أخبار السياسة الدولية

لماذا تستقبل الدول الفقيرة أكبر عدد من اللاجئين في العالم بينما أبواب الدول الغنية شبه مغلقة؟

كل عام يزداد عدد اللاجئين في العالم بينما يتضاءل عدد البلدان التي تستقبلهم. فوفق التقرير الأخير الذي أصدرته الخميس الماضي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فتحت الدول الفقيرة أو تلك التي هي في طريق النمو، حدودها لأكبر قدر من اللاجئين في السنوات القليلة الأخيرة بالمقارنة مع البلدان الغنية.

تبين أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن باكستان مثلا استقبلت 1,5 مليون لاجئ وتركيا 3,8 مليون وكولومبيا 1,8 مليون. فيما فتحت أوغندا وهي دولة أفريقية فقيرة أبوابها لما يقارب 1,5 شخص فروا إما من النزاعات المسلحة أو من الجفاف والمجاعة.

في أوروبا، ألمانيا هي البلد الوحيد الذي استقبل عددا كبيرا من اللاجئين، وغالبيتهم سوريون، يقارب الأعداد التي استقبلها الدول الفقيرة، ويقدر بحوالي 1,3 مليون شخص. ولم يكن ذلك ليحدث إلا بفضل السياسة الإنسانية التي اتبعتها المستشارة السابقة أنغيلا ميركل.

“أول ما يفعله اللاجئ هو الفرار إلى منطقة قريبة من بلده”

فالسؤال المطروح هو لماذا لم تستقبل الدول الأوروبية الغنية والولايات المتحدة قدرا مماثلا من اللاجئين وفضلت أن تبقي أبوابها مقفلة في وجوهم على الرغم من المخاطر والعنف الذي يتعرضون إليه؟

لاجئون أوكرانيون وأجانب يسيرون على الأقدام باتجاه بواندا هربا من الحرب الروسية على أوكرانيا. شباط/فبراير 2022. © مهدي شبيل

حسب ميكاييل نومان، رئيس مركز التحليلات والعلوم الإنسانية بمنظمة أطباء بلا حدود، يفضل اللاجئون الذهاب إلى البلدان التي تقع بالقرب من الدول التي يعيشون فيها.

وقال في حوار هاتفي مع فرانس24 “هناك تحرك جغرافي طبيعي للاجئين. فهم يفرون قبل كل شيء إلى الدول المجاورة لبلدانهم الأصلية هربا إما من العنف أو من تهديدات أخرى قد تصيبهم في أية لحظة. وهذا ينطبق مثلا على الأفغان الذين فرت غالبيتهم إلى إيران وباكستان المجاورتين وعلى الإثيوبيين الذين هربوا إلى السودان والروانديين إلى تنزانيا. إذن التصرف الأول لأي لاجئ هو الفرار إلى منطقة قريبة من تلك التي يريد الهروب منها”.

“اللاجئون يفضلون البلدان التي يتحدث سكانها لغتهم”

وأضاف: “الدول الغنية تقوم بكل ما في وسعها من أجل إبعاد اللاجئين الذين يتدفقون إلى حدودها وذلك إما بالاستعانة بالدول الأخرى، كالاتفاق الذي وقعه الاتحاد الأوروبي مع تركيا أو بريطانيا مع رواندا وإما بتشديد القوانين المتعلقة بالهجرة والهادفة إلى ردع مخططات اللاجئين”.

عائلة سودانية مهجرة بسبب المعارك في إقليم دارفور، 26 نيسان/أبريل 2019.
عائلة سودانية مهجرة بسبب المعارك في إقليم دارفور، 26 نيسان/أبريل 2019. © محمد نور الدين عبد الله – رويترز/أرشيف

وتابع نومان: “هناك عوامل أخرى تجعل بعض البلدان تستقبل عددا أكبر من اللاجئين مقارنة بالأخرى: العامل اللغوي والتقارب العائلي. فاللاجئون يفضلون دائما الدول التي يتحدث سكانها نفس اللغة التي ينطقون بها بهدف الانخراط بشكل أسهل في المجتمع. كما يلجؤون أيضا إلى العائلات والأقارب الذين يعيشون في بلد اللجوء على أمل أن يتم استقبالهم ومساعدتهم”. لكن يواصل ميكاييل نومان: “عندما يشعر اللاجئون بأن حلم العودة إلى بلدانهم بدأ يتبخر فحينئذ يقررون الذهاب بعيدا”.

