مقالات سياسية

النيوليبرالية هي الماركسية اليمينية..

كثير من الباحثين السودانيين يجهلون حقيقة أن النيوليبرالية كديناميكية هي ماركسية يمينية و أن فردريك هايك هو ماركس اليميني. نقول مثل هذا القول و هو ليس بمفاجئ لمن له قليل من الإطلاع على أدب الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية. إلا أن معرفة أن النيوليبرالية كديناميكية ما هي إلا ماركسية يمينية تحتاج لفن القراءة لكي تتفحصها و تدرك كنهها و فن القراءة واحد من أدوات إدغار موران في قدرته على التمحيص و بفضله يمكنك أن تكشف حجب كثير من الظواهر و متعة فن القراءة تصل لقمتها عندما ينكشف لك أمر مثل أن النيوليبرالية ما هي إلا ماركسية يمينية و ما فردريك هايك إلا ماركس يميني و بعدها تنفتح أمامك حقول كثير من المفكرين و على إختلاف حقبهم إلا أنهم يصلون لنفس الحقيقة و هي أن النيوليبرالية ما هي إلا ماركسية يمينية و ما فردريك هايك إلا ماركس اليميني.

فردريك هايك عندما رفض النظرية الكينزية كديناميكية و نظر إليها كأنها تدعو للإشتراكية كانت مواقفه الليبرالية و هو معجب بالليبرالية الإنجليزية تجعله يظن أن التدخل الحكومي ما هو إلا إشتراكية مقنعة و هو يعتقد بأن الإشتراكية هي الطريق الى العبودية و هنا هو صادق بأن الشيوعية هي طريق للعبودية. و كثير من المفكرين عندما إطلعوا على فكرة التدخل الحكومي لكينز قالوا ما كينز إلا شيوعي مندس أو متخفي يريد تحطيم الرأسمالية من داخلها إلا أن كينز بعبقريته إستطاع أن يدمج كتابي أدم اسمث ثروة الامم و نظرية المشاعر الأخلاقية لكي يخرج بفكرة التدخل الحكومي بدلا من فكرة اليد الخفية.

و لكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قد وضح أن كينز لم يكن شيوعي متخفي يريد تحطيم الرأسمالية من الداخل و بعد ما يقارب الأربعة عقود كانت حقبة تاتشر و ريغان و إعجابهما بالنيوليبرالية و فيها تمتنع الدولة عن التدخل و هنا يتحقق فكر ريموند ارون و منذ ما قبل بداية الحرب العالمية الثانية وصف فكر فردريك هايك في النيوليبرالية بأنه ماركسية يمينية أي ما النيوليبرالية إلا ماركسية يمينية و بعدها كرر نفس القول عام 1951.

يمكنني القول أن التحقق من قول فردريك هايك يحتاج من القارئ أن يكون قارئ مشارك و مبتعد عن القراءة السيئة التي يتوارثها أتباع أحزاب اليسار السوداني الرث من التربية الحزبية و تعلمجية الحزب الشيوعي السوداني و هم في مجافاة سيئة لفن القراءة. و بسبب القراءة السيئة ها هم أتباع الحزب الشيوعي السوداني تفضحهم فكرة أن يفكر أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بدلا عن الكل و يصبح بقية الأعضاء إلا مجموعة من جماعة قريعتي راحت و كل منهم يعتقد في مقولات جاهزة مثل تقدم القيادة الجماعية بدل الفرد و هذا هو طريق العبودية التي تعبّده الشيوعية التقليدية كما هو حاصل وسط الشيوعيين السودانيين و بعد هذا كله يطرحون حل جذري و يريدون من الجميع السير خلف مسيرة الشيوعي السوداني و هو يسير في طريق العبودية و في نفس الوقت يتحدثون عن تحول ديمقراطي و هنا تنكشف تقيتهم التي تربطهم بالخمينيين و ولاية الفقية و ما الفقيه الولي في الخمينية إلا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني و هي تعشم في أن تفكر بدلا عن الكل و هيهات.

المضحك أن الناشطيين من كتاب الحزب الشيوعي السوداني يتحدثون عن فشل النيوليبرالية كديناميكية و لا يذكرون و لو مرة أن النيوليبرالية هي ماركسية يمينية و ما فردريك حايك إلا ماركس اليميني و هنا يمكنني أن أقول بلا تردد أنهم يجهلون أن النيوليبرالية هي ماركسية يمينية و أن هايك هو ماركس اليميني. لأن أي دارس لتاريخ الفكر الاقتصادي و النظريات الاقتصادية إذا تمرس في بحوث عميقة يمكنه ملاحظة ذلك و بمجرد إدراكه بأن النيوليبرالية هي ماركسية يمينية تفتح أمامه الطريق لكي يخرج من حيز الشيوعية التقليدية المتمثلة في النسخة السودانية المتكلسة التي لا تعطي ساحة الفكر السوداني إلا مفكر شيوعي سوداني محنط.

