عرض لكتاب: عَصْرُ البُطولة في سنّار

تأليف: جاي سبوُلدِنْق تعريب: أحمد المعتصم الشيخ
488 صفحة؛ 22.51 سم. مطبعة برنتك 2011م
التصميم: محمد الصادق، ومعاوية محمد وزهري باشا.
الناشر: هيئة الخرطوم للصحافة والنشر
الطبعة الثانية:2014م.
قال مؤلف الكتاب:(إن من الظواهر الصحية أن ينظر الإنسان إلى أسلافه بالتجلة والاحترام والتفهم، وإن كان خيّاره في الحياة ألا يقلد أفعالهم).
++++
مؤلف الكتاب: جاي سبولدنق الأمريكي الجنسية، قدم للسودان حيث أعد أطروحته للدكتوراه عن دولة الفونج بعنوان ” ملوك الظل والشمس”، وتعلم العربية ما مكنّه من الاطلاع على الوثائق بلغتها الأصلية، كذلك أعد ونشر عشرات الأوراق والبحوث عن تلك الفترة. ويعتبر مرجع ثبت وحجة في المعرفة بتاريخ وأحداث هذه الفترة من تاريخ السودان
***
معرّب الكتاب: دكتور أحمد المعتصم الشيخ، (1947- يناير2022م)، تخرج في جامعة الخرطوم 1971م، حاصل على دبلوم الدارسات الأفريقية وماجستير في الفولكلور، ودكتوراه من قسم الآثار في جامعة الخرطوم. دبلوماسي وأكاديمي بارز، ومهتم بدراسة التاريخ والفلكلور السوداني. يعتبر من المؤسسين للمدرسة الحديثة في تاريخ السودان. فقد كتب:
- مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج.
- أحاجي الرباطاب.
- المؤسسة الدينية: دورها ووظائفها في مجتمع الرباطاب.
- وترجم:” داؤود روبيني: من الزوار الأوائل لسنّار”. 2018م
- “الرحلات السودانية لثيودور كرمب (1700-1702م). 2018م.
++++
المحتويات (2صفحتان)
- مقدمة الناشر: (صفحتان).
جاء فيها “… لا شك أن كثيراً من المختصين بالدراسات التاريخية والمعنيين بتشكّل الهوية الوطنية، ونشوء الثقافة القومية وعموم القراء المتابعين، شعروا بنقصٍ حاد وإهمال مريب لهذا الجانب شديد الأهمية من جوانب المعرفة بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا. وهذا الكتاب بذل فيه صاحبه جهداً لا يقدره إلا من سبر غوره وتعمّق في قراءته وعلم مقدار الصعوبات التي تكتنف هذا الضرب من البحوث التي تنسج على غير مثال سابق، وتنهج في طريق غير مطروقة، مع تشتت المصادر وتعذر الوثائق والمستندات”.
- مقدمة المترجم: (صفحتان).
وقد جاء فيها: “أضع هذا الكتاب بين يدي القارئ، لأنه يمثل، فيما أرى، واحداً من أهم ما كُتب إلى الآن عن حقبة الفونج في السودان “سلطنة سنّار 1505م – 1821م” وتحديداً عن قرن التحولات الكبرى فيها (1650-1750)؛ وهي تغيّرات ألقت بظلالها على مجمل المجتمع السوداني؛ منذها وإلى الآن. وأسهب الكاتب في تبيان العوامل التي أدّت إلى حدوث تلكم التغيرات من وجهة نظره”.
“…. وقد حاولت جهدي أن تكون الترجمة أمينة. ومن جهة أخرى، بذلت جهداً في الرجوع إلى المصادر الوطنية التي رجع إليها الكاتب، وأثبتُّها كما جاءت في أصلها، سواءٌ أكانت مخطوطة أو وثيقة.
ويبقى القول بأن الآراء والأفكار التي وردت في الكتاب تخص المؤلف وحده، قد يختلف معها البعض أو يتفق، ولكن ذلك لا ينفي أن الكتاب من أميز ما كُتِبَ عن سلطنة سنّار بقلمً غربيّ”.
جاء الكتاب حافلاً بالمعلومات والإضاءات، وتدل الهوامش الكثيرة في نهاية الكتاب على كثافة المجهود الذي بُذِلَ في إعداده.
- شكر وعرفان: (صفحة واحدة):
شكر فيها الكاتب وعبر عن بالغ امتنانه لمن من مهدوا له الطريق للمصادر والوثائق ورفدوه بحسن التوجيه وطيّب النيات.
“ويبقى القول بأن الآراء التي عًرضت في هذا الكتاب هي مسؤولية المؤلف وحده”.
- مقدمة المؤلف (15-23):
“…. يهدف هذا الكتاب عن الجاهلية في السودان (1750-1850)، وخصوصا عن عصر البطولة في سنّار، إلى تحليل ووصف الآلية التي أدت إلى القعود بالنظام القديم لملوك الفونج وكيفية القضاء عليه، ومن ثم إبراز القوى والمؤسسات التي تم على أيديها ذلك. كتب الكتاب من منطلق التعاطف مع سنّار، ولهذا فهو يحوي أحكاماً سلبية بشأن بعض المؤسسات والمعتقدات التي قد تكون أقرب إلى قلب القارئ الحديث. وأحياناً يُظهر الكتاب تفضيلاً لبعض مظاهر الحياة في السودان القديم، والتي قد تبدو غريبةً وغير مستساغة بمعايير اليوم. إن ما يهدف إليه هذا المنحى المتعاطف ليس من قبيل الإدانة، بل لتوضيح الرؤية فيما يتعلق بحقبة مهمة في تاريخ السودان، برغم وقوعها في الإهمال. إن من الظواهر الصحية أن ينظر الإنسان إلى أسلافه بالتجلّة والاحترام والتفهُّم، وإن كان خياره في الحياة ألا يقلد أفعالهم.
يروي هذا الكتاب قصة تآكل وانهيار واحدٍ من أشكال التنظيم الاجتماعي، ومن ثم قَلْبِه من جهة نظام اجتماعي آخر. فالجزء الأول من هذا الكتاب يقدم تعليلاً وتفسيراً لبعض المظاهر المهمة في المجتمع والحكومة في سنّار، بافتراض ما كانت عليه الحال في المدة من 1650 إلى 1750م بالتقريب. وتعتمد هذ الدراسة على فرضية استمرار المؤسسات. ولم يكن سلوك السكان في سنّار عشوائياً، ولكنه منظم وفقاً لأهداف، وكان يتبع أساليب متكررة سمتها هذه الدراسة “مؤسسات”. وفي القسم الأول وجه التركيز إلى هذه المؤسسات على أس أنها مؤسسات أقامها السكان بأنفسهم.
نتج النظام المؤسسي الدقيق للمجتمع السنّاري عن تراكم إرث تاريخي من واحدة من أقدم المجتمعات الثقافية في العالم، ولكل واحدة من المؤسسات في سنّار منطقها الخاص للوجود. ووُضع منطق بعض المؤسسات القابضة المهمة في إطار أسطورة، أو رواية تاريخية رسمية، أو طقس يجب اتباعه، أو تعابير تدل على الموافقة والخضوع يجب تردادها في مناسبات معينة. وحُفِظت بعض هذه الحكايات، والأفعال، والتعابير في المصادر المكتوبة، وليس من الغريب أنها تجمع بصمات من لغات متنوعة، وأديان مختلفة وموروثات من حقب تاريخية سابقة، وأنه من الخطأ إبراز واحد من هذه العوامل في النظام الأيديولوجي لإبعاد العوامل الأخرى، لأن أي واحد منها كُرِّر واحتُفظ به حتى القرن الثامن عشر أو بعده، بحسبانها تقدم تفسيراً وتبريراً لبعض ممارسات مجتمع سنّار في ذلك الوقت. وإذا أخذنا بذلك فإن حقبة سنّار كانت تمثل في الأساس نهضة نوبية جديدة.
ولاحظ أحد زائري بلاط سنّار في نهاية القرن السابع عشر أن السلطان يوصف” بأنه مسلم، ولكن ليس لديه قوانين وشرائع المسلمين”. وفي أثناء عصر البطولة اللاحقة بدأ النوبة المسلمون في سنّار إعادة هيكلة كثير من مظاهر مجتمعهم القديم لتتوافق مع قوانين وأعراف العالم الاسلامي. ومن جهة نظر مراقب لمّاح في نهاية الحقبة، 1835، كان هذا خطأً قاتلاً. إذ “أنهم صاروا يطبقون مبادئ العرب في مجالسهم، وأعطوا المستعربين جزءاً من سلطتهم”، وكان هذا الإفراط في الثقة الذي مُنح للغرباء هو السبب الأساسي في تدهور وفشل أمراء الفونج في تحقيق الاستمرار والاستقرار”.
ويبحث الجزء الثاني من هذا الكتاب في مبادئ العرب هذه، التي يمكن النظر إليها كتركيبة من التجديدات المؤسسية التي صُممت لتستوعب الطبقة الوسطى الجديدة في سنّار.
ومنذ وقت مبكر من العام 1718م أُزيحت الأسرة الفونجية القديمة القائمة على أساس النظام الأمومي، ولكن الانقلاب الحاسم تم في العام 1762م حيث أمسك أمراء الحرب بمقاليد السلطة، وعُرفوا منذ ذلك الوقت باسم “الهمج”، وقد روّضوا السلاطين، وفرضوا واحداً منهم شيخاً أو وزيراً وصيّاً على السلطنة، ” عُرِف زعيم الهمج بعد انقلاب 1762م بألقاب متعددة وقديمة منها الشيخ، والوزير، و{أمين جيش السلطان}.
وفي العام 1820-1821م غزت القوات التركية سنّار، وأطفأت آخر مظاهر استقلالها السياسي.
الجزء الأول: ملوك النوبة المسلمين (الصفحات 25 -131).
تضمن: مقدمة، والبلاط (مجلس السلطان)، والفونج، والنبلاء، والبيروقراط، والرعايا، والتبادل الاقتصادي، وملوك الشمس والظل.
المقدمة:
استهلت بخريطة ” حدود مملكة سنّار في عام 1700م”، وكان سلطان سنّار في العام 1700 هو بادي الثالث، وكان مقتدراً، بلغت حدود السلطنة في عهده أقصى اتساعها، وغدت سنّار عاصمة مزدهرة أقرب إلى أن تكون أكبر مدينة تجارية في كل إفريقيا. حيث بلغت النهضة النّوبيّة في وادي النيل أوجها في القرن الواقع بين 1650 –و1750م، وحكم سلاطين النوبة المسلمون قلب بلاد النوبة التي عرفتها العصور الوسطى “من دنقلا إلى حدود إثيوبيا، ومن البحر الأحمر إلى كردفان، وفرضوا الجزية على الأراضي الجنوبية؛ مثل تقلي وفازوغلي وبلاد الشلك.
في محيط الشؤون الداخلية، كان أفراد المجموعات المختلفة لشعوب سنّار يترجمون علاقاتهم بالسلطان بطرق مختلفة تعتمد في أساسها على تقاليدهم؛ أيّ خلفيتهم التاريخية والثقافية. وكان السلاطين يتفاعلون بقبولهم واستغلالهم الحقوق التي تتيحها لهم أيديولوجية وتقاليد هذه المجتمعات.
اتسمت سياسة السلطنة بالتسامح الديني، والاعتراف بحقائق التنوع الثقافي لرعايا الدولة، والتي كانت تخالف الكثير من قيم التعاليم الإسلامية الرسمية ومن وجهة نظر موضوعية، وإن بقيت ممارستها ممكنة ما دامت التعليم الإسلامية لا تشكل واقعا داخليا في هذه المجتمعات.
البلاط (مجلس السلطان):
البلاط في سنّار، من الناحية الرسمية، هو تجمع لعدد محدود من الشخصيات ذات النفود، يساعدون السلطان في تدبير أمور الدولة. كانت هنالك شخصيات لها صفة رسمية {المراتب الثلاث الأولى وهي الأمين والجندي وخال السلطان} يشغلها أعضاء من الأسرة المالكة، بينما كانت الفئة الثانية وراثية ويمثلها حكام الأقاليم من النبلاء ولا يتجاوز عددهم الثمانية بأي حال (وهي أقاليم: قري، وأتبرا، والتاكا، وبيلة، وأليس، والقرابين، والبحر، وكردفان). هذه الهيئة تمارس وظيفتين من أهم وظائف البلاط المعروفة، وهما إجراءات عزل السلطان وانتخاب خلفه. والممارسات الدستورية للفونج تحمل في طياتها أن السلطان يجب خلعه وإعدامه إذا قرر الموظفون الكبار أنه ليس من مصلحة الدولة أن يستمر في الحكم لمدة أطول.
وكانت طقوس البلاط مطولة، وتنطوي على دراما جيدة التنظيم، وأنها لم تكن تعكس الأعمال الرسمية للدولة فحسب ولكنها كانت أيضا ذات صبغة احتفالية تعيد حق الدولة في الوجود، وحق أولئك الحاضرين بما فيهم السلطان في أن يتمتعوا بمواقعهم الموكلة إليهم في هذا الإطار. واستتبع هذا بناء القصر عندما استقرت عاصمة الدولة في سنّار ليفي بمتطلبات مراسم الدولة، وفي عصر البطولة انهارت المباني الطينية بسبب الإهمال وعوامل الطبيعية والعنف الإنساني.
“بنى السلطان قصر الحكومة من خمسة طوابق، وأنشأ مباني أخرى لوضع مهمات الحكومة، مثل السلاح وما شابهه، وبنى أيضا بيوتا للحريم، وديوانا لمجلس الحكم. وكان له ديوانان آخران، أحدهما خارج الحصن؛ والآخر داخل سور الحصن. وأقام حائطاً يحوي الجميع، وجعل فيه تسعة أبواب، وخصّص لأيّ شيخ عظيم في مملكته باباً يدخل منه إلى السلطان ويخرج منه، وجعل لكل واحد من عظماء الدولة ديواناً مخصوصاً يجلس فيه لقضاء حوائجه وأعماله، وإذا أراد هذا الشخص الدخول إلى ديوان السلطان فهو يدخل وحده غير مصحوب بأتباعه. أما الباب التاسع فلا يدخل أو يخرج منه أحد إلا السلطان ذاته، وولد عجيب شيخ قرِّي حاكم الإقليم الشمالي المهمّ. وتفتح كل هذه الأبواب في حائط واحد على خط مستقيم، وأمام هذه الأبواب صالة لها عمودان متشابهان وتحتها دكَّة عالية تُعرف ب “دكَّة مَن ناداك”.
ووصفوا ميداناً واسعاً أمام القصر السلطاني يسمى الفاشر تقام فيه الاحتفالات الرسمية للدولة ويقام فيه السوق أيضا، (الفاشر).
وكانت احتفالات البلاط تجري على قواعد بروتوكولية محددة يجب اتباعها في حضرة السلطان، بدء من استدعاء الشخص لمقابلة السلطان والهيئة التي يدخل بها على السلطان وهيئات الجلوس في حضرته
وفي الحالات العادية كانت المخاطبة بين السلطان والحاضرين في مجلس السلطان تتم عن طريق وسيط يسمى “سيد الكلام”، ويظهر وضعه الخاص عن طريق حقه في الجلوس على مقعد منخفض تحت كرسي العرش. وكان هذا “اللغوي” يعرف باللقب الفونجي ” مانامالسنا” وقيل إنها تعني “سيد الكلام” باللغة العربية. ويجب الحصول على الحق في مخاطبة البلاط من السلطان الذي يحمل عصا صغيرة* يعطيها إلى من يريد أن يمنحه حق الكلام في المجلس، ويستعيدها السلطان مرة أخرى عندما يريد إقرار الصمت.
(ولعل ذلك إشارة للحدّاسة وهي عصا صغيرة وكأن المتحدث يستعين بها في الحديث. قال الشاعر:
ودَّرْنا العمر سوّينا كلو كواسة
ضيعنا الطبيق وقعدنا بالحدّاسة. (قاموس اللهجة العامية ص 236).
وإذا تكلم السلطان بطريقة رسمية من فوق كرسي العرش، فإن كلماته تكتسب قوة القانون، ولذلك كان كلام السلطان المباشر، وهو جالس على العرش، يقتصر على شؤون العدالة، وإصدار الأحكام، أو إجراء مراسيم إعادة تأكيد الوضعية لأصحاب المناصب.
الفُونْج:
هي مجموعة نبلاء الفونج الوراثية التي تشكل من بين المجموعات العديدة عضوية البلاط.
كان الإطار الواسع للوضع الثقافي والتاريخي ينحو إلى ممارسة النظام الأمومي، وهو عبارة عن شكل من أشكال المجتمع تكون فيه السلطة للإناث ولا سيما الأم، حيث تحتكر الأدوار المركزية القيادية والسياسية والسلطة الأخلاقية، سواء في الفضاء الأسري أو الاجتماعي أو السياسي. فالأبناء فيه يُنسبون إلى الأمّ، وينحصر حقّ الإرث في فرع الأمّ في سلسلة النسب. ولهذا نجد أن معظم – إن لم يكن كل- السلاطين ينتسبون لفرع الأونساب. وهم يقولون إنهم نتاج زواج “حبوبتهم” في زمن ماضٍ من حكيم غريب، ولذا عندما ينصبون سلطانا جديداُ، يجعلونه يتزوج من نسل تلك المرأة، ويسمونها ” بت عين الشمس”، وبقيت هذه العادة فيهم حتى انتهاء ملكهم، وهذا الزواج جزء اساس من مراسم احتفالات التنصيب، ويقضي العروسان الأربعين يوما الأولى في خلوة من المؤمل أن تنتج عنها ولادة ذكر يكون ولياً للعهد في أوائل حكم السلطان الجديد. وعندما تنجب الملكة ولداً فإنها تُحرم من معاشرة زوجها بعد ذلك وتُخرج من القصر وتعطى مورد رزق في العاصمة أو في أي مكان آخر في السلطنة، ويجب عليها ترك الأمير الطفل في القصر فليس هناك أمير له أخ شقيق. يفصل أبناء السلطان الذكور إذن عن أمهاتهم، ويترعرعون في القصر في عزلة صارمة. وعندم يتوفى السلطان فإن واحداً فقط من أبنائه يُختار خلفا له، ويجب حينئذ إعدام الابناء الآخرين والغرض من ذلك تجنب حدوث منازعات في السلطنة حفظا للسلام والاستقرار. ولكن الأخوات الشقيقات وغير الشقيقات فإن وضعن كان أفضل حيث كن يزوجن لحكام الأقاليم التابعة للسلطنة وبذلك فإن نظام الفونج للزواج يجعل من أي حاكم إقليم صهراً للسلطان، وبذلك تكون العلاقات السياسية المهمة في الطبقة العليا للحكام هي علاقات رحم أسرية. وبنظام إعدام الإخوة عند اختيار أحدهم للعرش فإن الأبن الذي يخلف أبيه لا يكون له أعمام على قيد الحياة. وهذا الوضع أعطي لخال السلطان وضعا في البلاط حيث كان يمثله “وكيل حوش خال السلطان”، وإبعاد خال السلطان من البلاط استدعه التقاليد والأعراف الاجتماعية التي تتطلب من السلطان إبداء مظاهر الاحترام للخال، مثل عدم الجلوس في حضرته، والتي تجعل من الصعوبة ممارسة السلطان سلطته وهيبته، ولهذا كان الوكيل هو حضور للخال في شخص ممثله، أي أن صوته موجود في البلاط. يرتبط بوضع الخال في البلاط موظف آخر يلقب “سيد القوم” أو “سيد قوم الشمس”، ويقع على عاتقه قتل السلطان حين يخلعه مجلس السلطان، ويري المؤلف أن سلطته الدستورية مستمدة من واقع رباط الدم مع السلطان؛ فقد كان “سيد القوم” دائما من الفونج، ويجب أن يكون من أسرة السلطان. وعند انتخاب السلطان الجديد تظهر أمه المنسية، والتي كانت تعيش في الظل منذ ولادته لتصبح الملكة الأم.
النُبلاء:
شكلت الأرض في سنّار عصب الثروة، والسلطان هو المهيمن الأول على الأرض، وعلى أساسها نظمت طبقة نبلاء الفونج هياكل المؤسسات اللازمة لممارسة السلطة. ويأتي الرعايا في أسفل سلم “تسلسل” النبلاء وهرم امتلاك الأرض. ويشكل الفونج مجموعة متحدة من خلال نظام العلاقات العائلية، ويكمن جذر العلاقة بين حاكم الإقليم والعاصمة في حقيقة أنه وُلِدَ ورُبِيَّ في العاصمة، وتلقى جميع عاداته وقِيّمه ولغته الأم من خلال تثقيفه في الصبا وسط “أخواله” وأهل أمه.
