مقالات وآراء

إلى أين يُساق السودان وشعبه؟

سؤال ينام ويصحو به كل لسان، مع استطالة واشتداد خناق الأزمة على رقاب الوطن ومواطنيه، ومع وصول الاستقطاب السياسي والإجتماعي في السودان حدا حرجا وخطيرا تعدى قداسة الدم، وتشبع أفق البلاد بنذر شؤم، وأضحت البلاد تعيش مأزقا مأساويا خانقا سيدفع بها، وقريبا جدا، لأن تنفجر أو تتفجر إذا لم يتم تدارك الأمر والتصدي له سريعا.
لن أعدد مظاهر هذا المأزق، فالكل يعيشها في لحمه وعظمه، وتفاصيلها قُتلت بحثا وكتابة وتصويرا. لكن، ما يمكنني قوله هنا، وهو قول كررناه كثيرا وسنواصل تكراره، أنه في ظل تمدد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول وفتحه الطريق لعودة عناصر النظام البائد، وفي ظل ما يعانيه السودان اليوم من انتهاكات حقوق الإنسان، ومن حالات الإفلات من المساءلة والعقاب والاستهتار بأجهزة العدالة وحكم القانون، وفي ظل حقيقة انتشار السلاح خارج القوات النظامية، وأن البلاد، وتحديدا العاصمة، أصبحت ثكنة لعدة جيوش وميليشيات تأتمر بأوامر قياداتها السياسية المتصارعة، وتعتدي على مهام الشرطة دون رادع ودون موقف رافض مسؤول ومعلن من قيادات القوى النظامية، وفي ظل بروز دعوات لتقرير المصير في مناطق النزاعات، وفي ظل معاناة المواطن السوداني من الفقر وتفشي المجاعة والافتقار إلى الخدمات الأساسية والضرورية للحياة، وفي ظل استمرار حوار الطرشان السائد اليوم في البلاد، وأحكم قبضته على العلاقات السياسية بين المكونات السياسية والمدنية والعسكرية التي تسعى لقيادة الفترة الانتقالية، وفي ظل استمرار نزيف العقول والسواعد من البلاد مما يشل من نمو واتساع القوى الحديثة في المجتمع والتي يفترض أن تبني المستقبل، وفي ظل ترييف المدينة التي خبا بريقها كمركز إشعاع ثقافي وسياسي، وفي ظل تجلي شكل جديد من الاستلاب والاغتراب ليس تجاه مؤسسات الدولة فحسب، وانما تجاه الكيان السوداني ذاته، ومع إنهاك مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب، وفقدان الثقة فيها، ليتراجع المواطن إلى رحاب القبيلة والعشيرة بحثا عن الأمن والأمان، وما يحمله ذلك في طياته من نذر تصدع وتفتت هذا الكيان، وفي ظل توطد خطاب الإقصاء والتخوين بين القوى السياسية، والتي لا تزال تختلف في كل شيء، مما يخلق إنطباعا عند المواطن بأن معيار هذه الخلافات هو المصلحة الحزبية الضيقة وليس مصلحة الوطن ولا لصالح تنفيذ مهام الفترة الإنتقالية، في ظل كل هذه الحقائق وغيرها، فإن الكارثة المتوقعة والخطر الداهم لن يطالا الفترة الانتقالية وحسب، وإنما الوطن بأكمله. ولن يحتاج أي متابع إلى كثير عناء، ولكن ربما يحتاج إلى بعض الشجاعة، ليقول أن هناك قوى، داخل السودان وخارجه، يعمل بعضها بوعي وتخطيط، وبعضها بغير ذلك، على تهيئة الأجواء والظروف الملائمة لتحقق تلك السيناريوهات المدمرة.

