مقالات وآراء

السودان : الديمقراطية المستحيلة الديمقراطية الممكنة

طاهر عمر

المضحك أن نخبنا في السودان تتحدث عن الديمقراطية ولكن على طريقتها ونقول المضحك لأنهم إقتنعوا باستخدام كلمة ديمقراطية ويقصدون شقيها الاقتصادي والسياسي إلا أنهم يبغضون إضافة ليبرالية لها لأنها تجعلهم في مواجهة مع ثقافتهم الأبوية وهي تجعل من المثقف على إستعداد للخنوع والتبعية والموالاة للامام والمرشد والختم والاستاذ عند أتباع النسخة الشيوعية السودانية وهذا يختلف عن مفهوم الديمقراطية كثورة قد أصبحت بديلا للفكر الديني لأنها قد أصبحت بقعة ضؤ تكشف بوضوح مفهوم الدولة الحديثة وكذلك مفهوم السلطة.
تطور الفكر في المجتمعات الغربية الى لحظة راهنهم تشقه أفقيا فكرة القطيعة مع التراث منذ عهد الأغريق والرومان والمسيحية والحداثة وثم ما بعد الحداثة وثم بعد فشل أفكار ما بعد الحداثة وهجومها على أفكار الحداثة وبعدها قد عاد الفكر من جديد الى أفكار عقل الأنوار وأفكار الحداثة مع إستعداده لمواصلة مسيرة الانسانية وهي تراجيدية ومأساوية بلا قصد ولا معنى منفتحة على اللانهاية يسوقها التفكير النقدي والتفكير النقدي هو ما تبقى من عقلانية خلفتها مدارس الفكر في الغرب أي ذات النزعات الانسانية عبر مدارس كثيرة ولكن بعد زوال بريق الوجودية والبنوية قد أصبح التفكير النقدي إرث يدلل على عقلانية وأخقلاقية الفرد.
هناك نقطة مهمة وهي صعوبة بلورة فكرة معينة ولكي تصبح مقبولة في وسط النخب تحتاج في كثير من الأحيان لعقود من الزمن للتحقق من صحتها والتحقق من قابليتها لتحقيق توازن مؤقت على صعيدي الاجتماع والاقتصاد وسرعان ما تتجدد الإختلالات وتحتاج لديناميكية جديدة تضبط حالة الاختناقات الجديدة المتجددة في سلسلة لا نهاية.
أضرب على ذلك مثلا في زمن الكساد الاقتصادي العظيم 1929م كانت حيرة الفلاسفة والاقتصاديين والمؤرخيين وعلماء الاجتماع فيما حدث وقد أحتاج الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاديين لما يقارب الخمسة سنوات حتى تقدم جون ماينرد كينز بالنظرية العامة التي تشرح لنا ما حدث وما يجب أن يكون من فكر حيث أصبحت مسألة التدخل الحكومي من أجل خلق توازن اقتصادي بديلة لفكرة اليد الخفية لادم اسمث.
وهنا تظهر لدارسي تاريخ الفكر الاقتصادي والنظريات الاقتصادية أن كينز أستطاع أن يدمج كتابي ادم اسمث وهما ثروة الامم وكتابه السابق نظرية المشاعر الأخلاقية لكي يصل لفكرة التدخل الحكومي من أجل خلق نقطة توازن اقتصادي لكي تسود بعدها مفاهيم جديدة من أهمها مسألة خلق الطلب وبالتالي تصبح نظرية ساي الاقتصادية أي أن العرض يخلق الطلب قد أصبحت في مهب الرياح في زمن الكساد الاقتصادي العظيم.
إذا عكسنا تجربة الكساد العظيم وكيف أحتجنا لخمسة سنوات لتظهر النظرية العامة لكينز على واقعنا السوداني ها هي ثورة ديسمبر تدخل عامها الخامس والنخب من إنتكاسة لانتكاسة إبتداء من نكسة قبولهم بشراكة العسكر وتكالبهم على توزيع الوظائف مما يدل على أنهم ليس لهم تصور لمفهوم الدولة الحديثة ولا لمفهوم السلطة في ظاهرة المجتمع البشري بل كان كل همهم تقاسم ما تركته الانقاذ من ركام ظانيين أنه دولة.
ما أريد توضيحه أن النخب السودانية لم تتنبه أن الأحزاب السودانية بتراثها لا علاقة لها بالديمقراطية كثورة قد أصبحت بديل للفكر الديني لأن أحزابنا السودانية كلها أحزاب دينية بما فيها النسخة الشيوعية السودانية كدين بشري تتوهم في إمكانية تقديم حلول نهائية وتتوهم في مسألة نهاية التاريخ وإنتهاء الصراع الطبقي وهذا فكر غائي لاهوتي ديني لم يسود إلا لأن النخب السودانية ليس لها علاقة بتطور الفكر في العالم من حولنا مقارنة بالعالم العربي والاسلامي رغم تقليديته وبقية العالم.
مثلا نجد فالح عبد الجبار عالم الاجتماع العراقي في كتابه الديمقراطية الممكنة الديمقراطية المستحيلة يسير خلف تطور الفكر الذي ينعكس من محاولات مفكريين عراقيين وقبله نجد فكر عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في فكره الذي يقول فيه بشكل واضح أن حالة التركيبات الهشة للهياكل الاجتماعية في العالم العربي لا تساعدها إلا الديمقراطية الليبرالية لكي تعبر وتخرج من حيز المجتمعات التقليدية.
وهنا نكاد نقول أن النقطة التي أريد التحدث عنها قد وضحت وهي أن علي الوردي وفالح عبد الجبار كانا عندما يتحدثان عن التحول الديمقراطي يقصدان الفكر الليبرالي بالشقيه السياسي والاقتصادي كما هو سائد في الغرب عكس النخب السودانية يتحدثون عن ديمقراطية من بنات أفكارهم هم كسودانيين لهم قدرة فائقة على الترقيع والتوفيق الكاذب وخاصة نخبهم التي سيطرت على مواقع متقدمة في ساحاتهم الفكرية الفارغة من أي معنى لكنهم لهم قدرة على التأقلم على الكساد الفكري الذي إنعكس في عدم الإزدهار المادي والتطور الفكري فيما يتعلق بفلسفة الحكم وفن الإدارة العامة.
وتمر عقود ونفس الوجوه الكالحة لمفكريين سودانيين لم يقدموا أي فكر جديد كل فلاحهم عندما يقولون لك في ستينيات القرن المنصرم كان فلان شارب الشيوعية السودانية شراب وكان علان يفسر بأشعاره الديالكتيك . في وقت كان في جميع أنحاء العالم هناك تحول هائل في المفاهيم التي يقف المفكر السوداني كسد مانع من وصول أنوارها.
لهذا نجد أن هناك فرق كبير بين أحزاب الشيوعية في الغرب وقد أيقنت من فكرة نمط الانتاج الرأسمالي مقارنة بنسخة الشيوعية السودانية المتكلسة وهناك كثر من الفلاسفة والمؤرخون في فرنسا تركوا شيوعية سارتر أمثال موريس ميرلو بونتي وكلود لوفرت وإدغار موران وهنا كثر قد غلبهم القفز على حاجز شيوعية عبد الخالق محجوب المتكلسة مقارنة بشيوعية أحزاب الغرب التي أيقنت من فكرة نمط الانتاج الرأسمالي.
مثلا كثر من من نظن أنهم نخب واعية يظنون أن حزب الامة وفكر الامام الصادق المهدي كرجل دين يمكن أن يجلب ديمقراطية وهذا يظهر في لجان حكماءهم عندما تحيط بهم الخيبة حيث يتنادون تعال يا محجوب محمد صالح وفيصل محمد صالح ويا عبد الوهاب الأفندي والطيب زين العابدين ويا كمال الجزولي ويا الجزولي دفع الله ويا الحاج وراق ويضعون معهم بعض من من يسمونهم حكماء السودان وشخصيات وطنية ورجال طرق صوفية ورجالات إدارة أهلية وبعدها شوف خمج الفكر الما بعده خمج.
وتمر السنون وهم يتحدثون عن الديمقراطية على طريقتهم ولا يقصدون سبيل الديمقراطية الليبرالية التي يتحدث عنها علي الوردي وفالح عبد الجبار وقوتهم تكمن في سردبتهم على الموقف السالب من التقدم وكلمة سردبة كانت وصية الكوز احمد عبد الرحمن للكيزان أيام تسقط بس.
وهكذا هو حال نخب الشيوعية السودانية والسردبة وإصرار على فكر قد أصبح أمام الرياح هباء إلا أنه له عمالقته على الطريقة السودانية كمؤشر على أن الشيوعية السودانية باقية ما بقى الدهر ما دام داخلها كمال الجزولي وأشعار شعارهم التي يشرحون بها الديالكتيك وشطحات عبد الله علي ابراهيم وحالة الجذب الشيوعي على طريقة الجذب الصوفي التي تناله وهو يطلب المدد صائحا أستاذنا مناديا عبد الخالق محجوب تلحقنا وتفزعنا.
وبالتالي ولا يهم نخب السودان أن تقول لهم المؤشرات أنكم كاسدون فلهم قدرة على إغاظة أي منتظر لصحوتهم لا يفوقهم فيها أكبر غبي . هناك أيضا مؤشر قوي على كساد الفكر عند النخب السودانية مثلا من قبل قرن بالتمام والكمال كانت فكرة الاقتصاد والمجتمع عند ماكس فيبر توضح لنا بوضوح تام كيف تكون المجتمعات التقليدية في حالة تيه كحال النخب السودانية الآن وضرب مثلا بأن الفكر الرأسمالي فكر عقلاني وإستدل على عقلانيته بأنه لم يظهر بعد في حيز المجتمعات التقليدية كحال مجتمعنا السوداني والغريب أغلبية النخب السودانية يظنون ان الفكر الرأسمالي فكر رميم ويظنون أن تحقيق التنمية والعدالة لا تكون بغير الفكر الاشتراكي.
وهذا وهم كبير للنخب السودانية لذلك تجد أغلبهم في الحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب الناصري وحتى من في احزاب الطائفية في لا وعيهم يظنون في إشتراكية إسلامية كامنة في أحزابهم الطائفية أي اشتراكية أبو ذر الغفاري وهذه واحدة من محن النخب السودانية وطريقة مجافاتها للفكر الليبرالي وعدم قدرتهم على التصالح معه أي الفكر الليبرالي وبغير التصالح مع الفكر الليبرالي لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية وتحول ديمقراطي يكفل المساواة والحرية بين كل أفراد المجتمع وخاصة حرية المراءة قولا وفعل كما يقول هشام شرابي عالم الاجتماع الفلسطيني.
خوف النخب السودانية من الفكر الليبرالي وتهيبهم منه هو سر تخلفهم وتكلسهم الفكري لذلك هو سر فشلهم خلال سبعة عقود في عدم القدرة على التحول الديمقراطي بل هو سر خنوعهم لحكم الحركة الاسلامية السودانية لمدة ثلاثة عقود وهم يظنون ان هناك إشتراكية إسلامية ومساواة وغيرها من أفكار المجتمعات التقليدية.
ومن هنا نقول لكم أن الديمقراطية هي بديل للفكر الديني وهي المنتصرة على الفكر الشيوعي وهي تحتفل بذلك منذ انهيار جدار برلين وكان مصادف لاحتفال العالم بقرنيين على مرور الثورة الفرنسية. يا نخب السودان لن تقوم لكم قائمة وأنتم لا تريدون القبول بالفكر الليبرالي وهو المنتصر للفرد والعقل والحرية وتريدون بديلا عنه إشتراكية تظنون أنها كامنة في أحزاب طائفية وظاهرة في نسخة شيوعية سودانية متكلسة وهذا التأجيل لمواجهة موقفكم المخذي من الفكر الليبرالي ستدفعون ثمنه تخلف وحروب عبثية كحرب البرهان وحميدتي وتأخر في التحول الديمقراطي.
وفي النهاية سوف تأتي أجيال ويكون هناك تحول ديمقراطي ولكن كلما تذكروا حقبتكم وتخلف الفكر فيها لعنوكم. دعوتي لكم بأن مواجهة واقع السودان اليوم لا تكون إلا بفكر ليبرالي يبعد رجال الدين والعسكر من ساحة العمل العام ويقدم مفكريين لا يتهيبون من فكرة القطيعة مع التراث فلا سبيل غير معادلة الحرية والعدالة ولا يكون الوصول إليها عبر فكر أحزاب الطائفية ولا فكر النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية ولا فكر الهامش والمركز بل بفكر يرسم علاقة بتشريعات تؤسس للعلاقة بين الفرد والدولة بعيدا عن العرق والدين ولا تكون علاقة الفرد في ظل الدولة الحديثة في حوجة لامام أو مرشد أو ختم أو استاذ شيوعي.
لهذا فارقوا فكر أحزاب الطائفية والشيوعية السودانية وأسسوا لفكر ليبرالي يرسم علاقة الفرد بالدولة وينتصر للفرد والعقل والحرية . مسألة مفارقة النخب السودانية للفكر الديني مسألة صعبة لأن تجربة النخب وذاكرتهم لا تقوى على التفكير خارج إطار الفكر الديني رغم أن هناك كثر من المفكريين في العالم العربي قد تحدثوا عن فكرة أننا في زمن الايمان الحر أو ما بعد الملة . لا يستطيع المفكر السوداني أن يؤسس لفكرة أن الدين علاقة بين الفرد وربه وينعتق من فكر رجال الدين الذين يريدونك أن تسير في قطيع الملة ونجد خوف النخب السودانية وعدم قدرتهم في مواجهة رجال الدين في مسألة أن أمر الدين شأن فردي تجد خوفهم في طرح النخب السودانية في مؤالفتها الكاذبة ما بين الدين والدولة في طرح محمد ابراهيم نقد وهو يتبع أستاذه عبد الخالق في بحثه لدور سياسي للدين في السودان ونجدها في مخيلة الشيوعي السوداني طشاش طشاش في تشيع الشيوعي السوداني بالنوبة في يوم موته أي نوبة الصوفية.
وهذا وحده يدل على خوف النخب السودانية من القطيعة مع التراث الديني في السوداني وتجدهم ضد علمانية الدولة وفصل الدين عن الدولة وكله بسبب إعتقادهم أن الاشتراكية هي التي تحقق التقدم والتنمية سواء كانت كامنة في طرح احزابهم الدينية إشتراكية أبو ذر أو في طرح الحزب الشيوعي السوداني وهيهات أو اشتراكية البعثيين والناصريين ولذلك في تصالح مع الفكر الكيزاني أمة واحدة ذات رسالة خالدة ولذلك نجد علمانية محمد ابراهيم نقد المحابية للأديان محاولة مغازلة للكيزان في اشتراكية ابو ذر واشتراكية البعثيين والناصريين المستمدة من تراثهم الاسلامي العربي التقليدي.
ما لم يظهر مفكريين ليبراليين بفكر ليبرالي ويتحدثون عن الليبرالية بشقيها السياسي والاقتصادي بعيدا عن فكر أحزاب وحل الفكر الديني من كل شاكلة ولون سيطول ليل القرون الوسطى في حياتنا وستطول حروبكم العبثية كحرب البرهان وصنيعته حميدتي ولا يكون ذلك بغير احترام الفرد والعقل والحرية في السودان ولا يكون ذلك بغير ترك طريق أحزاب الطائفية والحركة الاسلامية السودانية والشيوعية السودانية ولا يكون ذلك باليسير غير تقديم فكر ليبرالي واضح من نخب لا تبالي في قطيعتها مع تراث سلطة الأب وميراث التسلط وحاضنته أي الفكر الديني من كل شاكلة ولون . في الختام يجب التنبيه أن عنوان المقال هو عنوان كتاب لعالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..