مقالات وآراء

استبدال العملة .. تجربة كسابقاتها أم هناك خطة وهدف؟!!

التاج بشير الجعفري

 

[رؤيتي]

استبدال العملة .. تجربة كسابقاتها أم هناك خطة وهدف؟!!

 

عادة تلجأ الدول لاستبدال عملاتها الوطنية لمعالجة مجموعة من المشاكل التي تضر بالإقتصاد وتعيق نموه .. من ضمنها التزوير والتضخم المفرط والحد من الأموال المستخدمة في أنشطة المخدرات والتهريب والفساد والتي يتم تداولها خارج القنوات المالية الرسمية ؛ حيث تفضي معالجة هذه المشاكل ، مع وجود برنامج إصلاح إقتصادي ، إلى تعافي الإقتصاد وتعزيز ثقة المستثمرين فيه مما يزيد من إمكانية جذب الإستثمارات الأجنية وخلق فرص العمل.

ولنجاح عملية استبدال العملة يجب أن يترافق معها خطة شاملة للإصلاحات الإقتصادية والنقدية حتى تساهم العملية بشكل إيجابي في تحقيق الإستقرار الإقتصادي الذي سيعزز الثقة في الإقتصاد ويؤدي لزيادة الإنتاج الذي هو الهدف المنشود.

وفي هذا السياق فإن تجربة البرازيل لإستبدال عملتها (للريال البرازيلي) في العام 1994م تعتير من التجارب الناجحة وذلك لأنها إرتبطت بخطة إصلاح إقتصادي شامل تمكنت بها من خفض معدل التضخم من 2000% إلى 10% وحققت نمو إقتصادي بوتيرة مستقرة بعد سنوات من الركود.

ومثلما أن هنالك تجارب ناجحة لعملية استبدال العملة في بعض البلدان فإن هنالك تجارب فاشلة مثلما حدث في زيمبابوي في العام 2009م حينما استبدلت عملتها المحلية بالدولار الأمريكي وأدى ذلك لإستقرار نسبي على المدى القصير تفاقمت بعدها الأوضاع الإقتصادية في ظل غياب خطة إصلاحات إقتصادية يجب أن تتزامن مع عملية إستبدال العملة وتعتبر واحدة من متطلبات نجاح خطة الإصلاح الإقتصادي.

وبالنظر لعملية إستبدال العملة الوطنية (من فئة ال ١٠٠٠ وال ٥٠٠) والتي تجري حالياً .. يبدو أن الهدف من العملية هو مكافحة التزوير ووالحد من الأموال المستخدمة في التهريب وغيره من الأنشطة غير القانونية والتي تضر بالإقتصاد أيما ضرر.

ورغم أن مكافحة التزوير والتهريب تعتبران من الضروريات لتهيئة البيئة السليمة لتعافي الإقتصاد ونموه ؛ إلا أن أهدافاً أخرى هامة مثل خفض معدل التضخم وتشجيع الإنتاج وجذب الإستثمارات وتعزيز النمو الإقتصادي ؛ جميعها لن تتحقق بسبب عدم وجود خطة إصلاحات إقتصادية ذات أهداف ومرامي محددة مقرونة بسياسات مالية ونقدية وقانون واضح يشجع دخول الإستثمارات الأجنبية .. أقول في ظل غياب كل هذه المتطلبات لن يساهم إستبدال العملة في تحقيق الإستقرار الإقتصادي والذي سيفضي بدوره لوفرة السلع وإنخفاض الأسعار ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين.

نتفهم جيداً ما تمر به البلاد من ظرف أمني وسياسي حرج .. ولكن كان من الأجدر العمل على تطبيق جزء من برنامج الإصلاح الإقتصادي الإسعافي (٢٠٢١م – ٢٠٢٣م) الذي تم إعداده وبدأ تنفيذه خلال الفترة الإنتقالية السابقة ، حتى نتمكن من وضع لبنة في طريق الإصلاح الشامل الذي يتطلب فيما يتطلبه خفض عجز الموازنة وتقليل النفقات الحكومية ودعم الصادرات بتوجيه الموارد المتاحة للإنتاج ومكافحة الفساد.

شيء آخر ترافق مع عملية استبدال العملة وهو سحب فئة “الخمسمائة” دون أن يتوفر بديلها حتى الآن وهو ما أدى للعجز الواضح في المعروض من النقود وهي المعضلة الكبيرة التي يعيشها المواطن الآن.

نأمل أن يتم توفير فئة ال ٥٠٠ والتي تعتبر الأكثر تداولاً بسبب إرتفاع الأسعار وخروج الفئات الصغيرة من فئة ال ٢٠٠ وال ١٠٠ (مجازاً) من التداول الفعلي إلا بكميات كبيرة قد يصعب التعامل معها نسبة لإرتفاع الأسعار باستمرار..

ختاماً ، عملية إستبدال بعض فئات العملة الوطنية الكبيرة وإن نجحت في مكافحة التزوير وكشف الأموال الغير شرعية (نأمل ذلك) والتي يتم تداولها خارج القنوات الرسمية ؛ يمكن أيضاً إعتبارها خطوة في الإتجاه الصحيح … ولكن لابد أن تتبعها خطط مدروسة بعناية لعملية إصلاح إقتصادي شامل نستطيع من خلالها توظيف الموارد المحلية المتاحة (صادرات الذهب والمنتجات الزراعية والحيوانية) وتوجيهها نحو الإنتاج الذي هو الطريق الوحيد لتحقيق الإستقرار الإقتصادي المنشود.

في الختام نأمل أن نسمع من وزير المالية والتخطيط الإقتصادي عن ما تعكف عليه وزارته حالياً بخصوص الإصلاحات الإقتصادية التي يجب أن تترافق مع هذا التوجه الذي أفضى إلى قرار أستبدال العملة.🔹

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..