مقالات وآراء سياسية

نحو العدالة والمساواة : فك شفرة الدولة المنحازة في السودان (1)

اسماعيل هجانة

خلال جلسات مفاوضات جوبا للسلام ، وبوصفي عضو وفد الحكومة الانتقالية لمفاوضات السلام في ملف الشؤون الإنسانية ، شهدت كيف قدم الدكتور نصر الدين عبدالباري ، وزير العدل السابق ، مفهوم الدولة غير المنحازة كبديل مبتكر للعلمانية التي كانت تشكل عقبة أمام تقدم المفاوضات ، في أحد اللقاءات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. الدكتور عبدالباري لم يدخل في تفاصيل هذا المفهوم بشكل موسع خلال الجلسة بل اقتصر على تقديم ورقة مطبوعة تحتوي على أطروحته وسلمها لممثلي الحركة لإغناء فهمهم . تلك الورقة حسب فهمي ، كانت جزءًا من بحث أكاديمي أعده الدكتور ، وكنت أتطلع للحصول على نسختي لتعزيز معرفتي بالنظرية. ومع ذلك ، بشكل مفاجئ ، اضطر الدكتور عبدالباري للعودة إلى الخرطوم لظرف طارئ ، مما حرمني من تسلم النسخة المنتظرة . غير أن ذلك لم يثنِ عزيمتي عن المساهمة برؤيتي حول أثر مفهوم الدولة غير المنحازة على الأزمة الوطنية في السودان ، وإمكانية كون هذا المفهوم محوريًا لتحليل ومعالجة التحديات الشاملة التي تواجه البلاد.

في مسعانا الدؤوب نحو بناء دولة السودان التي نحلم بها جميعًا ، دولة تسودها المساواة والعدالة والتنمية الشاملة ، يأتي تناولنا لمفهوم “الدولة المنحازة” كخطوة أولى في سلسلة حلقات تحليلية ونقاشية معمقة . هذه السلسلة ، التي نأمل أن تجد حقها من الحوار البنّاء والنقاش المثمر ، تهدف إلى إثراء الفضاء الإنساني والمعرفي ، وتسليط الضوء على كيفية تجاوز التحديات التي تفرضها الدولة المنحازة وتحول دون تحقيق التطلعات الوطنية.
نتطلع من خلال هذه السلسلة إلى استكشاف الآليات التي من شأنها أن تمكننا من مواجهة وتحليل الانحيازات العميقة التي تشكل جزءًا من النسيج السياسي والاجتماعي والاقتصادي في السودان . بالنظر إلى التجارب المتنوعة والخبرات الغنية داخل المجتمع السوداني وخارجه ، نسعى للخروج برؤى جديدة قد تسهم في رسم معالم دولة تحترم تنوعها الغني تعالج أسباب التهميش والإقصاء ، وتؤسس لمستقبل يحفظ حقوق جميع مواطنيها.
ندعو القراء ، الخبراء ، النشطاء ، وكل من لديه اهتمام بهذه القضايا إلى المشاركة الفعّالة في هذا الحوار . من خلال النقاش العميق والمستنير ، يمكننا جميعًا المساهمة في تشكيل رؤية مشتركة لدولة السودان التي نطمح إليها ؛ دولة تنعم بالسلام ، والازدهار ، والعدالة للجميع.

حسب تعريفي للدولة المنحازة ، يُمكن وصفها بأنها النظام الذي يُمارس التمييز بشكل منظم ومتعمد ، مفضلًا مصالح فئات معينة على حساب باقي المواطنين ، استنادًا إلى أسس كالعرق ، الثقافة ، الدين ، الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي . هذا التمييز يتجلى في التوزيع غير المتكافئ للموارد ، تقديم امتيازات خاصة ، وتشريع قوانين تخدم مصالح تلك الفئات دون غيرها. النتائج المترتبة على ذلك هي تعميق الشرخ الاجتماعي وعرقلة طريق التنمية العادلة والمستدامة، مما يضع العدالة والمساواة أمام تحديات كبيرة في مسعى بناء مجتمع يكرس احترام التنوع ويضمن المعاملة المتساوية لجميع أفراده.
الدولة المنحازة ، بطبيعتها ، تعكس نظامًا معقدًا من التفاوتات والانحيازات التي تشمل جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. في مثل هذه الدولة، تتشابك الانحيازات ثقافيًا ، اجتماعيًا ، إثنيًا ، جنسيًا ، اقتصاديًا ، سياسيًا ، ودينيًا لتشكيل نسيج معقد يؤثر على كل من يعيش ضمن حدودها.
ثقافيًا ، تبرز الدولة المنحازة من خلال تعزيز ثقافة سائدة تهمش الثقافات الأخرى ، مما يؤدي إلى تضخم الهوية الثقافية المهيمنة على حساب التنوع الثقافي والتعبير الفردي.

