مقالات وآراء

العبادي (23) نقرابي بيناتن طَفَر..!

 

 

 

مسألة

د. مرتضى الغالي

ذكرنا كيف أن العبادي ادخل كلمات غاية في الندرة حتى في مُجمل الشعر الفصيح القديم والجميل.. وضفرها مع الدارجية السودانية الحلوة؛ وضربنا مثلاً بما ورد في أغنية (يا موفورة النفل) المُغرقة في محلية وصف حسناء خلال الرقص؛ وأشرنا إلى استخدام العبادي لكلمتي (الرأد) بمعنى رأد الضحى وهو انبساط الشمس وارتفاع النهار؛ ومفردة (الطَفَل) بمعني نهاية الأصيل الجانح نحو الغروب والإظلام. وقد استخدمهما العبادي لتمييز محبوبته عن الأخريات وتجليها وتفوّقها وتفردها عنهن.. فقال بعد تصرّف في تخفيف همزة (رأد):

ليك في الجمع الحَفل: نسبة راد من طَفَل

 وفي لامية العجم للشاعر الطغرائي:

مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرعٌ: الشمس (رأد الضحى) كالشمس في (الطَفَلِ)

**

والعبادي في أغنية (شيخ ريا) يشبه الحسان بـ(صيد الخلا الطليق) ويقول(صيد الخلا الما اطنبن) يعني إنهن لسن مشدودات إلى طُنب..غير مقيدات بالحبال والأوتاد:

خفن الشموس حين قنبن…. وجّن شلوخن وعلّبن

صيد الخلا الما اطنبن…. في قلبي نزلن وطنّبن

والطنب في معاجم اللغة ولسان العرب هو حبل الخباء أو الخيام وما يشد به البيت أو السرادق إلى الأوتاد، وقيل هو الوتد..وطنّبه مده بأطنابه وشدّه… ثم يقول العبادي (في قلبي نزلن وطنّبن) وطنّب هنا من الإطناب وفيها معاني الإطالة والاستطالة والامتداد والمبالغة.. ويقول (قرشي محمد حسن) الصوفي العاشق صاحب الروائع في أغنيته البديعة التي يغنيها (الأمين علي سليمان) بصوته الدافئ العجيب:

أنا إن أقبل الليلُ.. وأغفتْ فيه عيناكي

وطاف الحُلم خفاقاً و(طنّب) في محياكي 

وهبّت نسمة الفجرِ

تداعب خصلة الشعرِ

وتوقظ جَفنك الخمري

سكبتُ إليك من شعري.. أغاريد الهوى الباكي..!

لقد لجأنا للقواميس..!! وخليل فرح يقول في أشعاره (الغميسة) في أغنية (صِح النوم محبوبي نايم):

شافوا الخال في خدو هاجم: قاموا الناس (فتحوا المعاجم)

قلتَ حبيب من إيه دا ناجم؟: قال الفل في خدودي واجم..!

**

العبادي يتحدث عن جميلات الحفل وأسراب الحسان ولكنه يعود -كعادته- ويخص واحدة منهن ويصوّب عليها الكاميرا..إنه يقول عنهن (ظبيات وجرة) في أغنيته:

حبيب الم البعاد حشّش.. كلايا وأجرى.. دمعي أنا شوفي طايل لي.. ظبيات وجره

 وبعد أن يخصّهن بضمير الجمع في قوله:

بذكر جلستن يوم جمعة بعد النافله: ربات العفاف الطبقتِن ما سافله

دارسات كل فن إلا الأمور الآفله… إلخ 

ثم:

يات من كان تصادفك حافله أو غير حافله :تتناول فؤادك وتمشي منك قافله..الخ

يعود لفتاته المقدمة على ما سواها:

فرع الياسمين من النسيم يتنّي: سالكه مضمّره والتِنه فوق التِنه… إلخ 

ثم:

وكتين جات تقود في عوما زي الوزه.. واللفتات غزالاً بي النتايل فزّه..إلخ 

وظبية وجرة و(ظبيات وجرة ) ترد في أغاني الحقيبة؛ ويقول أبو صلاح في أغنية “ما أحلى القوام الفادعاهو الضمره):

الأسهر عيوني ولي المدامع أجرى

آه أنا من نفورك يا (ظبية وجره)

و(وجرة) هو وادٍ أو موقع ماء قريب من مكة يستخدم كرمز لأمكنة الحنين: ويقول ابن الفارض:

أرواح نعمان هلا نسمة سحراً: و(ماء وجرة) هلّا نَهلةٌ بفم 

ويقول عدي التغلبي:

ظبيةٌ من (ظباء وجرة) تعطو: بيديها في ناضر الأوراق

وذكر (ظباء وجرة) وغيرها من مثل هذه الاستعارات ليس غريباً حتى على نساء بادية السودان والمغنيات الشعبيات؛ فقد أدخلن في شعرهن ومناحاتهن (مأسدة بيشه) في الجزيرة العربية وهي منطقة كانت تعج بشعابها الأسود..وهذه بنونه بت المك تقول في رثاء أخيها عمارة:

إن وردن بجيك في أول الواردات 

 مرناً مو نشيط إن قبّلن شاردات

(أسد بيشه) المِكربِت قمزاتو متطابقات

 وبرضع في ضرايع العُنّز الشاردات..!

مثلهن مثل حسّان بن ثابت الذي يقول:

كأنهم في الوغى والموت مكتنعٌ : (أُسدٌ ببيشة) في أرساغها فَدَعُ

ويتواصل إبداعهن بهذه القوة والنصاعة التي تتغني بالفخر الحصيف حتى في موقف الفقد والحزن:

كوفيتك الخوده أم عصا بولاد

درعك في ام لهيب زي الشمس وقاد

سيفك من سقايتو استعجب الحداد.. 

وقارحك غير شُكال ما بقربو الشدّاد..!

**

يلعب العبادي ويتلاعب في استخدام كلمة (كفر) بمعنيين في أغنية (شيخ ريا): الأول معنى الكُفر وجحد الإيمان..والثاني معنى (غطى وستر)؛:

الله.. قد تعس الكَفَر : فضح الشمس وكتين سَفَر

سته ىالشلوخ واقفات غَفَر: لي فاها غاليةَ النَفَر

يعني شلوخها حارسات ثغرها..!

نقرابي من بينن طّفَر : قال لينا في عينكم ظَفَر 

شار لي وضيبو الانضفر: ليل قُلنا..قال )لكن كَفَر(..!!

الشلخ النقرابي يشير للوضيب وهو الشَعر..!

**

العبادي كان من الذين ينثرون الفرح في محافل الأعراس..!

وحدباي عبد المطلب “كاتب الدونكي” صاحب (زهر الرياض في غصونو ماح) الذي يقول في حفلة زواج محمد عثمان منصور:

هاك مني أقوالاً صحاح: لا كُلفة لا خوف لا لحاح

خانني عـينيا الشـحاح: بالدمعه ما سقن البطاح

*

اتجمعن والشادي صاح: بي نغمة الشُعرا الفُصاح

شرفنلو بالمُرَضى النُصاح: ومن حينو فارقني النَصاح

**

من قالوا أو من قلنا سيب: واسمعنا من حالي النسيب

ذكّرنا آرام الكثيب: الليهن الجيب والكسِب

**

الحبهن فيا من قديم: مازجنو بالدم والأديم

خدام جنابن يا نديم: لا زلتَ لامن انعدم..!

**

وفيها:

ما بنسى انا الدعج المِلاح : كيف اسلا أسباب الفلاح..؟! إلخ

ثم التهنئة:

يا محمد أبياتي القُلال: تاج في صدورن وليك هلال 

بي قُدرة الحي ذو الجلال: تتهنا في بيت الحلال ..!

حدباي هذا يقول في أغنية (ثغر الزمن باسم) في وصف ليلة من هذه الليالي وهي حفلة زواج صديقه عثمان عيسى في حي (القوز):

أسواق الأدب راجت.. اقدح يا فكر ساهم 

اظهر غالي مكنونك.. واشرح لا تكون واهم 

أيام الزمن جادت.. حلّت قبـضة الجاهم 

.. نارت ظُلمة الجاهل وزادت خبرة الفاهم..!

بعض الناس يضطهدون إبداع تلك الفترة ويحسبون الحكاية كلها (هوي يا ليله.. ويا ناس الله لي)..!

أسواق الأدب راجت…!!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى