مقالات وآراء

يا للهول: تقرير السي ان ان..والذهب الذي ذهب..!!

 

 

مسألة

د. مرتضى الغالي

سلطات الانقلاب تطارد (الذين سرّبوا معلومات سرقة ذهب السودان)…! لاحظ إن سلطة الانقلاب لا تحاول نفي المعلومات وتكذيب رواية السرقة بالشواهد والبراهين والوثائق وبالصوت العالي.. ولكنها غاضبة من (تسريب) المعلومات ونشرها…!.. وهذا يعنى وكأنك تقر بهذه المعلومات ولكنك ترى أنه ما كان ينبغي نشرها وإظهارها للناس…!

هذه بلوى عظيمة ولكنها تعيدنا رغماً عنّا إلى حكاية ونستون شيرشل رئيس الوزراء البريطاني فقد رووا أن مواطناً هتف في وجهه صائحاً: أنت غبي وأحمق فاعتقلته السلطات..وأثارت هذه الواقعة عضو برلماني في مجلس العموم استنكر اعتقال مواطن أبدى رأيه في رئيس الوزراء، فرد عليه تشرشل قائلاً: لم يتم اعتقاله لأنه وصفني بالغباء والحماقة ولكن بسبب انه افشي سراً من إسرار الدولة..!!

لو كانت سلطات الانقلاب جادة في نفي هذا الذي جرى من سرقات (مزعومة) لذهب السودان.. فعليها أن تقاضي علناً شبكة “سي ان ان” بدلاً من أن تجري وراء الصحفيين والمحررين فالشبكة العالمي هي التي نشرت التقرير وذكرت تفاصيل المعلومات التي وصلت إليها.. وعلى سلطات الانقلاب إذا كانت صادقة في غضبتها أن تمضى بهذه القضية إلى أعلى درجاتها حتى تضع سي ان ان (في عِلبها) وتزلزل سمعة هذه الشبكة التي تسيطر على دنيا الإعلام في العالم.. ويتم استقبالها في 212 دولة ومنطقة وتجلس على رأس شبكات العالم كافة انتشاراً ومشاهدة على مدار 24 ساعة.. ويقاس عدد مشاهديها بالمليارات..!

هذا اتهام خطير يتعلق بفضيحة مدوية ومسألة في غاية الخطورة تتعلق بموارد دولة وثرواتها وبحق شعب من شعوب الدنيا في ثرواته وموارده.. كما أنها تتعلق بكيفية تعامل المسؤولين بشأن هذه الثروات وبأمر في خطورة التعامل السري لدولة ذات سيادة مع مجموعات مشبوهة ومخابرات ومافيا وبلطجية وبعائد وطني يذهب لبناء ترسانات أسلحة لدول كبرى تجلس على قمة العالم وهي من خمس دول تمسك بمصائر السياسة الدولية وتملك حق النقض والإبرام في اكبر هيئة دولية بين يديها مفاتيح الحل والعقد في الأمن العالمي..! هل على السودان أن يقوم بتسليح روسيا…؟!!

نحن لسنا من المعجبين المتولهين بغرام شبكة “سي ان ان” أو ممن يضفون عليها (قداسة إعلامية) ولكن في ذات الوقت من الحيثيات التي لا يمكن إغفالها أن هذه الشبكة العالمية لها إمكانياتها الواسعة وقواعدها المهنية في تحرّي المعلومات بوجه عام، ومراعاة ما يُعرف بالدرجة التي تجعل الأخبار والتقارير تكتسب جدارة النشر والبث Competence وهذا محور رئيسي في عملية الإعداد والبث له عشرة مكوّنات.. يسبقها ما يعرف بالـ Verification والذي يعني فحص وتمحيص البيانات والمعلومات والإفادات مع توخّي الـ Proper Attribution بمعنى نسبة كل معلومات أو أرقام أو إفادات إلي مصادرها الحقيقية.. سواء كان المصدر شخصاً عينياً أو شخصية اعتبارية أو وثيقة..إلخ مع مراعاة “القيم الإخبارية” journalistic values أوnews values هكذا يسمونها ولكن لا يعنون بها البُعد القيمي بل المهني؛ بمعني الدقة والصِحة (الدقة accuracy غير الصحةauthenticity ) والأهمية والموضوعية والتوازن وتفادي الانحيازات..!!

هذا ما يجري عليه العمل في الشبكات والقنوات الإعلامية الكبرى خاصة في مثل هذا النوع من التحقيقات الاستقصائية Investigative reporting أو التحقيقات الاستقصائية التي تستند على معلومات بحثية أو ميدانية من مصادرها.. مهما تعددت المصادر وتنوعت… وشبكة “سي ان ان” وكما هو المعلوم في كل ألمؤسسات الإعلامية الكبرى تعمل بمعنى المساءلة المرجعية accountability ليس من باب النزاهة الأخلاقية..ولكن لتفادي المقاضاةLitigation .. فإذا ثبت مثلاً الادعاء والقذف في مجال الميدياlibel وارتكبته مؤسسة إعلامية ما..فيمكن للتعويضات أن (تخرب بيتها)..!!

جميع هذا لا يبرئ “سي ان ان” حتى إذا عملت أو لم تعمل وفق هذه المعطيات جميعا ولكن (الواجب والدور) على جماعة الانقلاب حتى يقاضوا هذه الشبكة يقدمون دفوعاتهم التي تبيّن كذب ما بثته على العالم من أن دولة يتاجر (مسؤولوها) بثروات شعبها ويقبضون 13 مليار دولار كل عام (هذا غير حرابيش مئات الملايين من الدولارات)..! وعلى هؤلاء (المسؤولين) أن يخرجوا ويحدثوا الناس (قبل تقارير “سن ان ان” وبعدها)؛ من قبض هذه الأموال؟ ومن باع ومن اشترى؟ وماذا فعلوا بهذه المليارات؟ وأي جهة ذهب إليها ذهب السودان؟.. وهل المشتري دولة أم إمبراطورية أم مافيا أم شركات أم أفراد أم عصابات أم سماسرة… إلى آخر التعريف المطلوب بالمشتري والبائع والمكان والزمان والكميات والأثمان والكيفية وطبيعة الشحنات والمعابر وطرق الدفع والتسليم.. إلخ والطريق البري عبر إفريقيا الوسطى أو الجوي من اللاذقية إلى بلاد القوقاز..!!

كل هذا (كوم) وما جاء التقرير الرهيب الذي بثته شبكة “سي ان ان” (كوم آخر).. وأمر خطير خطير إذا حدث تجاه أي دولة في العالم لوقفت الدنيا على قرونها..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى