مقالات سياسية

مؤانسة مع الكابلي        

الونسة مع الفنانين لها طعم خاص، تكتشف أبعاد في شخصياتهم لم تكن تعرفها، وتستمتع بقصص وحكابات لا تروى في اللقاءات الصحفية والتليفزيونية. سنوات القاهرة أتاحت لنا فرصا كثيرة لسببين، جوار الاستاذ الراحل السر قدور الذي يأتيه الفنانون، أينما كان، زرافات ووحدانا، ومعه التقينا ترباس وسيد خليفة والقلع وصلاح محمد عيسى, ثم السبب الثاني الرجل الكريم الفنان أحمد يوسف صاحب شركة حصاد التي لعبت دورا هاما في توثيق الأغنية السودانية وحفظها وتقديمها في قالب محترم، له التحية ولزوجته الكريمة المضيافة أينما كانوا، فقد كان منزلهما العامر فرصة دائمة للقاء بالفنانين الذين يأتون للتسجيل في استديوهات حصاد بالقاهرة. عند أحمد يوسف واستديوهات حصاد التقينا بود الأمين وإبراهيم عوض والجابري وإبراهيم حسين وأبو عركي والموصلي ، ثم سيف الجامعة وحسين شندي وسمية حسن ومجموعة من أعضاء فرقة السمندل الموسيقية. ثم هناك الفرصة العظيمة التي أتاحها لنا وجود الفنان الراحل محمد وردي بالقاهرة لسنوات، وكان منزله أيضا مسرحا للقاءات لا تنس.
منجم السر قدور من القصص والحكايات لا ينضب، وهو حكاء وراوي لا يمل، لكنه حين يتحدث في التليفزيون أو المنابر العامة كان يغربل ما يقدمه من هذه القصص، ويقول أن بعضها غير قابل للنشر. وكان حينما يتداعى في الحكي، يقطع الكلام فجأة وينظر لو كان هناك مسجل مفتوح ويصيح صيحته المشهورة “اقفل يا ولد”.
لم تتح لي الظروف اللقاء المباشر مع الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي إلا من يومين ظلا في الذاكرة، وهما يوما تكريمه في “منتدى دال”، إذ أتاح لي المنصب، حينذاك، أن أجاوره في الجلوس خلال الليلتين. وأذكر أني حينما هممت بالجلوس، وجدت خلفي مباشرة الاستاذ علي شمو، فتحرجت، وطلبت من المنظمين أن يجاورنا في الصف الاول، لكنه رفض، وجاءني محييا ليقول لي ” هذا مكان الوزير، أيا كان، فلا تتحرج من ذلك”.
كان الكابلي في قمة انفعاله بما يجري أمامه، كان صوته يتهدج كلما علق على شئ قيل في حقه..”الكلام دة كلو عني أنا…أنا ماعملت حاجة”..في مرات أخر عندما تغنى الفنانون بأغانيه قال لي هامسا “أنا ما مصدق إني كتبت الكلام دة كلو”..
أمتع جزء في المؤانسة التي دارت بيننا كانت عن قصص أغانيه، قال لي أن لديه قريب كان مفتونا بألفنان عبد العزيز محمد داود، ولا يرى فنانا غيره، حتى الكابلي نفسه. جاء لمنزل الكابلي وهو يجري اللمسات الأخيرة على أغنية “يا زاهية”، فاستمع إليها وسأله “دي أغنية منو..؟” فرد الكابلي ” دي أغنية جديدة لأبو داود”. اندهش الرجل الذي يحفظ كل أغاني أبو داود وعلق: لكن ما سمعتها قبل كدة. فرد الكابلي : أغنية جديدة سمعتها منه أثناء البروفات.، فأبدى إعجابه بها وخرج. قال الكابلي “حملت عودي وركبت السيارة لمنزل أبو داود..وقلت له لدي أغنية أريد أن أهديها لك”، سمعها أبو داود وأعجبته…فكانت له.
طبعا ليست هذه الأغنية الوحيدة، وأظن أن الكابلي من أكثر الفنانين الذين كتبوا ولحنوا أغنيات ثم أهدوها لفنانين آخرين، فعل ذلك مع ترباس في رحلة غنائية، كان خلالها الكابلي يترنم بأغنية ” بريدك والريدة ظاهرة في عينيا” ويحاول اكمال مقاطعها، جلس ترباس بجانبه قبل أن يكملها وقال له “الأغنية دي بتاعتي”..فاكتملت في نفس الرحلة وغناها ترباس.ثم عاد من رحلة لجبل مرة وكتب ولحن “مرسال الشوق …الكلك ذوق” وأهداها للفنان أبوعركي البخيت ليغنيها.
سألته عن أغنية “زمان الناس..هداوة بال..وإنت زمانك الترحال”..وقلت له مفهوم إنك كتبتها عند فنرة اغترابك بالخليج، فرد ضاحكا ..” هل تصدق أني كتبتها بإحساس الاغتراب والبعد عن الوطن حين نويت الهجرة ..وأكملتها قبل أن أصل لمكان الاغتراب”..تحدث عن الغربة والوطن حتى سالت دموعه، وندمت على أني أهجت أشجانه.
رغم الجو المشحون بالشجن والمشاعر الساخنة، حصلت منه على ضحكة حين صعد للمسرح فنان شاب وغنى أغنية محمد أحمد عوض ” عشمتيني بحبك ليه…ما دام ناوية تجني عليه”، سألته مندهشا :دي أغنيتك، فأجابني ضاحكا ” للأمانة..المطلع لمحمد أحمد عوض..وأنا أكملتها له”. وروى أن الفنان محمد أحمد عوض زاره بالمنزل للمرة الأولى، ودون سابق اتفاق ، وقال له ..أنا عندي موضوع مؤرقني وعايزك تساعدني، أنا كتبت مطلع..ولم استطع أن أكمله.
وحكى للكابلي القصة، ثم ردد المقطع أكثر من مرة “عشمتيني في حبك ليه…عشمتيني في حبك ليه…عشمتيني في حبك ليه..” فردد الكابلي “ما دام ناوية تجني عليه”,,,قال لي أن محمد أحمد عوض قام من كرسيه صائحا ” بس كدة..هي كدة يا أستاذ”…وجلس على الأرض مطالبا الكابلي يأن يكمل. وفي نفس الجلسة أكمل الكابلي الأغنية بلحنها ، وحفظها محمد أحمد عوض ..وغناها.
حين جاءتني الفرصة لألقي كلمتي، ركزت على أنه ابن مدينتي بورتسودان، وإنني درست في نفس المدرسة المتوسطة التي درس فيها “صححني بعد ذلك أنه درس في المدرسة المقابلة لمدرستنا وهي المدرسة الاميرية”، وأشرت لثقافته العالية وغنائه لأساطين الشعر العربي.
وتحدثت عن الشاعرين الكبيرين أبو الطيب المتنبئ وأبو فراس الحمداني، وقلت أنهما كانا خصمين لدودوين لا يلتقيان إلا في مجلس سيف الدولة – وهو ابن عم أبو فراس- وفي صوت عبد الكريم الكابلي، حيث غنى لأبي فراس “أراك عصي الدمع” وغنى للمتنبئ “ما لنا كلنا جَوٍ يا رسول..” وهي من فرائد المتنبئ، غناها الكابلي، لكن لم يستمع لها كثير من الناس.
“مالَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسولُ، أَنا أَهوى وَقَلبُكَ المَتبول، كُلَّما عادَ مَن بَعَثتُ إِلَيها، غارَ مِنّي وَخانَ فيما يَقولُ، أَفسَدَت بَينَنا الأَماناتِ عَيناها، وَخانَت قُلوبَهُنَّ العُقولُ، تَشتَكي ما اِشتَكَيتُ مِن أَلَمِ الشَوق، إِلَيها وَالشَوقُ حَيثُ النُحولُ، وَإِذا خامَرَ الهَوى قَلبَ صَبٍّ، فَعَلَيهِ لِكُلِّ عَينٍ دَليلُ”
أعجبته إشارتي تلك جدا، وحين عدت لمقعدي بجواره حاول أن يقف فوقفت أمامه منحنيا، شد على يدي وقال بتأثر..”شاكر ليك جدا إنك انتبهت لهذه الملاحظة الذكية…لكن ياخي تضعني مع سيف الدولة في سرج واحد..” فقلت له “أنت لدينا أقيم، هل وجد سيف الدولة مثل هذا التكريم..؟”
رحم الله عبد الكريم الكابلي، الفنان الشاعر والمثقف المحب لوطنه وشعبه، والذي أثرى وجداننا لسنوات، ولا يزال.

