مقالات وآراء سياسية

علي هامش ندوة حول مستقبل اليسار

طلعت محمد الطيب

المشهد السوداني يحتقن بالموت والحرب والدمار بسبب الحرب بين الحيش والمليشيا التى خلقها من عدم قبل سنوات. نسمع كل يوم بالانباء المحزنة عن موت عشرات ومئات المواطنين خاصة  النساء والاطفال منهم ، بسبب ضربات الدانات أو ضربات الشمس علي حدود بلادنا وصحاريها الممتدة.
النهب والقتل أصبح علي قارعة الطريق وفي المنازل لغياب الأمن والنظام الاجتماعي بعد أن فقد جيش البلاد القدرة علي حماية المواطنين والمحافظه علي النظام بسبب سعيه المستمر لتنفيذ اجندة الكيزان منذ إنقلاب الانقاذ في العام ١٩٨٩م.
الفكر السياسي السوداني يعيبه عدم الاهتمام بالامن والنظام الاجتماعي ضمنا ، وأقول ضمنا لأن الافكار التي يبشر بها كل من الإسلام السياسي من جهة واليسار الشمولي من جهة ثانية تسعي للتغييرات الجذرية التي غالبا ما تكون علي حساب الأمن والنظام ولصالح الفوضي.
علي هذه الخلفية أحاول التعليق علي الندوة الاسفيرية التي تحدث فيها الاخ د. صديق الزيلعي لأهميتها وذلك من موقعه ، كعضو حزب شيوعي ، كما قال وقد تحدث عن إمكانية إصلاح الحزب الشيوعي. أسجل احترامي لشخص الاخ صديق الذي تربطني به علاقة إحترام ومودة منذ ايام الجامعة ، ولكني في ذات الوقت ، أود تسجيل الخلافات التالية معه.
أولا : اختلف مع الاخ صديق حول إمكانية إصلاح الحزب الشيوعي ، واعتبرها مهمة  مستحيلة فذلك الحزب “فات فوقو الفوات” حتي أنه قد صار  عبئا liability علي معارضة مدنية تقف في مواجهة جيوش مدحجة بالسلاح من اعلي الرأس حتي أخمص القدمين وتمتلك آلة إعلامية ضخمة وإمكانيات مهولة.
يظل إصلاح الحزب الشيوعي عملية مستحيلة طالما ظلت المركزية الديمقراطية هي التي تحكم حياته الداخلية لأنها تصادر تماما حقوق العضوية لمصلحة القيادة ، فهي العقبة “الكؤود” أمام تطور الحزب الشيوعي كما وصفها الراحل الخاتم عدلان في رائعته “آن أوان التغيير” بداية التسعينات ، ولكن الخاتم وقع في خطأ التعامل الانتقائي مع تاريخ الحزب وسكت عن نقد التاريخ واكتفي بالتمجيد وربما فعل ذلك أملا في كسب عضوية وأصدقاء الحزب إلي مشروع التغيير ، وهو بالضبط ما يقوم به الاخ صديق الزيلعي.
ثانيا : في إطار تمجيد تاريخ الحزب والبحث عن جذور التغيير فيه ، حاول الاخ صديق في ندوته الإحتفاء بوثيقة الحزب الشيوعي التي صدرت في العام ١٩٧٧م والتي تعلن بقبولها للتعدية السياسية أو “الديمقراطية البرجوازية كما في ادبياتهم” مع أن تلك الوثيقة في تقديري لم تكن شيئا إيجابيا طالما ظل الحزب متمسكا بالنسخة اللينينية من الماركسية  فهي أقرب إلي الاستهبال السياسي لأنها تصير دعوة تفتقد  إلي الاصالة وتكون أقرب لمفهوم “التقية” وهو مفهوم ديني لا يختلف كثيرا لدي اليسار الشمولي حيث الدعوة تكون للانكماش والدفاع في حالة الجذر الثوري ثم التحول الي الهجوم في حالات المد الثوري.
ثالثا : حاول الاخ صديق في ندوته أن يجعل من المرحوم عبد الخالق محجوب ايقونه للتغيير والاصلاح في تاريخ الحزب ، ثم حذر مما أسماه الفهم الميكانيكي للصراع الطبقي وتأثيره علي عضوية الحزب ، ولكنه أغفل ما صاغه الراحل عبد الخالق محجوب في “الماركسية وقضايا الثورة السودانية” حين كتب ما معناه  أن الرأي الاخر المثابر داخل الحزب الشيوعي غالبا ما يكون معبرا عن راي الطبقات الرجعية المعادية لتقدم المجتمع وعلينا عدم التسامح معه وعدم الاكتفاء باجتثاث تلك الافكار المخالفة ، بل ان المطلوب هو اتخاذ مواقف حاسمة في اجتثاث حتي “ظلال تلك الافكار”. وبذلك يكون المرحوم عبد الخالق محجوب ممن أسسوا لإستبداد القيادة الذي قد يصل إلي التحقير واغتيال الشخصية.
رابعا : تحدث الاخ د. صديق
عن تاريخ الصراع الفكري وعن روزا لكسمبيرج إلخ ولا اشكك في نوايا ونبل الاهداف التي يحاول تسويقها الرجل في تلك الندوة الاسفيرية ، ولكن الدفاع عن قضية خاسرة مثل الرهان علي امكانية نجاح الاصلاح الديمقراطي داخل الحزب الشيوعي تضعنا رغم انفنا في خانة السدانة الأيديولوجية أكثر من خدمة قضايا شعبنا الذي أصبح مشردا داخل وخارج بلاده. فما كان أحوجنا لإستدعاء مفكر مثل توماس هوبز الذي تأثر بالحرب الاهلية البريطانية في القرن السابع عشر وكتب مؤلفه العظيم “ليفاسيون” Leviathan الذي تناول فيه ضرورة وجود دولة قوية تحفظ النظام وتحمي المواطنين. ربما كان ذلك أفضل في نقد وتعرية كل مشروع ينطوي علي إمكانية خطورة انهيار الدولة والنظام والامن إذا لم نتبني إصلاحات تدريجية وقمنا بدلا عن ذلك بتبني مشروع هدم دولة ٥٦ أو التغيير الجذري أو مشروع صياغة الإنسان السوداني وفقا للمشروع الحضاري للإنقاذ الذي نعيش عواقبه الكارثية الآن.

‫5 تعليقات

  1. يا سيدي نحن لا نمارس السياسة ولا نحبها لكن ان يظل شخصا ما رئيسا لحزب ما حتي موته هذا لا يدخل العقل كيف تدعوا إلى الديمقراطية وانت لا تمارسها…الكيزان والشيوعيين سبب الاذية الي المزبلة ان شاءالله

  2. طلعت محمد الطيب صاحب عداء تاريخى للحزب الشيوعى وهو من النوع الذى يلوى عنق الحقائق لكى يثبت ما يراه صحيح وطبعا معروف انه لازم ان يستشهد بالمفكرين الغربيين فى كتاباته ليثبت انه مطلع وانه ذو علم ، لا يعول على ما يقوله طلعت عن ما جاء فى كتاب الماركسية وقضايا الثورة السودانية عادى ممكن ان يشوه النص او يخترعه او يفبركه مثل ما قال عن عبدالخالق ، طلعت نفسه انتمى لحركة حق التى تفرقت شذر مذر وفشلت ان تستقطب كوادر الحزب الشيوعى لصفها ، اى حزب ليست له جذور فى التربة الوطنية لن يستمر كثيرا وقد شهدنا احزاب فكة تكونت لكنها اول ما رياح الديمقراطية هبت ذهبت هذه الاحزاب ادراج الرياح ، ولكى يرتاح طلت فأن الحزب الشيوعى له أخطاء كثيرة وله ايجابيات كثيرة وكان فى قلب المعارك الوطنية كلها ، دعك من الماركسية اللينينة التى يتقول بها طلعت ، هل سمعت يوما فى ندوة او مطبوعة من مطبوعات الحزب الشيوعى ان تكلموا عن الماركية اللينية ، بل كان هم الحزب الشيوعى فى كل نضاله المستمر الدفاع عن حقوق العمال والتشديد على الحريات والحقوق الاساسية وتكوين النقابات للعمال والمهنيين وتقديم الدراسات الاقتصادية والضغط على السلطات لاصلاح عيشة المواطنين ، هل هذا الكلام فيه ما يفيد انه صادر من ماركسية ليننية مثل ما قال ( طلعت ) ام انه الغرض والغرض مرض وكما تقول العرب فأن آفة الراى الهوى ، كثيرين يرون ان الحزب الشيوعى شمولى وهذا من اثر الدعاية الكيزانية والتى ظل الحزب الشيوعى شوكة حوت فى حلقها ولذلك عندما قامت الانقاذ كان الحزب وكوادره اكثر المستهدفين من دكتور على فضل والدكتور فاروق محمد ابراهيم وبقية الكوادر فى العاصمة والولايات لأنهم يعرفونهم انهم الاكثر نشاطا فى مناهضتهم ولذلك تجد عمر البشير يقول فى مخاطبة مشهور ( ان مزارعى الجزيرة تربية شيوعيين ) وتجد المأفون قوش يكذب فى وضح النهار ويقول ان الدكتور بابكر قتلته شيوعية اخرجت السلاح من شنطتها ، وفى اول الانقاذ قال عمر البشير ان الحزب الشيوعى لن تقوم له قائمة بعد الآن ولكن ظل الحزب الشيوهى وذهب عمر البشير وعصابته الى المذبلة ، التفكير الرغائبى لطلعت وامثاله لن تتحقق فحسنا له ان يكتب ماهو موضوعى بعيدا عن تمنياته .