اجتماعيًا وإثنيًا ، تُفضل هذه الدولة بعض الجماعات الإثنية أو الاجتماعية على أخرى ، مما يعمق الفجوات الاجتماعية ويزيد من التوترات الإثنية ويحد من فرص التواصل والتفاهم بين مختلف المكونات المجتمعية.
نوعيًا ، تظهر الانحيازات من خلال التمييز على أساس الجندر ، حيث يتم تقييد حقوق وفرص معينة الجنسين بناءً على أدوار جندرية تقليدية، مما يقوض مبدأ المساواة ويحد من تقدم المجتمع ككل.
اقتصاديًا ، تتجلى الانحيازات في توزيع غير عادل للموارد والفرص ، حيث تُعزز الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتُعيق التنمية الشاملة.
سياسيًا ، تُسيطر نخبة معينة على السلطة ، مما يحد من التعددية السياسية ويُقلل من فرص المشاركة الفعّالة للمواطنين في صنع القرار.
دينيًا ، قد تُفضل الدولة المنحازة ديانة معينة ، مما يؤدي إلى التمييز ضد الأديان الأخرى ويحد من حرية العقيدة والتعبير الديني.
في مجملها ، تساهم هذه الانحيازات في خلق بيئة تُقيد الحريات وتُعيق التقدم نحو مجتمع أكثر عدالة ومساواة. يتطلب تجاوز هذه الحالة تبني مقاربات شاملة تُركز على الإصلاحات الهيكلية وتعزيز التنوع والشمولية في جميع جوانب الحياة العامة.
ووفقا لهذه المقدمة اعلاه ، يمكننا القول ان  السودان من قبل الاستقلال ، يعد نموذجًا واضحًا الدولة المنحازة ، حيث لعبت الانحيازات الثقافية والاجتماعية والإثنية دورًا محوريًا في تشكيل بنيتها السياسية والاجتماعية. هذه الانحيازات ، المتجذرة عميقًا في أسس الحكم ، كانت بمثابة الشرارة للعديد من النزاعات الأهلية والاضطرابات الداخلية. الحكومات المتعاقبة التي اعتمدت بشكل كبير على عقلية الدولة المنحازة ، أسهمت في تعقيد الوضع القائم وتسميم النسيج الاجتماعي بصورة مزمنة. هذا الإرث من الانقسام والتفرقة لم يؤدِ فقط إلى تأجيج النزاعات ولكنه أيضًا زاد من صعوبة بناء دولة تقوم على أسس العدالة والمساواة والتماسك الاجتماعي بعد الاستقلال.

‫5 تعليقات

  1. كلام علمي وواقعي من الاستاذ اسماعيل هجانه ، ليت علماء المناهج في المدارس السودانيه من شرفاء بلادي اللي فيهم الروح المسامح والوطنيه ان يدخلوا موضوع الدوله غير المنحازه في المناهج الدراسيه من المتوسط حتى الجامعات؛ وان يذكروا الدوله المنحازه ومساؤئها. فقد ظلت امبراطورية النهر والبحر اي دولة النهر والبحر تسيطر على الدوله والسلطه والثروه منذ استغلال وليس استقلال السودان ، استغلال السودان لمصالح هذه الامبراطوريه الخاصه وذلك لصالح ابنائهم وتهميش واقصاء بقية مواطني السودان من التعليم والصحه والموارد ، حتى الموارد الناتجه من مناطق ابناء الهامش تجعلها هذه الدوله لصالح مناطقهم وابنائهم والدليل مصفاة الجيلي اللي يتضخ البترول لصالح مناطقهم والباقي البسيط يوزع لبقية السودان ، كذلك اقصاء ابناء الهامش من المشاركه في السلطه والدوله بتولي المناصب النافذه مثل وزارة الخارجيه ، الدفاع، الداخليه، الامن وقيادة الجيش ، ورئاسة الجمهوريه او الوزراء ، او مدراء عاميين لمؤسسات الدوله مما ادى للغبن الاجتماعي فادئ لخروج بعض افراد الشعوب المهمشه ضد الدوله ؛ ظل النظام الاوليغاركي( نظام سيطرة وهيمنة قله من شعب من شعوب دوله او من جهه معينه او عرق معين في دوله على السلطه والثروه وحرمان وتهميش اغلبية الشعب من الحصول على هذه الامتيازات اعلاه مثلهم) وهذا قد حدث فعلا في السودان بسيطرة ابناء الشمال النيلي على الدوله والسلطه والثروه وحرمان وتهميش اغلبية شعوب السودان من هذه الامتيازات وذلك لان المستعمر التركي البغيض قد وضع هرم تراتبي بين الشعوب السودانيه فوضع ابناء الشمال في قمة الهرم ووضع ابناء الشعوب الاصيله في ادنى او سفح الهرم لان ابناء الشمال النيلي من ساعد المستعمر التركي لفتح السودان من جهة الشمال وقد وكل ابناء الشمال بصيد العبيد من الشعوب الاصيله من مناطقهم كابناء النوبا والفور والجنوبيين مما ادى لانشاء نظام العبوديه في السودان وهي من الاسباب التي ادت لنشوء التفرقه العنصريه في السودان حتى الان ؛ وقد كان كبير تجار الرق هو الفاجر المدعو الزبير باشا رحمه وهو من ابناء الجعليين اللي كان يقود تجار الرقيق ومعهم جنود شركس لصيد العبيد في تلك المناطق اعلاه؛ كذلك فقد منح المستعمر التركي البغيض امتيارات ووظائف مهمه لابناء الشمال النيلي بعد ان ارسلهم للقاهره للتعليم وبعدها يمنحهم وظائف في الدوله مما ادى لان يكون ابناء الشمال اول من يتلقى التعليم في السودان واول من يتولى وظائف في الدوله ، وكان ذلك هدفا سياسيا واستراتيجيا مهما من المستعمريين الاتراك والمصريين لتاهيل ابناء الشمال لتولي وظائف الدوله والسلطه في المستقبل كمكافاه لهم ( ابناء الشمال ) لانهم من ساعد المستعمرين على فتح فاستعمار السودان كمعرصين وكمريرات للمستعمر وحتى الان وحرمان ابناء الهامش من تولي اي وظيفه مهمه في الدوله ، لانه اذا تولي ابناء الهامش من الشعوب الاصيله هذه الوظائف فسوف يقومون بطرد المستعمر وتحرير البلد من ربقته ؛ لذلك قام المستعمر بتهميش الشعوب الاصيله واكثر من ذلك قام بقبضهم وبيعهم كرقيق لاذلالهم وتركعيهم حتى لا يقوموا باي حركات تحرر ضدهم ؛ لذا ادت هذه السياسات من المستعمر التركي البغيض ان يؤسس لدوله سودانيه ستكون فاشله ومفككه تعيش انقسامات وحروب فيما بين شعوبه في المستقبل وهذا ما يحدث الان فعلا من صراعات جهويه وقبليه في حرب ١٥ ابريل بين ابناء النهر والبحر وابناء الغرب عموما وابناء الهامش خصوصا( نوبا وفور وفونج وكان جنوبيون) ؛ ان امبراطورية النهر والبحر هي نتاج او مولوده من رحم المستعمره التركيه الداعره النتنه ، فهي حتى الان ( هذه الامبراطوريه) تمشي بخطي امها المستعمره التركيه وتنفذ اجندتها الفاسده الفاجره لاخضاع السودان مره اخرى عبرهم ( الامبراطوريه الشماليه النيليه)؛ ان الامبرطوريه الشماليه النيليه الفاسده هي من ادت لتدهور ودمار السودان وبيعه في سوق النخاسه بعمالتهم الظاهره لاسيادهم العرب والاتراك ، فقدم ذهب السودان للامارات وتركيا وروسيا بواسطة البشير كاكبر فاشل وفاسد من ابناء هذه الامبراطوريه ، كذلك قدم البرهان في طبق من ذهب الثروه الحيوانيه لمصر والسعوديه بتراب الفلوس؛ كما قدم البشير حلايب وشلاتين لمصر ؛ ايضا فسوف يقدم البرهان سواكن وبعض جزرها لتركيا ، كما كان يريد ان يقدم ميناء بورتسودان للامارت قبل حرب ١٥ ابريل وان تكون هذه المدن او المواني مستعمرات صغيره لصالح هذه الدول المستعمره ؛ ان ابناء الشمال النيلي اللي بمثلوا امبراطورية النهر والبحر ظلوا عبيدا ينفذون اجنده اسيادهم من هذه الدول لانهم اذا خالفوها ولم ينفذوا اوامرها فسوف تسقط امبراطوريتهم على روؤسهم وسوف يتلاشون من السودان وسوف تؤول الدوله لغيرهم وسيكونون ادنى الناس في السودان كما يدور في اجندتهم اذا سقطت امبراطوريتهم، لذا يحاولوا بشتى السبل الحفاظ عليهابتقديم يد الولاء والطاعه لاسيادهم العرب والترك…

  2. اسماعيل…الحل في التقسيم لماذا لا تطالبون بالانفصال مثل الجنوبيين ؟ ببساطة لأنكم غير مؤهلين لإدارة دولة وحكاية الهامش وجلابة لن تاكلكم عيش مرة تانية فقبل الحرب ٩٠% من الوزراء،والمسؤولين الفاشلين واللصوص كانوا من الغرب باتفاقية جوبا اللعينة ( جبريل المالية ..مناوي حاكم إقليم كامل بمخصصات ابونمو للطاقة…حافظ الثروة الحيوانية…منو كدة بخيت الرعاية الاجتماعية+ بنك الادخار .. ووووو الكثير من الفاشلين) ياخ حلو عن سمانا واطلبو الانفصال من هذا الوطن الذي تم تأسيسه بمجتمعات متناقضة ومتنافرة …. النهب والسلب الذي مازال مستمرا تقوم به اثنيات معينة ….انقرعوا

  3. لا يمكن أن تقارن نفسك بأهل الشمال الذين لهم حضارة ضاربة في الجزور منذ أكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد بينما حياتكم كلها سلب ونهب وقتل … انفصالكم هو الاستقلال الحقيقي لنا….

    1. يا زول قاعد في الناصيه ما تقارن لي اشخاص باصبع اليد على كثره لاتعد ولاتحصى ، حتى ولو قلنا ذلك انهم نهابين اثبت لي ان واحد منهم اكل فلس واحد او اتت به لجنة تفكيك الثلاثين من يونيو؛ انظر للجنة التفكيك وما اقرت به من نهب واختلاسات وكلهم وجلهم من ابناء الشمال النيلي ، اذكر واحد من ابناء الهامش ذكرته لجنة التفكيك ،هل البشير واخوانه ، عبد الباسط حمزه، وداد واخوانها ، محمد نجيب وزوجته ، وغيرهم كثر وكثر هل هم من ابناء الهامش؟ هل ابناء الهامش من قام بانقلاب ١٩٨٩ ومن كان اكثر قادته ومن كان له النفوذ؟ والذين لهم حضاره قرفان افندي هم النوبا اي نوبا الجبال وهم اصل حضارة كوش والدليل منحوتة الزعيم الملك تيا راغا وليس تهراقا كم يزعم مؤرخوكم اللي زيفوا التاريخ السوداني وايضا عملية ال DNA اللي اثبتت التطابق بين النوبا القدامى والجدد بواسطة دكتور انثروبولجي وذلك باخذ عظام من مدافن النوبا القدامى من اهرامات البجروايه ومروي واخذ نموذجا من شعر من اشعار النوبا فتطابقت بينهم( النوبا القدامى والجدد)؛ اذن النوبا والفور هم من الشعوب الاصليه اللي كونوا السودان القديم ومنه امتد لتاسيس سودان حديث الان ؛؛اما انتم فشعوب وافده انكرت هويتها الافريقيه الفولانيه وتعربت بعروبه زائفه لاتستند لاي حقيقه وواقع ، اي انكم فولاني من غرب افريقيا والدليل ، انكم ليس لديكم اي رابط قبلي وعشائري مع العرب من الجزيره العربيه ، اذكروا لنا واحدا من القبائل العربيه اللي بترتطبوا معها في العرق والثقافه مثلا قبيلة هوازن او نجران او حضراموت او قريش هل لديكم اعراق مع هذه القبائل كما تدعون العروبه؟ هل لديكم ثقافة هذه القبائل مثل ربط الازار ولبس الخنجر ورقصة الدبكه والسفر في قوافل بين البلدان بواسطة النياق او الخيول ؟ وسوف تقل لي نحن نتحدث العربيه ، اقل لك اللغه العربيه اكتسبتها من الطوارق عند ترحالكم بالقوافل قديما اكتسابا وليس اصالة فنسبت نفسك لهم لان العرب قديما كانت لديهم امبراطوريه ممتده حتى اسبانيا بواسطة الطوارق مما حدا بك النسب لشرفهم ، والدليل على انك افريقي الشلوخ الموسومه على خدودكم وهي اما شلوخ هوسااو فولانياو نوبا اختر واحد من هولاء ، لان العرب يا سيد يا جيد لا يتشلخون ، فالشلوخ اساسا كانت توسمها الشعوب الاصيله في افريقيا مثل النوبا والفور والفونج والامازيق والبانتو والهوسا ؛ هل سبق وان وجدت عربيا مشلخا؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..