شهادات أطباء عيادات الاعتصام

قصص ومشاهدات يرويها أطباء عاصروا جريمة فض الاعتصام وما صاحبها من تقتيل وإهانات وضرب وتنكيل، حكوا عن إخراج نساء وفتيات ومجموعة من الشباب من عيادة التدريب المهني، وذهبوا بهم باتجاه شارع النيل، وقتها الوضع كان مفتوحاً أمام كل الاحتمالات (قتل، ضرب، اغتصاب)، وصفوا ما حدث بأنه كان بمثابة عقاب على الوجود في الميدان والمطالبة بالدولة المدنية. جثث مترامية على مد البصر، صدور دامية، مشاهدات عاشها نفر من الأطباء الذين كانوا يقدمون الخدمات الطبية بميدان الاعتصام في المساحة التالية:
الخرطوم – لبنى عبدالله
ذكريات موجعة
كان التيار الكهربائى مقطوعاً، والظلام يلف المكان، ساد إحساس بالوحشة والخوف في تلك الليلة بالميدان، يبدو أن الأمر مرتب له، وثمة إحساس بأجواء حزينة، أمطرت السماء قرب وقت الإفطار، يبدو أنها سبقت القتل والتنكيل، وبكت على العزل الذين روعوا وقتلوا بواسطة القوات النظامية. كان الحديث لأحد الأطباء الذين تحدثوا لـ (الديمقراطي).
يقول طبيب آخر: “ليس من السهل استرجاع ذكريات يوم الفض لأنها كانت قاسية على كل من عاشها ووثق لها في ذاكرته، مشاهدات الأطباء بالعيادات الأصعب، لمنعهم من إسعاف الجرحى، عاشوا ساعات مروعة مليئة بالأحداث، وفقاً للافادات. كان الأطباء الذين حكوا عن ذلك يتحدثون بوجع وألم ظهر على ملامحهم، تارة بالصمت والتأوه، ثم المواصلة تارة أخرى.
ليلة حالكة السواد
يحكي طبيب ثالث -فضل حجب اسمه- وكان حضوراً ليلة فض الاعتصام بعيادة التدريب المهني والعيادات الأخرى، بقوله: “اعتدنا دائماً الجلوس قرب العيادة عندما لا يكون هنالك تردد، كنا نجلس بترس الصمود، وهو أحدى التروس المصممة لحماية الميدان”.
أضاف: “أذكر وقتها كان التيار الكهربائى مقطوعاً من الميدان، يبدو أنه كان مخططاً لذلك تمهيداً لفض الاعتصام، كانت السماء تمطر قرب زمن الإفطار. لاحظنا دخول مجموعة من البكاسي والتاتشرات عليها قوات نظامية من القوات المشتركة ما بين قوات الدعم السريع والجيش والشرطة وقوات الاحتياطي المركزي وقوات مكافحة الشغب وكتائب الظل.
تابع: “بالرغم من اختلاف مسمياتهم إلا أنهم اشتركوا في الملابس الجديدة، كانت جديدة (كرت كرتون) حسب تعبيره، أبلغ دليل على جدتها رائحة النشا في أقمشتها، كان هنالك آخرون بزي ملكي، وكل هذه القوات دخلت للميدان بالقيادة العامة”.
مهاتفات تحذيرية
يواصل الأطباء الذين فضلوا حجب أسمائهم حديثهم بأنهم بدأوا في استقبال مكالمات من أكثر من مصدر من خارج الميدان، تخطرهم باعتزام السلطات فض ميدان الاعتصام، والمصادر ربما من النظاميين من أقاربهم. يقولون إن المعلومات كانت تقول إنه لن يصاحب الفض عنف واستخدام للرصاص. ويواصلون بقولهم إنه عند الساعه التاسعة تماماً كان هنالك حصار حول الميدان لكنهم لا يعلمون ساعة الصفر.
يقول أحد الأطباء: “كان عددنا بالعيادة ما بين 12-15 من طبيب لصيدلي، قمنا بتوزيع الأطباء على العيادات، وبدأنا في تفقد الناقص من المستهلكات الطبية في العيادات، وتم تجهيز العيادات لاستقبال أي طارئ قد يحدث. وقبلها ذهبنا لبعض الأسر التي كانت تسطصحب معها أطفالاً وأقنعناهم بالخروج لحمايتهم وحماية أطفالهم، وقد كان أن غادروا مما شكل حماية للأطفال، ولم يكونوا من ضمن الشهداء”.
تطواف ميداني
يواصل الأطباء بقولهم: “بدأنا نتحرك خارج العيادة لتفقد التروس وعدد الموجودين فيها، كانت لدينا لجان ميدان من الأطباء. بعدها ترافق طبيبان باتجاه كبري المك نمر، لاحظنا وقتها أن الشارع هادئ وقليل الحركة من الثوار، بعدها اتجه اثنان من الزملاء نحو كبري الحديد”.
ويوضح أحد الأطباء الذين تحدثوا لـ (الديمقراطي) بقوله: “عند الساعة الرابعة 45 دقيقة كنت ممسكاً بهاتفي، أتت قوة شرطية ترتدي زياً أزرقاً وأظنها قوات مكافحة الشغب يحملون درقات، اشتبك معهم الثوار ومنعوهم من دخول الميدان بالرغم من أنه وقتها لم يكن عدد الموجودين بالميدان من الثوار كبيراً. وبالقرب من الجامعة كانت هنالك قوات تقفز من سور الجامعة باتجاه الميدان داخل الجامعة بصورة فردية بسبب وجود ترس كان يحول دون دخول عربات الشرطة، كان ذلك عند أذان الفجر، وكنا نعمل على الاتفاق على توحيد رأينا في كيفية التعامل مع الهجوم، وكان عدد العيادات سبع والعاملة منها على النحو التالي: التدريب المهني، والكهرباء، والكلينيك بجامعة الخرطوم، وعيادة البحرية”.
أضاف: “بعدها سمعنا صوت الرصاص، وتم إطلاق أول زخات رصاص عند الخامسة صباحاً بالقرب من كبرى الحديد، كان على شمالي مصاب سقط نتاج ضربه بالرصاص، وعندما هممت لرفعه قام أحد النظاميين بجري وضربي، انسحبت ومن معي، دخلنا خلف النفق، وعدنا مرة أخرى وحملنا المصاب إلى عيادة التدريب المهني، واجتهدنا في إنقاذه، لكنه كان يحتضر، وهو الشهيد أحمد كهرباء. بعدها تم إحضار اثنين نظاميين مصابين أحداهما مصاب في اليد وقمنا بإسعافهما، وهو ما جعل لهجة الضابط الذي كان ينكلنا تتغير في التعامل معنا، وسمح لنا بحمل المصابين لمستشفى المعلم، عقب ذلك عدنا أدراجنا إلى العيادة”.
بداية المداهمة
يحكي الأطباء: “بعدها بدأت مداهمة كل الميدان بأعداد كبيرة من القوات، وبدأ إطلاق الرصاص الحي، كانت العيادات مجهزة بالإسعافات الأولية، وتم تقسيم الأطباء على العيادات، لاحظنا وجود قوات بأعداد كبيرة جداً، عقب ذلك بدأت حالات من الهلع والخوف والركض، كان العدو أمامنا والبحر خلفنا، عقب إطلاق الرصاص بكثافة تساقط المصابون، وقتها كنا في الشارع في اتجاه العيادة أنا وزميلي، أسرعنا إلى داخل العيادة بالتدريب المهني، وبدأنا في استقبال المصابين لإسعافهم”.
الشهيد الحي
يقول محدثي: “تم إحضار مصاب بالصدر وتبين أن قلبه ينبض بوضوح خارج القفص الصدري، اجتهدنا في إسعافه كان هو الشهيد الحي راني فرح. وصل أحمد محمود الشهير بـ (كهرباء) إلى العيادة في تمام الساعة السادسة صباحاً، كانت الإصابة ضرباً بالرصاص في الرأس، كان متوفياً بعدها تمت محاصرة العيادة، وبدأت مداهمات القوات بالرصاص الحي في نوافذ وجدران العيادة. كان المدنيون يحتمون بالدخول للعيادة هرباً من الرصاص، وبدأت العيادة تستقبل المصابين، وبعدها قامت القوات بالدخول إلى العيادة، وكان هنالك ضرب شديد على باب العيادة، وعند فتحه كان هنالك نظامي يضرب الباب بشدة ركلاً بالبوت برفقته مجموعة من القوات المشتركة، يقفون في مدخل الباب ويضربونه أيضاً، وعند فتحه ظهر ضابط صغير في السن يحمل بندقية ويرتدي زي قوات الدعم السريع، ارتكز وعمر السلاح في وجوهنا”.
يواصل: “وقتها دخل ضابط آخر برتبة نقيب أو ملازم على كتفه 3 نجمات، أذكر ملامحه جيداً، كان أسمر مليان، وعلى جبينه علامة صلاة ولديه لحية تشبه لحية الجماعة إياهم، ويبدو أنه لا علاقة له بالقوات”، ولكن في رواية أحد الأطباء الذين كانوا موجودين بذات العيادة التدريب المهني، يقول إن بكتفه دبورة أبيض وأسود ويرجح أنه يتبع للاحتياطي المركزي أو يتبع للأمن الشعبي في الغالب”.
يضيف أن الضابط صرخ بصوت عال: “ثابت” ووجه سؤاله للأطباء: من انتم؟! ويقول أحد الأطباء: “كنت أرتدى جونتات ملطخة بدماء الثوار، أجبته أننا أطباء، ولكنه بدأ يشتم فينا بقوله: أنتم أنجاس وتنجسون المكان، وغيرها من الألفاظ السوقية. وذكر لنا بأسلوب عنجهي بقوله: سنقوم بحرقكم في العيادة لأننا أحرقنا الخيام بالخارج وتبقت العيادة، وقتها تدخل أحد الأطباء ليفاوضه ويترجاه بغية إخراج المصابين قبل إحراق العيادة”.
اتفاق ازعان
يواصل أحد الأطباء بقوله: “وصلنا لاتفاق مع الضابط على أن يخرج غير المصابين، وأيضاً استطعنا إقناعه بإخراج المصابين الذين تتراوح أعدادهم ما بين 20 – 30 مصاباً”. يضيف: “وجود ضباط من الجيش من ضمن المصابين هدأ من روع الضابط، وطلب منا إخراج غير المصابين، وبعد خروجهم أمروهم بأن يقفوا مصطفين، كان بينهم نساء وفتيات، أخذوهم باتجاه شارع النيل، ولا نعلم ما حل بهم بعدها”.
يواصل بقوله: “تم منع الأطباء من إسعاف المصابين في البداية مما خلق توتراً وكانت المشكلة الأساسية إقناعهم بسرعة إسعاف المصابين الذين يحتاجون لإسعافات سريعة. في هذا الوقت العصيب كنا نسمع تعليمات الضابط للعساكر أحرقوا العيادة، ونترجاه ليسمح لنا بإخراج المصابين، وكنا نترجي فيه حتى الساعة التاسعة والنصف صباحاً، والرصاص يضرب في جدار العيادة والنوافذ. وفي أوقات كثيرة كان الرصاص يخترق جدران العيادة، كان الوضع رهيباً ومروعاً، وبعد عدة محاولات وافق أن نقوم بحمل المصابين في نقالات لمستشفى المعلم، وكان كل خمسة من الأطباء يحملون مصاباً بنقالة”.
يتابع: “الضابط ذكر لنا أنه غير مسؤول عن ما سيحدث لهم في طريقهم إلى مستشفى المعلم، كان معنا في العيادة اللاعب الشهير هيثم مصطفى، وعدد المصابين الذين أخرجناهم 10، إصاباتهم متفاوتة ما بين الضرب في الرأس والصدر، وبعدها وسط هذا الترويع حملنا المصابين في اتجاه مستشفى المعلم راجلين، وبالرغم من الانهيار والوضع النفسي السيء من هول ما حدث كان همنا ينصب في إسعاف المصابين”.
نظرات الوداع
يقول أحد الأطباء الذين تحدثوا لـ (الديمقراطي): “قبل خروجنا، ورائحة الموت تملأ المكان، نظر إلى زميلي مردد اسم ابنه الذي كان يرافقه قبل يوم من فض الاعتصام، وقتها فقط فكرت وتذكرت أسرتي وأبنائي. نظرنا لبعضنا البعض، وطلبت منه العفو، لأن الموت كان أقرب من الحياة في وضعنا الذي كنا فيه”.
في الطريق إلى المعلم
يواصل الطيب بقوله: “الطريق إلى مستشفى المعلم، كان مليئاً بالقوات النظامية التي كانت تسبنا وتشتمنا، وبعضهم يركلنا ويقوم بضربنا، قاموا بنزع هواتفنا، حتى نظارة النظر نزعوها من وجهي، مع ملاحظة أننا نحمل مصابين لمسافة طويلة، وكان المكان يعج بالمتساقطين أرضاً جراء إصاباتهم بالرصاص، كانت المشاهد مؤلمة وغير إنسانية، وهنالك حالات فزع وهلع وسط الناجين، وكنا نتجنب أن نمشي على الموتى المتساقطين في الطريق. مشاهد لا يقوى على تحملها إنسان عادي، وتشهدنا استعداداً لسقوطنا في أي لحظة”.
يضيف: “عند وصولنا إلى مستشفى المعلم كانت الساعة الحادية عشر صباحاً، وجدنا أمامنا لستة بأسماء 6 شهداء في مدخل المستشفى، وكان المكان يعج بالهلع والخوف، وكانت رائحة الدماء تملأ المكان، وعقب وضع المصابين تمت مداهمة مستشفى المعلم بالطابق الأرضي، صعد الجميع الطابق العلوي، وكانت القوات تقوم بالضرب المبرح لكل الموجودين بالمستشفى. وعقب صعود مجموعة كبيرة للطابق الثاني خرجت القوات لخارج المستشفى وساد جو من الهدوء، لم نكن نعلم سببه، هل أتت أوامر بإيقاف العنف؟! أم أن النظاميين هلعوا من العدد الكبير للموتى وعجزوا من حملهم؟! لأنهم كانوا يحملون الجثث ولا نعلم إلى أين يأخذونها”.
يقول أحد الأطباء: “النظاميون كانوا يريدون حمل الشهداء من مستشفى المعلم عنوة، لكننا منعناهم، وكنا نقوم بإسعاف المصابين وسط أنين الجرحى وصراخ الذين أصيبوا بحالات هستيرية، وكنا نتجول لإنقاذ المصابين حتى أذان المغرب، ونسينا أننا صائمون”.
مع سبق الإصرار والترصد
يقول طبيب في حديثه: “سألنا أحد المصابين والذي كانت إصابته بالفخذ عن مكان إصابته، ذكر بأنه كان يحمل صديقه عقب ضربه بالرصاص لإسعافه، وأنه كان مصاباً في كتفه وفيه روح، ولكن أثناء توجهه للمستشفى قابلته مجموعة من النظاميين وقالوا له: توقف، وقاموا بتصويب السلاح على صديقه الذي كان يحمله وأطلقوا عليه الرصاص. ورددوا: عشان نريحك منو تمشي تدفنو”.
يقول الطبيب الذي تحدث لـ (الديمقراطي): “المصاب كانت حالته النفسية سيئة للغاية بسبب فشله في إسعاف صديقه، وعقب أذان المغرب خرجنا من مستشفى المعلم”. وكشف عن مراجعة أكثر من (20) طبيباً من الأطباء الذين كانوا موجودين ليلة فض الاعتصام عيادات الأطباء النفسيين لفظاعة ما عايشوه في الميدان. وردد بقوله: “تلقينا جلسات علاج نفسي، لكننا لن نستطيع تجاوز ما حدث، فنحن بشر”. وكشف عن هجرة (90٪) من الأطباء، والذين ظلوا بالبلاد يقدرون بنسبة (10٪) مجبرين لأسباب متفاوتة، منها ظروف أسرية. يضيف: “عقب الانقلاب أحبطنا، إذ انطفأ الضوء الذي كان في آخر النفق، لأنه على الأقل عندما كان الناس داخل ميدان الاعتصام كانوا متوحدين، الآن انقسموا، ولكننا مجبرين أن نقدم خدمات للمواطن لجهة أن عملنا رسالي، ومهنة الطب مهنة إنسانية وأخلاقية في المقام الأول”.
الديمقراطي