أما ما هي مصلحة هذه القوى وماذا ستستفيد، فأعتقد أن الإجابة بديهية في جزئها الأكبر، وربما نحتاج بعض التقصي والتدقيق في الجزء المتبقي. لكن، وبغض النظر عن هذا الجزء البديهي أو ذاك المتبقي، وغض النظر عن من هي القوى الداعمة، داخليا وخارجيا، ومن هي القوى المدعومة، فإن النتيجة واحدة: لن يكون هناك أي منتصر أو رابح، فالخسارة ستعم الجميع، ومن يظن أنه سيحسم الطرف الآخر بالضربة القاضية، معتمدا على ما يلقاه من دعم، فهو واهم ويعيش الغفلة. أما الخاسر الأكبر فهو الوطن والشعب السوداني. ومرة أخرى نكرر ما ظللنا نردده كثيرا، إن وضع البلاد المأزوم، يصرخ فينا بخيارين لا ثالث لهما:
إما البدء الآن وليس غدا، بهمة وجدية لإنهاء حالة الاستقطاب والشروع فورا في استكمال مهام الإنتقال لإنتشال الوطن، أو الطوفان. أصحاب الخيار الأول، يجب عليهم أن يتحركوا في كل الاتجاهات ويبحثوا عن بعضهم البعض ليتجمعوا ويتناسوا، أو يؤجلوا، خلافاتهم وتناقضاتهم السياسية والفكرية، وليتوافقوا على كيفية إنجاح الفترة الانتقالية وإنقاذ الوطن. وبغض النظر عن نوايا كل طرف من الأطراف، وإن كان ما يعلنه من نقاط اختلاف مع الطرف الآخر هو فعلا وحقيقيةً يتطابق مع نواياه ومراميه أم لا، فإن قضايا النزاع البادية على السطح يمكن التوافق حولها.
المسألة الوحيدة التي لا يمكن قبولها، بل ولا يمكن مناقشتها أصلا أو حتى مجرد الجلوس مع من يثيرها أو يطرحها، مباشرة أو مواربة، هي محاولة تصوير الأمر وكأن ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 كانت غلطة، أو قام بها مجرد نشطاء يافعين في السياسة ولا يفقهون دروباتها.
ومن ناحية أخرى، فنحن نقر ونؤكد أن الخلافات والصراعات السياسية ليست مزعجة، فهي أمر طبيعي ومتوقع، وفي الغالب تأتي بنتائج صحية إذا ما أحسن إدارتها، ولكن المزعج حد الغضب، النزول بهذه الصراعات حضيض الابتذال والانحطاط، إضافة إلى تغليب الخلاف والصراع حول كرسي السلطة على تفاصيل حياة المواطن من لقمة العيش والصحة والأمن والأمان.
لا مخرج من هذه الأزمة إلا بانخراط قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة والقوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية في حوار للخروج بإعلان مبادئ متوافق عليه، مستمد من أطروحات هذه القوى بما في ذلك أطروحات قوى الحرية والتغيير وكذلك ميثاق تأسيس سلطة الشعب والميثاق الثوري لسلطة الشعب المقدمين من لجان المقاومة، وأي مواثيق أخرى، ثم التوافق على وثيقة دستورية جديدة تحكم الفترة الانتقالية، جوهرها القطيعة التامة مع صيغة الشراكة التي كانت قائمة وأثبتت فشلها، وأن تكون السلطات السيادية والتنفيذية الإنتقالية كاملة في أيدي كفاءات مدنية بدون أي محاصصات حزبية أو جهوية، وكنا في مقالات سابقة قد تقدمنا بمقترحات تفصيلية في هذا الصدد.
أما الدعوة لهذا الحوار وتنظيمه والقيام بدور الوسيط والمسهل والميسر له، فليس هناك أفضل من الآلية الثلاثية، اليونيتامس والاتحاد الأفريقي والإيقاد، مدعومة سياسيا من دول الترويكا ومجموعة أصدقاء السودان.

كاتب سوداني

‫8 تعليقات

  1. يا شفيع لماذا لا تكتب لنا مقالا عن المساومه التاريخيه ؟؟ المساومه التاريخيه التي هي من بنات أفكارك..

    … اكتب لنا يا شفيع عن دورك في تطبيق المساومه التاريخيه في الفترة الانتقالية واستغلالك للوضيع، الرعديد حمدوك عبر حلفائك شلة المزرعه..

    … اكتب لنا يا شفيع عن صديقك الخائن العام تاج السر الحبر الذي ادي دوره كاملا في تطبيق المساومه التاريخيه عبر سياسة التلكؤ التسويف والمماطله وتعطيل مجري العداله في القصاص من الكيزان على كل جرم ارتكبوه في حق شعبنا..

    … يا شفيع في بداية انقلاب البرهان الكيزاني يوم 25 أكتوبر عجز لسانك عن وصف ما جري بالانقلاب وكنت دوما تكتب لنا أن ما جري في 25 أكتوبر ليس انقلابا بل اجراءات كما اسماها الانقلابي البرهان…

    …. يبدو أنك لم تنل اي مكافأة من العسكر،،، ادرت لهم ظهر المجن وتحولت من مساوم تاريخي مع الانقلابين الي شبه خصم لهم واصبحت تصف ماجري بالانقلاب!!! ماذا جري وما السبب في ذلك؟؟؟

    …. بلد ما ليها وجيع…

    1. ياهو واحد منهم جاك يا د. الشفيع
      ههههههههه
      الشغلانية ما خلافات بس يا دكتور، الحاجة دي فيها بلادة راسها عديييييل ومعاها ريالة سايلة….اي والله زي ما بقول ليك كده، بلادة فايتة الحد.
      الناس دي ما بتحس بالحاصل الا لما يلعلع السلاح في الخرطوم ويدخلو معسكرات اللجؤ زي ما حاصل في سوريا واليمن ……بعد داك ليتهم يفهموا
      شعب عجيييييب

      1. يا العوض اكتب ووضح موقفك والرأي الذي تتبناه في الوضع الذي تحن فيه بعد انقلاب البرهان،، وعن السبب في فشل حكومة حمدوك وعن دور الشفيع ومساومته التاريخيه التي لا ينكرها الا منافح، منافق..في تخبط حمدوك وحكومته.

        … دعك من التخويف بالحرب الاهليه، الحرب الاهليه التي هددنا بها البشير والطيب مصطفى والهندي عزالدين قبل سقوط الانقاذ وما زال يرددها على َمسامعنا مرتزقة دارفور ولجنة البشير الامنيه والجنجويد والكيزان حتى لا يثور احد ضدهم..

        … ما أسهل الإساءة واستعمال الالفاظ الشوارعيه مثل الرياله والبلاده،، والتي اترفع عن استعمالها…

  2. أن هناك قوى، داخل السودان وخارجه، يعمل بعضها بوعي وتخطيط، وبعضها بغير ذلك، على تهيئة الأجواء والظروف الملائمة لتحقق تلك السيناريوهات المدمرة.
    لماذا لا تشير بالواضح، ما هي تلك القوى الداخلية، هل هم ما يسمى بالحركات المسلحة، والضلع الآخر المكمل لهم، كبير جوقة المرتزقة والجونجويد والذين- في غفلة من الزمن – احتلوا الوطن بسطوة المال والسلاح؟ الخارج مقدور عليه، وليس مكان اهتمام كبير، بل مكمن الخطر هم عملاء الداخل، ويمكن تصنيفهم أبدجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..