البيروقراط
“النظم الإدارية”: إن السلطان، والذي تنتقل سلطته بالوراثة، هو رأس الدولة، وصاحب السلطات المباشرة بلا منازع على سلطته. وتصنف المؤسسات التي يمارس السلطان من خلالها سلطته في قسمين:
- السلطات المفوضة لطبقة النبلاء في الأقاليم حيث أن أغلب الإجراءات الرسمية التي يقوم بها النبلاء تجري باسم السلطان، وأبرز تفويض للسلطة هو تنفيذ إجراءات العدالة وهي واحدة من المهام التقليدية لسلطان الفونج، ويرمز في كل إقليم للسلطة القضائية للسلطان الغائب بكرسي يكون شاغرا في القاعة، والسلطان وحده هو من يصدر حكما بالموت، وهو وحده من يقضي في الجرائم الكبيرة التي عقوبتها الإعدام.
العُكْاز: (أو حامل العصا السلطانية)، في أحيان كثيرة يفضل السلطان أن يفوض سلطاته القضائية (لغير القضايا التي يكون الحكم فيها بالإعدام) إلى قاض خاص يسمى “العكاز” وتكون سلطته القضائية محددة في قضايا بعينها، ويختار “العكاز” لحكمته ولما يمتع به من قبول لدى الأطراف المتنازعة، وبعد أن يفرغ من إتمام التسوية يربط المتنازعين بقسم على عصا السلطان.
(تعليق ولعل” العكاز: الأشهر هو (الشيخ لاحقا) بان نقا الضرير الذي كان من ضمن الأبكار الخمسة الذين سلكوا بعد ذلك طريق القوم على يد الشيخ تاج الدين البهاري عند زيارته لدولة سنّار، وهجر العاصمة ولزم شيخه لحين سفره عائدا للحجاز، ومن ثم أسس مسيده، وهو جد أسرة اليعقوباب الصوفية المشهورة-عمر)
- ثم السلطات المفوضة للبيروقراطية القومية وللجيش. ويتبع للسلطان عمال وزراء وعمال تقع عليهم مسؤولية إدارة الأراضي، وتلقي العوائد، وتخزين البضائع، وحفظ الحسابات وتلبية حاجات قادة الجيوش وإدارة الشرطة الداخلية. وهم:
- مقدم القُوَاريّة: والذي يقوم بحفظ سجلات الدخل والمنصرف، وحجم الضرائب المطلوبة من القرى، وديون الدولة. وفي عهدته مخازن المنسوجات والثياب والحبوب والبضائع العينية إضافة إلى الخزينة ويقوم بالدفعيات، ويمكن اعتباره وزير الخزينة. وللخزينة مندوب في الأقاليم المختلفة ولا سلطان لحاكم الإقليم عليه إذ انه يتبع مقدم القوارية في المركز.
يعمل الجيش تحت إمرة السلطان وتخدم النشاطات العسكرية هدفين (1) الدفاع عن مصالح الأمة ضد التدخل الخارجي، (2) والحفاظ على التوازن الداخلي. ويضم جيش السلطان المشاة وسلاح الفرسان.
- مقدم القواويد: هو ممثل قيادة وحدات المشاة في البلاط.
- مقدم الخيل: هو ممثل قيادة وحدات سلاح الفرسان في البلاط.
- مقدم بيت العدة: هو المسؤول عن مخزن سلاح السلطان، حيث تحفظ الأسلحة والدروع والإمدادات في وقت السلم.
وجميع هؤلاء المقاديم تظهر أسماؤهم في الحجج السلطانية كشهود عند تحريرها.
الرعايا:
شكلت طبقتا الرعايا والنبلاء على التوالي الطبقة المنتجة والطبقة الحاكمة، داخل المجتمع الطبقي في سنّار. وتحكم هذا قواعد القانون العرفي. وتنظم هذه القواعد العلاقة بين النبيل وأفراد رعيته وما عليهم تأديته له والالتزامات الإقطاعية من الرعايا للإقطاعي والتي تعد ثانوية قياسا بالضرائب العامة لخزينة الدولة، إضافة لوجود بروتكول ينظم حتى الملبس وطريقة الجلوس في حضرته وغيرها. وتقدر الضرائب وتجمع وتوزع اعتمادا على النمط السائد للحياة، في الشمال حيث تسود الزراعة المروية وفي الوسط حيث الزراعة المطرية التي يغلب عليها الرعي، والجنوب حيث يسود البحث عن الذهب والبضائع غير الزراعية. وكانت الحكومة تتوسط وتتدخل بين الإقطاعي والرعية بطرق عديدة تقررها المصلحة العليا للدولة.
التبادل الاقتصادي:
يمكن تميز ثلاث أنواع من نشاطات التبادل الاقتصادي:
- يمثل التبادل المحلي النوع الأول حيث يقتصر على المبادلات بين أفرد مجموعة واحدة ولا يحتاج إلى نوع من العملة، ونسبة لعدديتها الكبيرة وتعقيداتها فهي صعبة التنظيم إلا أن الحكومة أخذت المسؤولية في تنظيم المهور وكانت تستخدم لفرضها موظفا يعرف ب “مقدم المهر” والذي كانت له في بعض الأحيان وضعية في بلاط السلطان، وكان هذا التنظيم يمارسه حكام الأقاليم والمناطق. وقد نال عبد الله ود عجيب “مانجل قري” سمعته من سياسته حول دفع المهور وخفضها ووصف بأنه ” كان حاكما عادلا، وشديد الاتباع للقرآن وملاحظا له. وأثناء حكمه أصدر أوامره بأن تدفع مهور قليلة عند تزويج النساء، وكانت النتيجة زيادة في عدد الزيجات ومن ثم المواليد”.
- أما النوع الثاني من نشاطات التبادل التجاري فهو إقليمي وفي بعض الأحيان قومي ويتم في الأسواق حيث يتم تبادل السلع.
- والنوع الثالث للتبادل التجاري فهو الذي يتم في سوق السلطان “البندر القومي” حيث يتم تبادل البضائع السودانية مقابل السلع الأجنبية المستوردة.
ملوك الشمس والظل:
يتناول مجموعة المفاهيم [الأيدولوجيا] التي تحدد شروط المسار والوجهة التي يعبر من خلالها عن الحقائق الاجتماعية، وتفسر نظم المجتمع على هذا النحو. وكانت سنّار دولة مجتمع متنوع الأعراق، يضم عددا من الثقافات الإقليمية الفرعية احتوتها دوائر مؤسسية اختبرت عبر الزمان فاستقر المجتمع. وتتضمن هذه الأيدولوجيا بالإضافة للحقائق المادية أساطير النشأة الأولى والحكايات الشعبية وشيئا من المعتقدات الدينية. كانت بعض عناصر أيدولوجيا سنّار إسلامية، وبعضها الأخر وافد من مصادر أخرى، وقد أبقى عليها الفونج بشقيّها، الإسلامي وغير الإسلامي لأنها أسهمت في المحافظة على الدولة مما أعطاها التماسك اللازم.
كان سلطان الفونج يحتل المركز من الاشكال الأيدولوجية وهي تتحد في شخصه. والإشارة لهذه الثنائية في وظيفة السلطان، أفصح عنها ثقافيا في سنّار اللقب المنسوب إلى السلطان الأول، عمارة الأول، الذي كان مواطنوه يتذكرونه، بعد ثلاثة قرون، على أنه ملك الشمس والظل؛ وقد ترجم على أنه يعني ملك الليل والنهار، والشمال والجنوب، والبيض والسود، والفونج والعوام والأشياء الظاهرة والباطنة، والخاص والعام، والإسلامية وغير الإسلامية. واختارت سنّار أن تقدم نفسها للعالم الخارجي كدولة إسلامية، واعتبرت دولة الفونج أن كل رعاياها مسلمون، وفي ذات الوقت كانت تسود فيها الممارسات والاعتقادات التي لا تتماشى مع الإسلام الصحيح، على أن كلاً من العناصر الإسلامية وغير الإسلامية شُكِّلَت في إطار متناسب أعان على توفير المبرر والحجة الشرعية لقيام واستمرار دولة الفونج.
الجزء الثاني: مفاهيم العرب (الصفحات 135-268).
تضمن: مقدمة، والمحميات، وأمراء الحرب، والهمج، والعائلة المتحدة، ووطاويط التخوم.
مقدمة:
كان لانفتاح سنّار في القرن الواقع بين 1650 و1750م، أن تعرض المجتمع لثقافات البلدان المجاورة، ومع أنه كان قبلها قد تعايش مع الثقافات المشابهة لدولتي أثيوبيا ودارفور؛ إلا أن المسافر المتجه شمالا نحو مصر أو شرقا نحو سواحل البحر الأحمر والحجاز وجد نفسه في عالم مختلف مما حفز فيهم الرغبة في مغادرة بلادهم، والرغبة في التجارة واكتساب العلم وأداء مناسك الحج. وليس من قبيل التخيُّل أن نعتقد أن المسافر النوبي قد وجد الكثير من الملهمات القيّمة في الخارج، وإلا فكيف نفسر الظواهر التي لوحظت في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر مثل أولئك التجار من دنقلا الذين كانوا يتحدثون الإيطالية، والتركية والعربية، ورجل الدين الكبير الذي كان موضعاً للإثارة عند عودته من الحرمين الشريفين وهو يلبس آخر صيحات العباءات الفاخرة، أو زميله الذي اتخذ من مكة موضعاً لإعلان مهديته، وشن حملةً دعائيةً نشطةً على السلطان بادي الثالث. وكانت والوسيلة ذات التأثير لنقل مثل هذه الرؤية الشاملة هي كتب الفقه الإسلامي، والتي كان الطلبة في الخارج يعكفون على نسخها أثناء دراستهم، والتي استوردها مثقّفو سنّار بجهود كبيرة وتكاليف عالية، إلا أن المفاهيم التي تضمنتها هذه الكتب القانونية لم تكن متوافقة مع النظام الاجتماعي في سنّار: (1) ما شكل تحديا جذريا للنظام القديم، (2) كما جلبت معها التعامل بالعملة النقدية، وانتشر ذلك وهو ما ربط المجتمع باقتصاديات الخارج ووسع دائرة المتعاملين بهذه العملات مع ما يمثله ذلك من ثقلٍ ووزنٍ اجتماعي، مما أحدث التغيير.
المحميّات: (المجتمعات البرجوازية)
يرى المؤرخ أن بروز المؤسسات البرجوازية أضحى واضحاً خلال عصر البطولة في سنّار، إذ شرعت مجموعات من البشر المتقاربين في المفاهيم في تشكيل مجتمعات قائمة على هذه المفاهيم، وتشير الأدلة بشأن هذه المجتمعات البرجوازية إلى وجود نمطين متمايزين بوجه ما؛
- النمط الأول أشارت إليه كتابات الرحالة وهي تتجلى في انتشار المدن، ويمكن تمييز المدينة الحقيقية عن العاصمة الإدارية لأحد النبلاء من خلال وجود سكان دائمين، يمثلهم التجار كأبرز مثال، والذين لا يشكلون أفراداً في مجتمع البلاط. ومن هذا المنظور لم يكن هناك سوى مدينتين في سلطنة الفونج في عام 1700م، هما أربجي وسنّار، وبذات المعيار تضاعف العدد عند الغزو التركي إلى ما يفوق العشرين مدينة.
- ويتألف النط الثاني من المجّمعات الدينية الذاتية الحكم والمتزايدة العدد. نشأت بعض هذه المجتمعات حول الخلاوي المنعزلة لرجال الدين من العهود السابقة، وبقي أغلبها صغيرا نسبيا، ويسود فيها طابع المجتمع الزراعي. ومن الأدلة المتاحة يمكن الاهتداء إلى الكيفية التي حول بها قادة عصر البطولة مجتمعاتهم لتتوافق مع المبادئ البرجوازية الجديدة. ونتيجة لذلك غدت المجتمعات الأكثر نجاحا في هذه الصدد نشطة في مجال التجارة، وقاربت أو بلغت حجم وثروة، وشخصية المدن الحقيقية. وكانت المجتمعات الدينية أكثر عدداً من المدن.
وحيث كان سلطان الفونج يعد حامي الإسلام، منذ بداية تأسيس سنّار، فقد رحب الملوك بالشخصيات الدينية التي يمكن جذبها وأوقفوا عليهم أراض توزعت في كل أرجاء السلطنة. ويشير التراث إلى أن أراضي الوليّ كانت دائما معفاة من الضرائب، وكانت تمثل حرما آمنا يلجا إليه من يتعرضون للضغوط والمشكلات. وتحظى مثل هذه المجتمعات بحماية السلطان ” من خلال قرار ملكي يمنع أي موظف حكومي من أن يوجد في محيط عدة أميال من مكانها، أو أن يطلب منها تسليم مرتكب جريمة”. وبكلمات حاكم فونجي معاصر:” ليس لدينا مدخل على رفقاء رجل الدين”.
وكان السلاطين يجددون رعايتهم الخيرية بين حين وآخر. إن إنشاء مجتمعات لرجال الدين كان ذا أهمية سياسية لا تخفى، وأنها شهدت ما شهدت من تطورات عبر مراحل عديدة. وكان رجال الدين أبطالا شعبيين وسط العامة، والذين استفادوا من خدماتهم كمعالجين ومعلمين مثلما هم قادة روحيون. وكما ذكر أحد الرحال أنهم هم الذين “يوجهون الرأي العام”. لم تكن العلاقات بين رجال الدين وطبقة النبلاء مريحة، ويحوي التاريخ فواصل كثيرة من الحوادث الوحشية الرسمية ضد رجال الدين، والتي بالمثل بادلها هؤلاء باللعنات المرعبة والإنذارات بحلول الكوارث، وفي مجرى عصر البطولة أنجز رجال الدين بعض الانتصارات الأساسية على منافسيهم وعلى السلطات المحلية، ويمكن قياس المكانة المتزايدة لرجال الدين على منافسيهم وعلى السلطات المحلية من خلال مؤشرين؛ هما: (أ) زواج رجال الدين من أسر النبلاء، و (ب) فض النزاعات. وفي نهاية عصر البطولة جعل رجال الدين من الزواج من طبقة النبلاء المحليين وسيلة أساسية للوصول إلى السلطة، آملين أن يحلوا محل أصهارهم. وقصارى القول، واستنادا إلى بينة رد فعل الحكام من طبقة النبلاء تجاه زواج رجال الدين من بنات النبلاء، فإنهم بدءا رأوا في هذ التطلع أمرا مثيرا للسخرية، ثم لاحقا رأوا فيه مصدر نفوذ يمكن استئناسه وتدجينه، ثم قوة يجب التحالف معها، وأخيرا كتهديد ينال من النبلاء أنفسهم.
ونلحظ المؤشر الثاني للمكانة المتعاظمة لرجال الدين في مقابل طبقة النبلاء في الدور المتغير الذي غدا يلعبه كل منهما في حل منازعات الآخر. وبكلمات المصطلح الرسمي القديم؛ احتوى القانون العرفي لسنّار رجال الدين إذ خلق لهم فئة اجتماعية خاصة متوسطة قانونيا، فوضع (الفقرا) في مكانة أعلى قليلا من العامة. وفضلا عن هذه التنازلات العامة، والتي طبقت على سائر (الفقرا) طالب بعض رجال الدين في القرن الثامن عشر بامتيازات حكومية محددة وحصلوا عليها، وأصبح ذلك يعرف باسم {الجاه}، وغالبا ما كتبت الشروط في وثيقة رسمية، وبدراسة هذه الوثائق يمكن تحديد الحقوق المتزايدة والمكثفة والسلطات التي منحت ل(الفقرا) خلال عصر البطولة.
وفرت المجتمعات الدينية القديمة ملجأ لليائس والطريد، على أن (فقرا) عصر البطولة لم يكتفوا بقيادة هؤلاء الأتباع الذين انضموا إليهم طوعا، فطلبوا سلطات إدارية على الرعايا العاديين، وحصلوا عليها. وهكذا وبعض الإعفاء من الضرائب والحق في أن يكون له أتباع إلا إن هذا الامتياز تطلب وجود أرض مملوكة وقد منحهم السلاطين منحنا نهائية دائمة بموجب وثائق، وهو ما شكل عزلا دائما للأرض الممنوحة من النظام التقليدي للملكية في السلطنة وأصبحت ملكية خاصة كما تعرفها الشريعة الإسلامية. وأدى هذا لبروز سوق برجوازي للملكيات الخاصة من الأراضي. ثم تقدم رجال الدين لطلبات إلى الحكومة المركزية لتأذن لهم بالإشراف على أسواق، ونالوا ترخيصا بذلك.
وهكذا فإن الفقيه الذي منح أرضا، وأتباعا، وسلطة إدارية، وحقا في السفر، وفي تأسيس مجتمعات جديدة، وأن يقيم أسواقا، وأن يستخدم أو يشتري أتباعا، وأن يحصّل منهم الضرائب حتى نهاية الزمان بدلا عن الحكومة، كان حقا في وضع يسمح له بأن ينشئ محمّية مبنية على مفاهيم جديدة. وإلى ذلك فقد استخلص (الفقرا) خلال السنوات الأخيرة من عصر البطولة تنازلين إضافيين من الحكومة. ومع تقدم عصر البطولة أضطر السلاطين إلى التنازل عن احتكار منح صكوك الهبات إلى رجال البلاط وتسلسل الأمر حتى وصل إلى صغار الأرابيب، وبازدياد عدد السلطات المانحة تضاعفت الخطوات التي عزلت بموجبها الأراضي من نظام الملكية الحكومية، تضاعف عدد الرعايا الذين انشقوا عن الحكومة المركزية إلحاقا للفقرا بمتوالية هندسية. وتحيط حقائق اجتماعية في هذه المجتمعات الدينية تنسب للزعيم الروحي الحاكم قدرة (البركة)على عمل المعجزات، فهو الذي يأتي بالمطر ويعالج المرضى وتنتقل هذه القوة (البركة) عند موته إلى خليفته. واستثمرت الأسر المتزعمة لكثير من المجتمعات الدينية بعضا من ثرواتها في التجارة، وحثّوا أتباعهم أن يكونوا تجارا، وغدت مهنة التجارة أشد جاذبية عند تقدم القرن الثامن عشر، وكانت الأرباح تأتي بصورة خاصة من الفرع الذي كان يحتكره السلطان وهو تصدير الذهب والرقيق إلى العالم الخارجي. وفر زعماء هذه المجتمعات الدينية الحماية لأشخاص وبضائع التجارة العابرة بحزم ودقة. وبدأ نمو الرأسمالية التجارية في المجتمعات الدينية في القرن الثامن عشر أشد وضوحا في نشوء تجارة فردية في الرقيق.
وكونت المدن العشرون والتي ظهرت في سنّار القرن الثامن عشر نمطا ثانيا من المحميات الاقتصادية والاجتماعية الدخيلة على الجسد السياسي للفونج، وقد شارك سكان المدن سكان المجتمعات الدينية في الانتماء إلى اقتصاد السوق واتباع الشريعة الإسلامية. وفي أغلب الأحوال كانت المحميات الحضرية أكبر وأحيانا أكبر بكثير من المجتمعات الدينية، وكانت شروطها السياسية للوجود وأسلوبها الثقافي تختلف بعض الشيء. وأسهمت عمليتان تاريخيتان متمايزتان في نهوض مدن القرن الثامن عشر؛ (أ) العامل الأول رغبة نبلاء الأقاليم والمناطق في تحدي الامتيازات الاحتكارية للسلطان، آخذين لأنفسهم الثروة التي تتيحها التجارة العابرة للمسافات، (ب) والعامل الثاني رغبة الطبقة الوسطى السودانية حديثة التكوين في كسر كل العوائق التقليدية من أجل التعامل التجاري غير المحدود. وأدى الصدع المتسع بين حقائق الاقتصاد والسلطة السياسية الرسمية إلى نشوء المدن الاقتصادية المزدهرة، وتدهور الوزن الاقتصادي لسنّار عاصمة السلطان (البندر القومي) وأصبح واقعها في أحسن الأحوال الأول بين متساوين. أسهب المؤلف في وصف وتصوير تأثير إعادة التنظيم الاجتماعي للطبقة الجديدة وانعكاساتها في تغيير نمط الحياة من ملبس ومأكل وتوجه صوب التعليم وغيرها من تحولات اجتماعية مصاحبة.
أمراء الحرب:
خلقت إعادة التنظيم الاجتماعي هذه، [أ] تمركز جديد للثروة والسلطة لم تقررها التقاليد، تحت شروط للوجود لم تكن معروفة لدى النظام القديم، [ب] كما استحدثت في الاتجاه القانوني الإسلامي الرسمي أيديولوجيا متنافرة مع حقائق النظام الإقطاعي القديم. وبتقدم عصر البطولة، انتشرت خارج المحميات الثقافة الإسلامية البرجوازية المقابلة للنظام القديم، وبدأت في التأثير على مجمل مجرى السياسات الوطنية. انتشر هذا النفوذ عبر فئة من الزعماء الموهوبين، وهم في الغالب من حكام الأقاليم والمناطق، ومن التجار والفقرا في حالات أخرى وزعماء قبائل بدوية حينا، أدركوا جميعا إمكانات النظام وما يتيحه لهم من فرص لتركيز السلطة والثروة في إياديهم، فلم يتوانوا في استغلال الفرصة لخدمة مصالحهم الشخصية على حساب مصالح الحكومة المركزية. واقتضى برنامجهم الذي نفذوه على مراحل، القضاء على النظام القديم واعتمد النجاح في ذلك على القوة العسكرية في كل خطوة. لذا جاز لنا أن ننعت هؤلاء القادة الجدد ب “أمراء الحرب”. ولقد جمعهم الولاء للبرجوازية الإسلامية الرسمية، ولكنهم لم يجدوا في أيدولوجيتهم الجديدة كابحا يحد من تنافسهم الشخصي المتبادل، أو يعطي أيّ واحد منهم الأفضلية والمشروعية كي يكون مقدما على الآخرين، فحافظوا حتى النهاية على سلطان الفونج كرأس للنظام الذي لم يعد أحد يخدم تحت رايته. وخلال عصر البطولة تعاون أمراء الحرب مع التجار من الطبقة الوسطى الحديثة على تأسيس نظام جديد لتوزيع الحبوب الغذائية (وهي الذرة ركيزة الحياة لمواطني دولة سنّار) خرقوا به مبادئ النظام الإقطاعي القديم فضعف مركز المنتجين وانهالت ثروة غير مسبوقة على الصفوة. واتاح دخول الذرة في حركة السلع التجارية مجموعة أخرى من الفرص للتجار البرجوازيين، فضلا عن شراء الذرة المتحصلة من الضرائب من أمراء الحرب، إذ أصبح بإمكانهم التعامل مباشرة مع المنتجين وبين هاتين الطبقتين نشأت علاقة استغلالية (بين دائنٍ ومدين) سمحت بعملية الشّيْل (الشّيْل هو أن يستلف المزارع {المنتج} المحتاج مقدما مقدارا من الحبوب أو البذور تُقدّر قيمتها على أسعار أعلى بكثير من الأسعار المقدرة للحصاد القادم، وعلى المدين أن يسدد الدّين بإعادة كمية كافية من الذرة تساوي الدّين المقدر نقدا، وغالبا ما يكون خمسة أو ستة أضعاف الكمية التي استلفها). ويمكن رؤية الآثار الاجتماعية لنظام الشّيْل في أي مدينة من مدن القرن التاسع عشر. ولما جزئت قوة سنّار الاقتصادية في العديد من المراكز الحضرية، نشأت ضرورة لازمة لبناء مؤسسات جديدة للدفاع عن مصالح الطبقة الوسطى (فقد ذاقت كل من دنقلا العجوز، وبربر، وشندي، والحلفاية، وأربجي وأليس، وسنّار ذاتها نكبة السحق على الأقل مرة واحدة خلال القرن الثامن عشر). استثمر أمراء حرب عصر البطولة جزءاً كبيراً من ثروتهم الجديدة في الحصول على جنود من الرقيق ليحافظوا على هذه الثروة، وشهد عصر البطولة نموا واضحا في حجم القوات العسكرية فاق المطلوب، وقد ألقت كثرة الأعداد البحتة للجنود هذه بظلالها على السياسة الوطنية. وبينما توسع أمراء الحرب في التجارة البرجوازية في الحبوب والرقيق لتدعيم سيطرتهم على المناطق التي يحكمونها، سعوا للتحرر من مفاهيم النظام الأمومي القائمة على شبكة الزواج القسري، ومن نظام الأمراء الأسري ومن الزيارات الواجبة ومن طقوس الاحترام والتي حافظت بها أسرة الفونج النبيلة على انضباطها الداخلي وتماسكها، فقد أضحي النظام معرضا للهجوم على المستوى الإيديولوجي على أساس أنه نظام غير إسلامي وغدا النموذج الأبوي العربي بديلا جذابا لأمراء الحرب. وعلى المستوى السياسي أيضا كان نظام الفونج معرضا للهجوم؛ إذ تواطأ أمراء الحرب ووجهوا رغباتهم الاستعرابية المشتركة إلى الداخل، على شخص واحد هو السلطان، ولم يكن غرضهم أن يزيحوه، وإنما أن يعيدوه إلى الطريق الإسلامي القويم، والذي اتبعه أمراء الحرب أنفسهم.
واجه الفونج طيلة عصر البطولة حملة دعائية متواصلة وأحيانا قاسية ومسيئة، مثل “وثنيون من النيل الأبيض”، تشكك في حقهم في حكم أيّ من العرب، دعك من العباسيين والأشراف. وكان رد الفونج الناقمين على هذه الحملة، هو اكتشافهم حقيقة أنهم ليسوا عربا فحسب بل هم “أمويون” أيضا. وهكذا أقنع الفونج أنفسهم بأنهم أمويون، وقد تقبل نسابة القرن الثامن عشر هذ الحقيقة وبمرور الوقت اختفت الشكوك وفاز الفونج بالاعتراف بهم عربا وسط العرب الآخرين. ومهما كان التبني الفعلي لنظام التسلسل عن طريق الأب مميزا، فهو يعني بالضرورة اندثار طبقة النبلاء الفونج كتكوين تقليدي موروث.
في حوالي 1718م، أطاح انقلاب بأسرة الأونساب في سنّار، وحل المتمردون المنتصرون محل السلطان القائم، وفيما بدا للوهلة الأولى بديلا تقليديا للغاية؛ إذ خلفه خاله، سيد القوم (نُول). ولكن لاحقا أنشا نُول أسرة جديدة، فقد كان صعود نُول للعرش ثورة ملكية في سنّار لأنه اعتبر مظهرا للتعريب، فقد أسس نُول فرعا لأسرة أبوية من سلاطين سنّار، صمدت عبر تقلبات كثيرة حتى سقوط السلطنة. وبعد مدة حكم قصيرة خلف نُول ابنه بادي الرابع، ومثلت مدتا حكمهما مجتمعين من 1718 م إلى 1762م بداية لعصر البطولة، وكانا أول السلاطين من أمراء الحرب. وأظهر السلطان بادي تحديا لتقاليد النظام القديم في وراثة العرش فلم يعزل أبناءه في القصر، كما سعى إلى استقطاب المساندة من مجموعات خارج بنية السلطة التقليدية في سنّار فقد أجزل العطاء بهبات سخية للفقرا الذين يأملون في إنشاء مجمعات دينية، وكذلك اعتمد عسكريا على فرسان المسبعات، وبينما كان الفونج يعانون من هذا الإخضاع قدم بادي عرضا جريئا لاستقطاب مساندة عناصر أخرى في المجتمع بتخصيصه مواقع لهم لا في بلاط السلطان والذي وسعه وزاد عدد وظائفه من أقل من عشرين وظيفة عام 1744م إلى أكثر من ستين وظيفة في عام 1752م. واحتفظت شخصيات البلاط التقليدية بثلث المناصب، ومنح ثلث آخر للفقرا البارزين، وخصص ما بقي لممثلي الأرابيب (النبلاء الصغار). وكان الحلف بين بادي والأرابيب طبيعيا، وثوريا، فلكل منهما مصلحة شخصية في الإطاحة بنظام الفونج في وراثة العرش، وفي تفضيل الدستور العربي الجديد للوراثة عن طريق الأب، والذي قننه منظرو أشجار النسب من الفقرا، وبذلك شق بادي صف المراتب الأدنى من طبقة النبلاء القديمة، وحولهم إلى مدافعين ذوي ولاء للدستور العربي الجديد ولشرعية أسرة نُول الملكية.
وعندما طالت مدة حكم السلطان بادي الرابع، نجح النبلاء المضطهدون من الأونساب في تكوين ائتلاف قوي عليه، فاتجهوا أولا إلى نبلاء فازوغلي، والذين أطلق عليهم الفونج بشيء من العنجهية الأرستقراطية نعت “الهمج“، وهو ازدراء في غير محله، وتعوزه الفطنة السياسية، لأن حكام فازوغلي وبرغم تحولهم من المسيحية إلى الإسلام، كانوا فخورين بانحدارهم من علوة المسيحية، وكان الفونج في نظرهم محدثي نعمة مغتصبين للحكم، ولم تكن سنّار في نظرهم سوى مقاطعة تابعة إليهم تاريخيا.
وأخيرا التقت سائر العناصر المتضررة الأخرى من بين رجال القرن الثامن عشر الجدد حول دعوى الهمج. وعندما نضجت المؤامرة، برز الهمج الجدد مجموعة مؤلفة من عناصر شتى، هم أجيال جديدة من نبلاء علوة البائدة، وأمراء الحرب الجدد، والجنود العبيد، والتجار، والفقرا. وكان قائدهم محمد أبو الكيلك، نبيل شاب من فازوغلي، شق طريقه إلى قمة القيادة العسكرية في كردفان. وإلى أبو الكيلك وخلفائه تنتمي المرحلة الثانية من عصر البطولة في سنّار؛ عهد وصاية الهمج (1762 – 1821م).
الهمج
استلم الهمج السلطة في سنّار سنة 1762م ومنذ ذلك الوقت حكمت أسرة محمد أبو الكيلك وحتى غزو الأتراك، وقد أدخل الهمج سلسلة مثيرة من الإصلاحات المؤسسية. وكان أبو الكيلك وخلفاؤه أكثر من محض أمراء حرب؛ فقد حملوا رؤية شاملة وتقدمية لنظام اجتماعي جديد تهيمن عليه الطبقة الوسطى؛ وسعوا إلى إنشاء دستور جديد يستوعب الحقائق الاجتماعية التي برزت في ذلك الوقت، ومنها التقسيم الجغرافي للسلطنة إلى المناطق المتقدمة اقتصاديا، والاقطاعية التقليدية، بينما كانت هنالك مناطق أخرى لا تزال في مرحلة نشؤ الصراع بين الطبقات الوسطى والدنيا. وقد أكسبت سياسات الهمج المعتدلة وقتا إضافيا لسنّار، وإن لم تنجح في شفاء المجتمع من انقساماته والتي برزت إلى السطح بروزا صارخا مع مجيء الأتراك. وفي المناطق الشمالية والوسطى من سنّار كان اعتماد الهمج على رجال الدين الإسلامي أشد مظاهر حكمهم وضوحا، وفوض كل وزراء الهمج للإدارة المدنية الروتينية في سنّار، واحدا أو أكثر من الفقرا كوزراء شخصيين لهم، واستمروا في اتباع سياسة بادي بضم العدد من الفقرا البارزين إلى مجلس البلاط، كما أنشأوا هيئة قضائية وطنية واحدة، منظمة بتسلسل هرمي. وأصبح قاضي مدينة سنّار كبير قضاة الهيئة القضائية الوطنية ويعينه السلطان بوصفه رأس الدولة الشرفي. وكان في إمكان المتنازعين وأصحاب الدعاوى استئناف حكم فقيه محلي إلى المحاكم العليا، وختاما إلى قاضي القضاة ذاته. تمثلت قمة الإصلاحات الاقتصادية لوزراء الهمج في سك عملة وطنية. ومن العملات المعدنية المعروفة لوزراء الهمج الريال الفضي، الذي يحمل اسم الوزير إدريس. وقد حملت عملة الهمج النقدية أهمية كبيرة؛ ففي تقاليد قلب العالم الإسلامي كان الحق في سك النقود واحدا من صلاحيات السيادة الوطنية. وكان سك نقود ذات نوعية ممتازة وواسعة القبول علامة لملك عظيم.
العائلة المتحدة
في عام 1820-1821م استولت جيوش محمد علي باشا والي مصر على سلطنة سنّار، ثم امتد محيط الحكم التركي تدريجيا في السنوات الثلاث التالية ليشمل حدود السودان الحالية تقريبا. وتجلى السقوط الحقيقي لسلطنة سنّار في إعادة تشكيل المجتمع من قبل الحكومة الجديدة على مستوى الأقاليم والمحليات، والتي كانت النبضة الأخيرة لمؤسسات الفونج التقليدية، حيث قسمت الإدارة التركية الجديدة البلاد إلى محورين شمالي وجنوبي يفصلهما خط عرض للجنوب من سنّار. اعُتبر سكان الإقليم الشمالي مسلمين لا يجوز استرقاقهم، وكرست المنطقة الجنوبية للاستغلال بكافة أنماطه بما فيه تجارة الرقيق، وبذلك قضت الإدارة التركية الجديدة أن مصير المؤسسات الفونجية في الإقليمين لن يكون متطابقا.
برزت في الإقليم الشمالي ثلاثة مظاهر أثرت ـــ على نحو استثنائي ـــ في تحديد القواعد التي أوجبت على مواطني سنّار أن يبحثوا عن قدرهم الجديد، وتتلخص في:
- إنشاء المؤسسات التي تتبع أحكام الشريعة الإسلامية،
- (ب) إدخال نظام جديد للضرائب،
- (ج) تشجيع الاسترقاق وتجارة الرقيق.
واتفق الجميع على أن نظام الضرائب الاستعماري كان فاحشا في مطالبه، واستبداديا واعتباطيا في تقسيم العبء الضريبي، ووحشيا وفاسدا في طريقة تحصيل هذه الضرائب، لكن العلامة الجوهرية أن الضرائب كان تحصل نقدا وليس عينا. ومنذ ذلك الوقت بدا استيعاب الأرض ومنتجاتها في شبكة المؤسسات التجارية والتمويلية للحصول على النقود القابلة للدفع كضرائب. ولما كان الحصول على الرجال واحدا من أهداف محمد علي لغزو السودان، فقد نشط الاتراك بأنفسهم خلال العشرين سنة الأولى من حكمهم في غزو منطقة جنوب سنّار وما بعدها لجميع الرقيق، وشجعوا تجارة الرقيق بين المواطنين، وحثوا على الاحتفاظ بهم كقيمة عينية من خلال استعداهم لقبول الرقيق وتفضليهم أحيانا عوضا عن النقود في تسديد الضرائب. وأقحمت هذه الطريقة في الدفع عددا كبيرا من الأرقاء في اقتصاد الدولة.
وكان الشرط الأساس للنجاح في التأقلم مع متطلبات عصر الاستعمار هو التمتع بالمهارات والقيّم البرجوازية. وبالا?