89,3 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة بلدانهم في 2021

وضرب نومان المثل باللاجئين السوريين الذين فروا في البداية إلى لبنان والأردن المجاورتين قبل أن يواصلوا طريقهم إلى أوروبا عندما شعروا يأن حلم العودة أصبح صعبا.

هذا، ويشير تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 89,3 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة بلدانهم في 2021 بسبب العنف والتهديدات الأمنية التي يعانون منها وأعمال العنف وتدهور وضع حقوق الإنسان في المناطق التي يعيشون فيها. ووصف نفس التقرير هذا الارتفاع بـ”الكبير” مقارنة مثلا بالعام 2011 إذ كان عدد اللاجئين والذين اضطروا إلى النزوح بالقوة 40 مليون شخص عبر العالم.

تلاميذ سوريون لاجئون يشاركون في حملة توعية حول فيروس كورونا برعاية منظمتي أوكسفام واليونيسف في مخيم الزعتري للاجئين في مدينة المفرق الأردنية، بالقرب من الحدود مع سوريا ، 11 آذار/مارس 2020.
تلاميذ سوريون لاجئون يشاركون في حملة توعية حول فيروس كورونا برعاية منظمتي أوكسفام واليونيسف في مخيم الزعتري للاجئين في مدينة المفرق الأردنية، بالقرب من الحدود مع سوريا ، 11 آذار/مارس 2020. © رويترز

ولم يأخذ التقرير بعين الاعتبار اللاجئين الأوكرانيين الذين فروا من بلدهم بسبب الحرب، حسب فيليبو غراندي، المفتش الأعلى لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة الذي قال: “إذا أضفنا اللاجئين الأوكرانيين الذين غادروا البلاد، فقد يصل العدد الإجمالي إلى 100 مليون لاجئ. كنت أتمنى ألا نصل إلى هذا الرقم. إنها أعراض فظيعة لصورة العالم الذي نعيش فيه اليوم”.

“المنظمات غير الحكومية فشلت في الضغط على الحكومات في ملف اللاجئين”

هذا، وبالرغم من الإمكانيات المالية والإنسانية التي تسخرها منظمات الإغاثة لمساعدة اللاجئين وتوفير بعض مقومات الحياة لهم كالمياه والمواد الأولية والإيواء، إلا أنها لم تتمكن من إرغام الحكومات الغربية على تبديل سياساتها إزاء هذه الفئة من الناس.

ويقول ميكاييل نومان من منظمة أطباء بلا حدود في هذا الشأن: “نعم المنظمات غير الحكومية فشلت في الضغط على الحكومات في ملف اللاجئين. لكن في الحقيقة الفشل هو فشل جماعي. الإنسانية جمعاء فشلت في حل هذا المشكل. ولا ينبغي أن ننتظر كثيرا من منظمات الإغاثة لأن في نهاية المطاف تأثيرها محدود والجهود التي تبذلها من أجل التأثير على قرار الحكومات وصناع القرار غير كافية إطلاقا”.

لاجئون إثيوبيون فروا من القتال في منطقة تيغراي يتجمعون في مركز استقبال القرية رقم 8 بولاية القضارف شرق السودان، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.
لاجئون إثيوبيون فروا من القتال في منطقة تيغراي يتجمعون في مركز استقبال القرية رقم 8 بولاية القضارف شرق السودان، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2020. © أ ف ب

نفس الشرح والتفسير قدمه أيضا حسني عبيدي، مدير مركز البحوث والدراسات حول العالم العربي وشمال أفريقيا والذي أكد لفرانس24 أن” منظمات الإغاثة فشلت فشلا ذريعا أمام تعنت الحكومات الأوروبية الرافضة لاستقبال المهاجرين”. وقال: “يجب علينا الاعتراف بأن المنظمات غير الحكومية اتبعت سياسة توافقية مع الدول الغنية. هذه السياسة لم تتعدى مستوى التنديد. ما أدى إلى إضعاف مصداقيتها في عيون اللاجئين“.

