مقالات وآراء

كبارنا الهائمون على وجوههم

طارق يسن الطاهر

صليتُ صلاة العيد ، وانتحيتُ جانبا ، أسندتُ ظهري المرهق إلى الجدار الخلفي للمسجد ، لعله يحمل عني بعض ما أرهقني.

ضجَّتْ بهم شوارع المدينة ، وضاقت بهم طرقاتها ، وهم ينهبون أرضها بخطواتهم المتئدة شبرا شبرا.
أولئك كبار السن الذين استقدمهم أولادهم عقب اندلاع الحرب ؛ خوفا عليهم من تداعياتها.

تلك الحرب اللعينة التي طحنت رحاها كل شيء ، ولم تُبقِ ولم تذر ، تلك الحرب التي جعلت الناس يبحثون عن رجل رشيد ؛ ليوقفها ، فلم يجدوه ، ويلتمسون ركنا شديدا ؛ ليأووا إليه ، فلم يظفروا به ، افتقد الناس رجالا مثل هرم بن سنان والحارث بن عوف.

تجدهم يمشون في شوارع المدينة جيئة وذهابا ، صباحا حين يتسلل ضوء الفجر ويبرز سنا الصبح ، وظهرا حين تلفح أشعة الشمس الحارقة وجوه العباد ، ولا يحجبها عنهم سوى عمائمهم البيضاء التي تتعاضد طبقاتها الملتفة بعضها فوق بعض لصد ذلك الهجير الذي بلغ غايته هذا العام، ومساءً حين يأوي الناس إلى مضاجعهم ويجتمعون مع ذويهم.

يعانون الوحدة في المنزل ، ويقاسون الجفوة خارجه ، في المنزل ؛ حيث لا تستهويهم حياة الشقق المغلقة ، ولا يستوعبون قضية عدم دخول الجيران عليهم في كل وقت ، ولا يتقبلون مسألة انشغال ذويهم عنهم بالعمل والدوامات الطويلة ، أو النوم العميق المطول ، تجدهم غير قادرين على تعديل ساعاتهم البيولوجية ، فمازالت تعمل بتوقيت الخرطوم ، وفي الخارج؛ حيث لا ينسجمون مع الآخرين ، ولا يدركون لغاتهم ، ولا يفهمون كلامهم.

أُخرِجوا من ديارهم ، وقمة الفجيعة أن يُخرج الإنسان من داره ، فقد عانى من ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم حين أُخرِج من مكة ، وهي أحب البلاد إليه وإلى الله ، ولولا أن قومها أخرجوه ما خرج.

وأنا على جلستي تلك جاءني أحد الأعمام ، فألقى عليّ السلام ، جاءني فرِحًا متهللا ، فقد وجد فيَّ بعضا مما افتقده في صباحات العيد ، طلبت منه الجلوس ففعل ، ثم جاء آخر وثالث ورابع ، فتحدثت معهم عن العيد في ديارنا ، وكيف أننا نفتقد الأنس والأهل والأصدقاء والأحباب ، ونشتاق إلى لمَّة الناس الذين يدخلون عليك دارك ، وأنت جالس أو متكئ أو نائم ، تأكل أو تشرب أو تتحدث ، مرهق أو متعب ، سليم أو مريض ، سعيد أو حزين ، عن صباحات الأعياد التي ترتسم الفرحة في كل جنباتها ، في قفزات الأطفال وملابسهم ، وضحكات الكبار وتجمعات الشباب ، وتتسق الطبيعة مع كرنفالات الفرح تلك ؛ فتسعدهم وتسعد معهم.

بادر العم جبر الدار من بين رفقته ، فاستلم راية الحوار قائلا :

يا ولدي أنا هنا ما حاسي بالعيد ووالله ما كنت متوقع أطلع من بيتي ، ثم ضعف صوته ، وشحب لونه ، وتحشرجت نبرته ، ثم أردف :
حسبنا الله ونعم الوكيل ، استقرت بي الأمور في البلد بعد غربة طويلة ، أكمل الأولاد تعليمهم ، وتزوجوا ، وشعرت أني أديت مهمتي ، واشتريت بيت ، واستعدت علاقاتي القديمة واسترجعت صداقاتي التليدة ، واستمتعت بوقتي ، إلى أن حصل الحصل ، جونا ونحن بنشرب الجبنة في ضل الضحى وأخرجوني من البيت احتلوا البيت واضطررت للسفر لبنتي المقيمة هنا.

ولسان حاله يقول :

فليس كل مكان آمنٍ وطنا
وليس كل بريق لامع ذهبا
وكيف دون بلادي أرتضي وطنا
أعن أبيه فقيرٌ يستعير أبا؟

إنهم يعيشون هنا آمنين ، لكنهم ليسوا مطمئنين ، يجدون كل معينات الحياة الكريمة ، ولكنهم لا يجدون الحياة ، ولا يحسون معناها.
ثم إلى العم تاج السر – وكان أكبرهم سنا – الذي قال :
يا ولدي أنا أول مرة أخرج من السودان وأول مرة أخرج من قريتي أصلا ، نحن من الجزيرة ، مدني دي ما مشيتها ، ساكن قريب من النيل ، عمري كله من البيت للحواشة للنيل ، ما كنت أتوقع يحصل الحصل دا ، وزي ما قال حميد :
زي الحال دا يوم ، لا كان لا حصل .

ثم أكمل :
جونا جوة بيوتنا وقتلوا الشباب ، وخربوا الحواشات ، وبدأوا النهب والاغتصاب ، ثم أطرق وهو يقول : والله قصص ما بتتحكي.

وتحدرت منه دمعتان متوازيتان كأنهما فرسا رهان ، تريد كل منهما أن تبلغ خط النهاية قبل أختها.

ثم أكمل :
بقت علينا الحياة صعبة ، ولما رسل لي ولدي قال لي تعال يا أبوي ما كنت عايز ، لكن ما كان عندي حل غير كدة ، هسة في الشقق المقفلة دي الرطوبة خشت عضامي ، لا بعرف الليل من النهار ولا الغداء من العشاء ، ولا الظهر من العصر ، بلدنا مهما كانت ، لكن نسوي شنو؟! وكررها كذا مرة ، ولسان حاله :
بلاد ألفناها على كل حالة
وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتستعذب الأرض التي لا هواء بها
ولا ماؤها عذبٌ ولكنه وطن

ثم أردف قائلا :
الله يجازي الكان السبب كنا كويسين عايشين حامدين شاكرين.

والتفتُّ للعم موسى الذي شعرتُ أن لديه كلاما كثيرا يريد قوله ، وفعلا بادرني قائلا :

أنا ساكن الخرطوم ومع بداية الحرب نزحنا من الخرطوم لمدني ، قلنا مدني أكثر أمنا ، قعدنا فيها فترة ، وبعد داك القصة جاطت وجاتنا الحرب في مدني واحدة من بناتي كانت برة في الشارع راجعة البيت جاتها رصاصة ماتت في لحظتها ، ولدي الأكبر منها جرى يلحقها ومن ديك ما شفناه ، ما رجع ، لا عارفينه حي ولا ميت ، خلينا مدني ، ومشينا بورتسودان ، غلبتنا القعدة مع ذكريات الحزن ، واحدة ماتت وواحد اتفقد ، قامت بنتي الكبيرة شغالة هنا طبيبة رسلت لي قالت لي تجي ، أسوي شنو جيت.

أما الحاج فضل الله ، فتلك قصة أخرى لم يروها ؛ فقد هطلت منه دمعتان مسرعتين فارَّتين من جحيمه الداخلي ، هاربتين من حرقته المتلظية ، لم يقل شيئا ، ولكن صمته كان أبلغ تعبير.

هكذا انتهت جلستي أو قل قصتي مع هؤلاء ، مع كبار السن ، بركة البيوت ، وروح القلوب ، وحياة النفوس ، لكن قصتنا الكبرى لمّا تنتهِ بعد.

 

[email protected]

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..