تأتي أهمية هذا المقال لأنه يعتبر مدخل لمبحث يغطي حقبة تقارب القرن من الزمن أي منذ عام 1938 و فيها يتصلب فردريك هايك مثل تصلّب جماعة الحل الجذري أي الشيوعيين السودانيين اليوم و هو يعارض فكرة التدخل الحكومي و يلفت نظره من جديد في عام 1951 و هو يصر على فكره كما يفعل أصحاب الحل الجذري أي الشيوعي السوداني و تمر الأعوام و تأتي حقبة التاتشرية و في بداية الثمانينيات يصل فكر ألان رينو الى نفس الحقيقة التي قالها ريموند أرون بأن النيوليبرالية في رفضها للتدخل الحكومي و رفض الكينزية ما هي إلا شيوعية يمينية و كذلك في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم يصل عالم اجتماع فرنسي آخر و هو مارسيل غوشيه الى فكرة أن النيوليبرالية هي ماركسية يمينية و هايك هو ماركس اليميني.

أهمية المقال أيضا لأنها تعكس لنا ماضي لفرنسا كانت فيه الشيوعية مسيطرة على الفكر و لكن بفضل باحثين فرنسيين قد تخلصت فرنسا من التعبية للماركسية و قد أصبحت فرنسا اليوم توكفيلية و أقصد أن السودان و ساحته الفكرية اليوم تحت رحمة الشيوعي السوداني المحنط و تحتاج لمفكريين جدد يفكّوا طوق الشيوعية السودانية المحنطة و يشبوا عنه و يطرحوا فكر ليبرالي جديد يتحدث عن ظاهرة مجتمعات الغاية فيها الفرد لأنه يرنو لغاية الغايات و هي الحرية و العدالة.

الطريق الوحيد الذي يفارق طريق العبودية الذي يسلكه أتباع الشيوعية السودانية هو طريق الفكر الليبرالي و عبر أنثروبولجيا الليبرالية يمكننا أن نتحدث التشريع الذي يبعد وحل الفكر الديني و يجرده من قوته السياسية و قوته الإقتصادية و هذا هو الطريق الذي يقصده توكفيل بأن الفكر الليبرالي قد أصبح بديلا للفكر الديني و غياب مثل هذا التشريع هو الذي أضاع ثورة ديسمبر في زمن حكومة حمدوك الديمقراطية و حينها كانت كل التشريعات القديمة سارية و لا ترى في أن ديوان الذكاة قوة اقتصادية للكيزان و أن البنوك الاسلامية هي قوة اقتصادية للكيزان و كذلك لم يوجد أي تشريع يتبع ثورة ديسمبر كثورة كبرى يمنع قوة الأحزاب الدينية و إعتمادها على حشود الهوس الديني.

الفكر الليبرالي يقدم فكرة علاقة الفرد بالدولة مباشرة و عبر هذه الفكرة تنتهي أدبيات النخب السودانية الفاشلة و هي تقدم فكرة المركز و الهامش كفكر ليس له علاقة بظاهرة المجتمع البشري و هي تسير على إيقاع معادلة الحرية و العدالة هي علاقة الفرد بالدولة في صراع الفرد مع مجتمعه و ليس صراع هامش مع مركز متوهم و كذلك معادلة الحرية و العدالة تنسف أدب الهويات و قد أضاع فيه كثير من المفكرين السودانيين أزمانهم و قد غاب بسبب أدب الهويات أدب الحريات و ها هو أدب الهويات القاتلة يفتح على فوضى حرب الكل ضد الكل و نفس منظري أدب الهويات القاتلة اليوم و بسبب ضعف منهجهم يتوهمون بأن الجيش يجسّد الدولة و غاب عنهم بأن مفهوم الدولة كمفهوم حديث لا يوجد في أدب الهويات القاتلة كابادماك و الغابة و الصحراء و العودة الى سنار لأن مفهوم الدولة الحديثة لم يحظى بإهتمام  من كانوا ينظرون للهويات.

و كما قلنا في ابادماك و الغابة و الصحراء و العودة الى سنار و النتيجة اليوم يعتقدون أن الجيش هو آخر ما تبقى لهم من وهمهم عن فكرة الدولة كمفهوم حديث أهملوا سبل البحث عنه في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و ليست دولة ما بعد الإستعمار كما نجدها في أوهام الشيوعيين السودانيين سواء كانوا داخل الحزب أو خارجه إلا أنهم يرددون حزبنا و أستاذنا و يقصدون عبد الخالق الذي ينسب له الحزب كما يحلو لعبد الله علي ابراهيم كنوع من وهمه أنه يستطيع أن يغيظ و هيهات.

في آخر المقال نريد أن ننبه الشعب السوداني أنه مصدر السلطة و هو من يستطيع أن يغيّر المعادلة لصالحه و بالمانسبة المجتمع الدولي لا يحترم النخب السودانية و نذكر على ذلك مثل قبل سقوط الكيزان كان مناوي و عرمان و عقار و جبريل و حتى الامام الصادق المهدي و غيرهم من النخب الفاشلة يقومون بجولات في أوروبا و كان كل قادة أوروبا يقولون لهم أذهبوا و فاوضوا الكيزان لم يتغير الامر إلا عندما قام الشعب بثورته و أسقط الكيزان و لذلك نقول للشعب السوداني سواء كان داخل السودان أخرجوا في مظاهرات و حينها سيتغير نظر المجتمع الدولي عندما يقول الشعب كلمته فلا تنتظروا عرمان و عقار و جبريل و لا غيره أن الشعوب المتقدمة تحترم أصوات الشعوب أخرج أيها الشعب السوداني أينما كنتم و خاطبوا العالم من جديد و حينها لا حيلة للبرهان أمام الشعب و لا حيلة للكيزان أمام الشعب و لا حيلة للنخب الفاشلة أمام الشعب.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..