزيد اكثر من مترين ونصف في احسن الحالات . هذا الطريق الوعر وغيره من الطرق الوعرة في جبال تم فتحها في زمن الانجليز بواسطة المشايخ والمكوك بالجهد الشعب الخاص المتعارف عليه بالنفير . اذ يم قطع الاشجار علي طول المسار المراد مسحه ومن ثم أزاحة الحجارة والصخور الكبيرة بعد تكسيرها لتسهيل نقلها . يتم ربط القري مع بعضها لتقريب المسافات بينها المناطق الاخري ببعضها . وتلك كانت العملية الاولي في مشوار التنمية الذاتية البدائية الطويلة جداً التي كلفت الاهالي ما كلفتهم من القوة البشرية والدفع المقدم من الاموال . كلها كانت ضرائب وتحيات غير محسوبة الاجر في مشوار الثورة والنضال والكفاح السلمي في جبال قاطبة . تلك كانت جهود جبارة قام بها الاجداد والاباء بعرق جبينهم دم قلوبهم بل بذلوا في سبيلها أرواحهم تمهيداً وفتحاً مبيناً لما نحن فيه اليوم . فكم نحن مديونين للأشاوأباء والاجداد وكل الاجيال التي سبقتنا فقد كانوا أطبال أشاوس وجنود مجهولين . الاباء والاجداد يستحقون منا نصب تماثيل الصمود والتحدي في كل الشوارع القري في جبال النوبة عرفاناً وتمجيداً وتخليداً لما بذلوه وقاموا به .
لا اذكر المطالب ولا المظالم التي تقدم بها أهلنا في ابل وكوبنق وأمجن ، ولم يتم تلبيتها او الاستجابة لها حتي اقدموا علي قفل هذا الطريق الحيوي بين كادقلي وهيبان . فقد اقدم شباب ذلك الزمن بعضلاتهم الفتية وسواعدهم قوية مشمرين سواعد الجد اقدموا علي دحرجة صخر كبير جداً الي منتصف الشارع . وكانت تلك الصخرة الجلمودة كافية لقفل وقطع الطريق تماماً بين كادقلي وهيبان . حدث كل ذلك وسط هتافات الشباب الداوية تنادي ب عاش الشعب ، عاش الشعب ، عاش الشعب . وكان لصدي هتافاتهم التي رددتها قمم الجبل الاسود الشامخ الشماء قوة سحرية خارقة خماسية الدفع مكنتهم من قفل الطريق وهم لا يصدقون أنفسهم الي اليوم كيف تمكنوا من فعل ذلك وما هي القوة الخفية التي ساندتهم علي دحرجتها .
ثارت ثائرة الحكومة في هيبان وكادقلي وتم ارسال قوة كبيرة جداً من جنود الشرطة والجيش لتطويق مناطق ابل وكوبنق وأمجن وهيبان . وتم القبض علي الكثيرين من الاباء الكبار بطريقة انتقامية عشوائية ليزج بهم في سجن كادقلي الكبير .
ويعد هذا الحدث التاريخي الصغير المحدود واحدة من اكبر الاحداث الثورية علي الاطلاق في تاريخ الثورات في جبال النوبة قاطبة و في هيبان علي وجه الخصوص . الهب هذا الحدث الروح الثورية لتكون فيما بعد الشرار الاولي للمناداة والمطالبة بالحقوق المدنية في كل ارجاء مناطق هيبان وجبال النوبة ضد القهر والظلم و الظالمين اينما كانوا وحيثما وجدواً . وتلك كانت بوادر شرارات التنوير الاولي بفكر وايادي الاجداد والاباء البيضاء ومساهماتهم الكبيرة القوية دفعاً لمناهضة الظلم والصلف من الطغاة ورفضاً للخنوع والاستسلام والاستلاب . تلك كانت واحدة من ثورات السودان كله لكنهم ولأشياء في أنفسهم يطلقون عليها جوراً وظلماً (التمرد) . وليس في الامر عجب !
فاصل ونواصل ..
يوميات كوكو ..

‫2 تعليقات

  1. صدقت استاذ ايليا , جبال النوبة هي ارض الشجعان ومهد الابطال وارض الطيبين الاخيار. من اطيب ابناء السودان هم اخوتنا ابناء جبال النوبة والله العظيم عايشناهم في كل انحاء السودان وكانوا من خيرة المواطنين. ولكن مشكلة السودان منذ خروج الانجليز كانت في العنصريين من ذوي العاهات النفسية والعقلية. مؤخرا خرج علينا محامي لا ادري من اى مستنع اتى وطفق يبث سمومه وينادي صراحة وبمنتهى الوقاحة بإعلان الحرب على اهل الغرب عموما بمن فيهم ابناء جبال النوبة بل وبدأ يصب الزيت على نار الفتنة التي اوقدها الكيزان عليهم لعنة الله. المضحك في الموضوع استاذ ايليا ان من يتظاهر بأنه من اصحاب النقاء العرقي والسمو الثقافي هو في الواقع انسان ناكر لاصله لان ملامحه – من صورته المنشورة – تؤكد انه لا يختلف عن اى من عشرات ملايين السودانيين المنتشرين في بقاع بلادنا لكنه المرض والوهم. ايضا من الاشياء التي حورب دكتور القراى بسببها انه بدأ يعيد كتابة تاريخ بلدنا بصورة صحيحة. لماذا لم يذكر في تاريخ السودان ثورات جبال النوبة بقيادة السلطان عجبنا وغيرها من الثورات؟ انهم نفس مرضى النفوس الذين لا يريدون للوطن خيرا وعندما حوصرا تماما – مثل حمدي الهالك – هددوا بإنشاء مثلث يغنيهم عن باقي السودان. لكن مما يحمد له ان هنالك جيل جديد قوي وراكب راس يري الوطن بصورة مختلفة ومعذرة على الاطالة ولك تحياتي.

    1. لك التحية العزيز الفاضل ابوجاكومه ود كوستيلما ذهبت اليه من الحقائق . البعض لا يريد الاخرين و مشكلة السودان تتمثل في الظلم التاريخي و الاقصاء و العنصرية . الكل لا يريد الاخر نحتاج كسودانيين الي اعادة صياغة في الفهم و التفكير كما في التوضع و حب الوطن و نبذ القبلية و الجهوية المقيتة و قبول و الاعتراف بالاخر شركاء في هذا الوطن .. شكرا جزيلاً و الف محبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..