‫4 تعليقات

  1. رحم الله الروح الملهمة العبقرية، والنفس الصافية النقية، والصوت الآسر الحي، والقريحة صاحبة الصلة القوية بالتفرد والكمال..رحم الله الباذخ الكابلي وأنزل على جدثه شآبيب المغفرة والرضوان.
    مقال باسق أوشك أن يبلغ عنان السماء عن شخصية فذة خليقة أن تعكف عليها الأقلام ليس لأن اسمها ظل يتردد في عالمنا العربي والأفريقي، وليس لما أحدثه موته في دواخلنا من حسرة وألم، ولكن لأنه مبدع استطاع أن يستخرج لنا بشعره وشدوه ولحنه الفينان هذه العواطف التي لم يكن من المتاح أن نحسها لبعد غورها.
    شكرا أستاذ فيصل على هذا المقال الضاف.
    الطيب

  2. بارك الله فيك استاذنا فيصل و اسعدك في هذا الشهر المبارك. ورحم الله الفنان الاديب عبدالكريم الكابلي و اكرم نزله.

  3. رمضان كريم أخونا فيصل ، مع إحترامنا لشخصك ولكن عملاقنا المرحوم الوطني اللبق الأديب الباحث الفنان الموسيقي الفيلسوف العبقري الخلوق والأنيق في كل شيء رحمه الله رحمة واسعة وأجزل عليه المغفرة .. لست أنت الشخص المؤهل الذي يتحدث عنه حتى ولو كنت وقتها وزير غفلة .. نستميحك عذرا دع هذا الفنان الزاخر بالتراث والثقافة والتاريخ السوداني والمتشبع والغارق في كل ذرة من تراب هذا الوطن يتحدث عنه الذين يعرفونه عن قرب لأنها مهمة صعبة وشاقة .. تحياتنا لك والله من وراء القصد ،،،

    1. الاستاذ فيصل أدلى بدلوه في الموضوع فلم لا تكتب انت عوضا عن التبخيس و التبكيت يا مواطن يا فاهم فربما كنت صديقا و نديدا للمرحوم أو راويا عنه دون علمنا فاخبرنا عنه اذا….امرك عجيب هدانا الله و اياكم في هذا الشهر الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..