مقالات سياسية

غندور وجريمة تدمير العمل النقابي

ظهر مؤخرا بروفيسور إبراهيم غندور في لقاءات أجريت معه في بعض منصات التواصل الاجتماعي، وكما هو متوقع استغل غندور تلك اللقاءات ليدافع عن نظام الإنقاذ وقادته، ودفاعه يصب في تعميق مجرى انتكاسة ثورة 2018 على يد قادة الجيش السوداني؛ وبدون ابداء أدنى حساسية تجاه مشاعر الشعب الذى ثار ضد ظلم وشرور وطغيان النظام الذي كان هو نفسه أحد اعمدته الأساسية.

وهناك قصور واكب تلك القاءات تمثل في عدم اثارة أي من القائمين بتلك اللقاءات لمسألة دور غندور في تدمير الحركة النقابية التي تراسها لمدة عقدين من الزمان خلال حكم الإنقاذ. ولن نبالغ اذا ذكرنا أن تخريب الحركة النقابية الذى فعله نظام الإنقاذ كان من اخطر جرائمه السياسية؛ فمنع الحركة النقابية كان مهما للحكم لتعزيز احتكاره للسلطة السياسية بإقصاء جميع الكيانات السياسية الأخرى وتمرير سياسة التحرير الاقتصادي التي تبناها منذ العام 1992. فنقد سياسة النظام الخاصة بالعمل النقابي  يجب ان لا ينحصر في تناول أثرها السلبى في حيز العمل النقابي المحض فقط، بل كذلك في كونها أداة ساعدت في توطيد التوجه السياسي العام لحكم الإنقاذ.

ان الحركة النقابية في السودان خضعت للتوجه السياسي لحكم الانقاذ البائد  الذى انشأته “الجبهة الإسلامية القومية” بعد ارتقائها السلطة السياسية بالانقلاب العسكري في 1989؛ فهذا التوجه عبر عنه  المرسوم الدستوري الثالث لسنة 1989 الذى أصدره الانقلابيون بنصه، في معاداة واضحة للحركة النقابية، على حل جميع النقابات والاتحادات العمالية والمهنية ومصادرة أموالها وممتلكاتها. وموقف حكم نظام الانقاذ الخاص بتقييد العمل النقابي جاء في سياق وضعين:

أولا، التطورات السياسية العالمية، فحكم الإنقاذ تزامن مع بروز وهيمنة الرأسمالية الليبرالية الجديدة (neoliberalism) التي وضعت إجراءات جديدة، تحت عنوان الاقتصاد الحر لتقوية ربح رأس المال العالمي، شملت تحرير الاسعار وتحرير سعر الفائدة وتخفيض سعر العملة والخصخصة، الخ. وقد دفع انتهاج سياسة الاقتصاد الحر بنظام الإنقاذ بعد السيطرة الكاملة على السلطة السياسية، الى أن يحارب النشاط النقابي حتى يتمكن من تمرير تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة من دون  اية اعتراض.

ثانيا، افتقاد الإسلاميين لوجود مؤثر في صفوف الحركة النقابية منذ نشأتها في مطلع القرن الماضي جعل نظام الإنقاذ يمارس ابشع صنوف القمع والتشريد والفصل والقتل تحت التعذيب لحجر نشاط النقابيين بالكامل. كما أن تخوف نظام الإنقاذ من الحركة النقابية مبعثه دورها التاريخي في التغيير السياسي ومعارضة الأنظمة المعادية للشعب كما حدث عند الاطاحة بالأنظمة العسكرية في 1964 و1985.

في عام 2001 عين الجنرال عمر البشير، رئيس نظام الإنقاذ، بروفيسور غندور رئيساً لاتحاد عام نقابات السودان حيث ظل في هذا المنصب حتى 2016، وخلال رئاسته تمكن من تقييد الحركة النقابية واحتوائها من خلال نقابة المنشأة التي كانت نتاج القانون النقابي لسنة 2001. فتحت هذا القانون وضع نظام الإنقاذ الحركة النقابية تحت وصايته ودعم هذا بنسف البنيان النقابي الذى كانت النقابات تتكون، عبر تاريخها الطويل، على أساسه كنقابات فئوية، فقد ورد في احد بنود القانون بعنوان “أهداف التنظيمات النقابية ومشروعية نشاطها”، الاتي:

* التعاون مع أجهزة الدولة وقوي المجتمع لترسيخ الوحدة الوطنية وحماية استقلال الأمة وأمنها ودفع مسيرتها نحو مُثلها العليا وبسط علاقتها العالمية .
* لا يجوز تكوين أكثر من نقابة واحدة في أي من تلك القطاعات أو المنشآت المحددة في اللائحة .

وهكذا على أساس نقابة المنشأ، فام غندور بتقليص عدد النقابات القائمة ليكون 16 نقابة عامة. وبحصر عدد النقابات، وضعت فئات مختلفة مصالحها في نقابة عامة واحدة؛ كما أن نقابة المنشأ العامة، تتكون من هيئات نقابية في القطاع العام وأخرى في القطاع الخاص. وهكذا، فان نقابة المنشأ جعلت طبيعة تكوينها متابعة قضاياها ومطالبها المتباينة بصوره فعالة أمرأ مستحيلا. لكن الحديث عن أن نقابة المنشأ أضرت بالحركة النقابية فقط حديث متحفظ، فنقابة المنشأة انتقلت من القضاء على الحركة النقابية المطلبية الى تدمير الفعالية ا(لمشهودة) لنقابات العاملين في معارضة الاستبداد السياسي السلطوي وذلك من خلال الإعاقات التنظيمية التي وضعتها امامها. وهكذا، فإن سياسات الحكم الوطني سلبت الحركة النقابية من الاستقلالية التي تمكنها من النضال لحل القضايا المتعلقة بالمشاكل والمظالم الكبيرة التي تواجه العاملين فيما يتعلق بالحقوق والأجور، تلك المظالم التي فاقمتها الإجراءات (الاقتصادية) التي واكبت تبنى نظام الإنقاذ للاقتصاد النيوليبرالي.

ان دور غندور في فرض سيطرة الدولة على نقابات العاملين كان رافعة أساسية دعمت تكريس سطوة نظام الإنقاذ الظلامي، وفى كلمة لاحقة نتناول دورا آخر لغندور في إدارة السياسة الخارجية للإسلاميين التي هدفت في السنوات الأخيرة لحكم الإنقاذ الى تقديم المزيد من التنازلات المتعلقة بسيادة السودان تحت ضغوط الازمات التي كانت تحاصر النظام.

تعليق واحد

  1. إن نعره التحدي الذي بدأ به الثوار و قادة الثوره أخذت حيزا اكثر مما يجب . بل وان نشوة الفرحه بذهاب النظام كانت اكثر بكثير مما يجب .
    فبدلا من إثبات المقدره علي تقديم الأفضل و إقناع الشعب بالوضع الأفضل مما كان ، سارت الامور الي تحقير رفاق غندور . و كان من الغباء ان نتوقع استحالة فواقهم من الصدمه . و الأكثر غباء هو ان يتباكي بعض قاده الثوره في كل اخفاق عن هدف ما، بان هناك دوله عميقه يقف عائقا أمام الغايه. . و القول بان السبب هو ” الكيزان ” .
    هل كان علي الثوار عدم توقع أي رده فعل مستقبلا؟. . انه الغلاء المفرط بعينه . انه من غير المنطقي ان تقول مثلا ” أي كوز ندوسه دوس ” ، فالكوز لن يقف مكتوف اليد بل، يبحث بأن لا يداس دوسا . با يسعي كي يكون هو الذي يدوس ..و هذا ما يحدث الان . لقد افتقد الشعب المثل القائل ” السواي ما حداث”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..