أركلوا البقرة

الفاروق عبد المنعم
ﻓﻲ نيودلهي عاﺻﻤﺔ الهند ، ﻛﺎﻥ ﺳﻔﻴﺮًا ﺑﺮﻳﻄﺎﻧيًا ﻳﻤﺮ ﺑﺴﻴﺎﺭﺗﻪ ﻣﻊ ﻗﻨﺼﻞ مملكته ﻭﻓﺠﺄﺓ … ﺭﺃﻯ ﺷﺎﺑﺎ ﻫﻨﺪﻳًﺎ ﺟﺎﻣﻌﻴًﺎ ﻳﺮﻛﻞ ﺑﻘﺮﺓ برجله ..
ﻓﺄﻣﺮ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺳﺎﺋﻘﻪ بأن ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺑﺴﺮﻋﺔ ، ﻭﺗﺮﺟّﻞ السفير ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻣُﺴﺮﻋًﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ “ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ”، ﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﺎ ذلك ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺻﺎﺭﺧًﺎ ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻪ ، ﻭﻳﻤﺴﺢ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪﻫﺎ ﻃﻠﺒﺎ للصفح ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ، ﻭﺳﻂ ﺩﻫﺸﺔ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ ، ﺍﻟﺬﻳﻦ اﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﺑﻌﺪ ﺳﻤﺎﻉ ﺻﺮﺍخ السفير ، ﻭﻭﺳﻂ ﺫﻫﻮﻝ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﻳﻦ … ثم اﻏﺘﺴﻞ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺑﺒﻮﻝ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﻭﻣﺴﺢ ﺑﻪ ﻭﺟﻬﻪ ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ إﻻ ﺃﻥ سجدوا ﺗﻘﺪﻳﺮًﺍ للبقرة التي ﺳﺠﺪ لها ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ .
ثم بعد ذلك أحضرﻮﺍ اﻟﺸﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺭكل البقرة ﻟﻴﺴﺤﻘﻮه أﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ اﻧﺘﻘﺎﻣﺎ ﻟﻘﺪسية ﻣﻘﺎﻣﻬﺎ ﻭﺭﻓﻌﺔ ﺟﻼﻟﻬﺎ .
ثم عاد السفير الى سيارته ﺑﺮﺑﻄﺘﻪ ﻭﻗﻤﻴﺼﻪ ﺍﻟﻤُﺒﻠﻞ ﺑﺒﻮﻝ البقرة ﻭﺷﻌﺮه ﺍﻟﻤﻨﺜﻮﺭ .. ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻟﻴﺮﻛﺐ ﺳﻴﺎﺭﺓ اﻟﺴﻔﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻘﻨﺼﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺎﺩﺭه باﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﻭﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﻘﺘﻨﻊ ﺣﻘﺎ ﺑﻌﻘﻴﺪﺓ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﺒﻘﺮ ؟! .
فأجاب ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ إجابة تعكس عبقرية الطغيان على العقول ، حيث قال :
إن قيام ﺍﻟﺸﺎﺏ بركل البقرة هو ﺻﺤﻮﺓ للعقول ، ﻭﺭﻛﻠﺔ ﻟﻠﻌﻘﻴﺪﺓ الهشة ، ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺮﻳﺪﻫﺎ أن تستمر ، ﻭﻟﻮ ﺳﻤﺤﻨﺎ ﻟﻠﻬﻨﻮﺩ ﺑﺮﻛﻞ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ .. ﻟﺘﻘﺪﻣﺖ ﺍﻟﻬﻨﺪ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﻋﺎﻣًﺎ ﺇﻟﻰ الأمام .. حينئذ ﺳﻨﺨﺴﺮ ﻭﺟﻮﺩﻧﺎ ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﻨﺎ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ ، ﻓﻮﺍﺟﺒﻨﺎ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﻲ ﻫﻨﺎ … أﻥ ﻻ ﻧﺴﻤﺢ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﺑﺪﺍ..
يقول المؤرخ في جامعة ستانفورد ، روبرت بروكتر ،، إلى القول بأنَّ سياسة التجهيل قد ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى في الشركات التجارية الكبرى من خلال تسويقها لمنتجاتها ، لا سيما شركات التبغ ، وذلك بنشر معلومات زائفة وغير صحيحة على أنَّها حقائق بهدف كسب الأرباح عبر تضليل المستهلكين ، كما ذهب إلى أنَّ سياسة التجهيل تقوم على استغلال ضعف المنظومة التعليمية وتردِّيها في المكان المراد ممارستها فيه ، فهو أسلوب يُستخدم لتضليل الناس وخداعهم من خلال نشر معلومات تعزِّز تشويه الحقائق، باستخدام وسائل ومهارات متقدمة بحيث تبدو الحقائق مشوشة ، ثمَّ يتهيَّأ الذهن لاستقبال نمط من الوعي الزائف المنافي للحقيقة.
إني على قناعة تامة بأنه مهما اخترعت البشرية من أسلحة فلن تكون أكثر فتكًا من سلاح الجهل ، ولن تجد مهددًا لكل حكومات العالم أكبر من التعليم.
فالشعوب المتعلمة يصعب خداعها ، يصعب الكذب عليها ، يصعب سرقتها ، يصعب تضليلها ، يصعب الضحك عليها، يصعب هضم حقوقها ويصعب احتلالها لذلك تجدهم يُجهلون الشعوب ليسهل عليهم قيادتها كما يقود الراعي القطيع، وتجدهم يحاربون كل من يركل البقرة أو يحاول توعية الشعوب من داعاة وعلماء وصحفيين واستاذة ؛ لأنهم يدعون الحقيقة والوعي ، كما حارب أهل قريش رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام.
هانحن في القرن الواحد وعشرون وما يزال مجتمعنا حتى الآن يعاني من الجهل والفقر والتخلف والحروبات ، والجوع ، والفساد والسرقة والاغتصاب والقتل والنهب ، ما يزال بعضنا يطوف بالقباب ويستنجد بالقبور والأضرحة ويعلق التمائم ، ومازال التعليم آخر اهتمامات الدولة والمعلم يرثى لحاله.
ختامًا أقول إذا أردنا التقدم علينا أن نركل البقرة ، أن ركل الجهل والتخلف والعادات والتقاليد المضرة والعقائد الفاسدة ، أن ركل الحروبات والعنصرية والجهوية والتفرقة ، علينا أن نعي فليس هناك أقوى من الوعي.




لذلك يجب ان تكون اولوية البلاد بعد تحقيق السلام،انجاز مشروع لمحو الامية خلال عام واحد…حتي لو اشتغل كل الناس في ذلك المشروع…فقد ضاع اكثر من عام في حرب عبثية…