  3. سلام ” محمد احمد” الاسم المستعار لكادر شيوعي ظل يعقب علي مقالاتي باستمرار.
    أود اضافة كتبه المرحوم عبد الخالق محجوب حول موقفه من الرأي الاخر المثابر داخل الحزب الشيوعي.
    لأن السيد محمد احمد يتهمني بالتزوير ولأن الشينة منكورة فيما يلي ما كتبه مثلا في ” لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ص ٤٢:
    ” كل صراع داخلي جزء من صراع الطبقات وهذا الفهم الملركسي وحده يستطيع الحزب أن يحافظ علي نقابه وإن يقي أعضاءه من المزالق والجمود والانهيار”
    وجاء في نفس الصفحة من كتاب لمحات ” إن الذي يجب إجتثاثه ليس الافكار المثابرة إنما ظلال تلك الافكار ايصا”.

    كما كتب المرحوم عبد الخالق في لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ص ٦٦ مايلي:
    ” الخلاف في الرأي شيء موجود بين المجموعات الثورية ، ولكن عندما يصبح هناك إتجاه دائم مثابر لايمكن إعتبار ذلك مجرد خلاف في الرأي بل لا بد من الرجوع إلي الاصل المادي لتلك الافكار التي أصبحت اتجاها ثابتا ومصرا. وعندما تصبح الافكار اتجاها فإن اعتبارهامن زاوية الخلاف في الرأي طمس للحقائق وتهيب لمواجهتها وتفريط في تحرير الأعضاء الذين وقعوا تحت تاثيرها بل هو هدم لكادر الحزب”.
    تعليق: انظر للوصايه قي عبارة ” تحرير كادر الحزب ”
    إما بقية حديثك يا محمد احمد فلا يستحق التعقيب

  4. أين الوصاية في تحرير كادر الحزب أليس هو الكادر نفسه الذي يقوم بعملية التحرير وفق الآليات المعروفة في تراث الحزب. أين أخطأ عبد الخالق في هذه الجزئية.
    الجزم بأن الحزب الشيوعي السوداني لا يمكن اصلاحه يخرج كامل الحوار من الفكر الثوري والفلسفة التغيرية.

  5. الم اقل لكم ان طلعت يشوه النصوص لكى توافق مايراه ، انظر هنا ما جاء فى صفحة 66 من كتاب لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى التى اشار اليها طلعت فى رده : ( لا بد دائماً من اجتثاث جذور الانتھازیة وكشف أفكارھا، بل ظلال افكارھا، ومواجھة الأفكار الانتھازیة بثقة وفي صبر وثبات وتمسك بالماركسیة اللینینیة. تعلم حزبنا أن الصراع ضد الانتھازیین لیس موقوتاً بمیعاد إذ أن بقاء الأفكار الانتھازیة في صفوفھ یشل مقدرتھ الكفاحیة، فمن أجل قضیة الشعب والجماھیر العاملة لا بد دائماً من الیقظة والھجوم على مواقع الفكر الانتھازي وسحقھا. تعلم حزبنا في مبادئ الصراع الداخلي أن یقوده بحكمة وأن یلجأ إلى الاجراءات التنظیمیة بعد الكشف وتجمیع قوى الحزب الثوریة وألا یترك ھذه الاجراءات تحل محل الصراع الداخلي ثم لا یتردد في تطبیقھا مع المتعنتین والمخربین، تعلم حزبنا ألا ینظر إلى الصراع الداخلي بمعزل عما یدور في أوساط المجتمع من صراع طبقي وأن كل اتجاه مناف للماركسیة اللینینیة داخل الحزب ما ھو إلا انعكاس لفكر طبقة خاصة أو دائرة اجتماعیة معینة، 67 تعلم حزبنا أیضاً ألا یستجیب للاستفزاز الانتھازي فیوقف نشاط الحزب حتى تتم المناقشة أو حتى ینتھي الصراع الداخلي، ففي بوتقة العمل تنصھر الافكار وكلما تزاید نشاط الحزب بین الجماھیر أمكن فضح الأفكار الانتھازیة لا وسط الحزب وحسب بل وسط الجماھیر أیضا) ويقول طلعت ان عبدالخالق قال ( ين كتب ما معناه أن الرأي الاخر المثابر داخل الحزب الشيوعي غالبا ما يكون معبرا عن راي الطبقات الرجعية المعادية لتقدم المجتمع وعلينا عدم التسامح معه وعدم الاكتفاء باجتثاث تلك الافكار المخالفة ، بل ان المطلوب هو اتخاذ مواقف حاسمة في اجتثاث حتي “ظلال تلك الافكار”. وبذلك يكون المرحوم عبد الخالق محجوب ممن أسسوا لإستبداد القيادة الذي قد يصل إلي التحقير واغتيال الشخصية.) لاحظتم ان اغفل تماما ما قصده عبدالخالق وهو الافكار الانتهازية والصراع ضد الانتهازيين ، قام طلعت بقلب المعنى وذكر الصراع ضد الرأى الآخر ، الغرض مرض يا طلعت .

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..