تحول مسألة اللاجئين في الدول الغنية إلى رهان وطني وإلى حديث حول الهوية

وردا على سؤال لماذا الدول الفقيرة هي التي تؤوي عددا أكبر من اللاجئين مقارنة بالدول الأغنى، أضاف حسني عبيدي ملخصا أن “الدول الفقيرة ترحب أكثر باللاجئين لأسباب تضامنية قبل كل شيء”.

وأردف: “لا توجد في الدول الفقيرة تيارات سياسية وإيديولوجية كثيرة (أحزاب وجمعيات) مناهضة للاجئين ولا تقوم بتوظيف مسألة اللاجئين سياسيا. عكس الدول الغنية التي تحولت مسألة اللاجئين فيها إلى رهان وطني وإلى حديث حول الهوية”. وأنهى: “الدول الغنية لديها أجنداتها الإنسانية الخاصة. فالطريقة التي استقبلت بها اللاجئين الأوكرانيين كشفت أن الغرب لديه الخبرة لوضع سياسة سخية عندما يتعلق الأمر بتقديم الدعم لمجموعة معينة من اللاجئين وليس للجميع. هذا ما أسميه التضامن الانتقائي”.

لاجئون من الروهينغا يرتاحون بمدينة لوكيسوماوي بإقليم أتشيه الإندونيسي بعد أن قضوا سبعة أشهر في البحر، 7 آب/أغسطس 2020.
لاجئون من الروهينغا يرتاحون بمدينة لوكيسوماوي بإقليم أتشيه الإندونيسي بعد أن قضوا سبعة أشهر في البحر، 7 آب/أغسطس 2020. © أنتارا فوتو/ رويترز

“غالبية اللاجئين ينتقلون من بلد فقير إلى بلد فقير أخر”

أما كاميل رومان ديبوسك، المديرة التنفيذية لمنظمة “رؤية العالم”، فقالت لفرانس24: “مهما كانت العقبات التي تواجهها منظمات الإغاثة، فإنها لا تتخلى عن مهمتها الأولى والأساسية، ألا وهي تقديم يد الدعم والمساعدة للاجئين حيثما كانوا”. وأضافت: “فوق الميدان لاحظنا أن 70 بالمائة من اللاجئين يفضلون الذهاب إلى الدول المجاورة لأنهم يتمنون دائما العودة إلى وطنهم الأصلي”.

وأنهت “بعض المنظمات الإنسانية تقوم بإطلاق برامج إغاثة في الدول المجاورة لتلك التي يفر منها السكان من أجل إقناعهم بعدم المجازفة بحياتهم للوصول إلى الدول الغنية. فهذا ربما سبب من الأسباب التي جعلت الدول الغنية لا تستقبل عددا كبيرا من اللاجئين”، مضيفة “نقوم بنشر البيانات والمعلومات حول اللاجئين لكسب الرأي العام من جهة ولإرغام الحكومات على تغيير سياساتها إزاء اللاجئين من جهة أخرى”.

وإلى ذلك، أظهر تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن “اللاجئين ينتقلون من بلد فقير إلى بلد فقير أخر. (72 بالمائة من اللاجئين يفرون إلى البلدان المجاورة و83 بالمائة إلى البلدان الفقيرة حسب التقرير). وأنهى المفتش الأعلى لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي: “نعتقد في الدول الغربية أن جميع اللاجئين يأتون إلينا لما في الحقيقة غالبيتهم ينتقلون من بلد فقير إلى بلد فقير أخر”.

في 2021، عاد أكثر من خمسة ملايين لاجئ إلى بلدانهم الأصلية حسب المفوضية العليا السامية للاجئين.

فرانس برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى