مقالات وآراء

يحدث عندما تغيب قضية البشر !

 

 

خارج السياق

مديحة عبدالله
كشف الصحفي ماجد القوني في تحقيق صحفي مميز عن أوضاع النساء العاملات في مناطق التعدين في ود الماحي بولاية النيل الأزرق في منطقة (بلقوة) أي (بالقوة)، تعبيرًا عن ما وصل إليه المواطنون خاصة النساء عن ضرورة العمل مهما كانت قسوة الظروف لأجل المحافظة على الحياة (حيث لا مجال للضعفاء) حسب ما جاء في التحقيق، الذى أوضح كيف أن النساء يعملن في كل مراحل التعدين ابتداء من الدخول في الآبار، تكسير الحجارة، حملها للطواحين، غربلتها في الأحواض، دون عائد مادى يذكر رغم الارهاق والتكلفة العالية على مستوى الصحة، فأغلب العاملات يعانين من مشاكل في القلب والصدر والأرجل بسبب الرطوبة والتهاب البول والدم، والأسوأ أن عدد كبير منهن فقدن أرواحهن جراء انهيار الآبار.
حسب مسؤول بالمنطقة الغنية بالذهب فأن 95% من النساء يعملن في مجال التعدين دون حماية ولا ضمانات ولا عائد مادي يضاهي الرهق وتكلفة العمل الباهظة، وبقي أن نعرف أن المنطقة تفتقر للبنيات التحتية وخدمات الصحة والتعليم والطرق، فما الفائدة إذن من وجود الذهب إذا لم ينعكس رفاهية على المواطنين؟ وإذا لم ينعم من يعملون في مجال التعدين بالحماية والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي؟
لقد ظل مواطنو (بلقوة) يطالبون بتقنين وجود شركات التعدين، والتنمية، فهم لم يجدون حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، على العكس شهدت المنطقة تدهور بيئيًا وارتفاعًا في معدلات الإصابة بالأمراض الناجمة عن استخدام المواد الضارة بالبيئة في التعدين، لكن لا حياة لمن تنادي، والآن يرتفع الحديث عن الموارد المعدنية ونسبها وتحصيلها وعائدها بالعملة المحلية والأجنبية سواء من السلطات أو القوى المدنية، إلا أن الحديث عن البشر وأوضاعهم غائب تمامًا، ولولا التقارير الإعلامية لظلت أوضاع المواطنين يلفها التعتيم..
هذا هو الخلل البيّن في العمل السياسي والمدني، فالصراع فوقي وكأنه يدور في سطح القمر، وليس في بلد يموت أهله من النزاع حول الأرض وقطعة ذهب ومورد ماء، لذلك سيظل هذا الصراع معزولًا عن اهتمام أغلبية المواطنين، لأنهم لم يروا أنفسهم ولا مصالحهم في ثنايا الصحائف المكتوبة حول هياكل السلطة وتوزيع نسبها، ودولة المواطنة لن نشهد قيامها ما لم ينظر المواطنون مصالحهم الاجتماعية شاخصة في هياكلها وبرنامجها.
الميدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى