خطاب التضامن والتعاضد وحب الآخر

تاج السر محمد بدوي زين العابدين
اتخذت لهذا المقال العنوان اعلاه بديلاً عن “خطاب الكراهية” المنتشر خلال هذه الحرب العبثية في رسائل كثيرة مكتوبة ومسجلة بالصوت والصورة ، والهدف هو التشجيع على الابتعاد عن المشاركة في الترويج لرسائل الانهزامية القاتلة لروحنا المعنوية فوق الإحباطات التي تغمرالمواطنين عامة.
1. ظاهرة الكراهية الجهوية هذه قديمة ولها جذور ومسسبات تاريخية لن تنسى ولن تمحى إلا ببرامج توعية علمية مدروسة يجب ان تقوم بها اول حكومة يكون لها سند شعبي قومي بعد إنتهاء الحرب. ولكن هذا الموضوع هام ويجب الشروع في معالجته فوراً وأن تضطلع به الآن جماعات شعبية تتشكل في كل مكان لمحاربة هذه الظاهرة باطروحات مضادة تدعو إلى التضامن والتعاضد في زمن الحرب الداخلية المستعرة حتى الآن والتي يقتل فيها بعضنا بعضاً. لقد خلقت هذه الحرب بيئة شجعت بعضنا على إحياء روح الكراهية. يكفينا درس إنفصال جنوب السودان الذي كانت للكراهية الجهوية دور كبير جداً في إنفصال الجنوب ولا ننسى أن ذلك كان هدف استراتيجي لأعداء البلاد. ويتكرر اليوم وقوف نفس الأعداء خلف مروجي خطاب الكراهية الجهوية اليوم سعياً لتقسيم البلاد.
2. من المفيد تحديد نطاق خطاب الكراهية لكي يسهل محاربته. يلاحظ ان آفة الكراهية يروج لها افراد قليلون فعلاً ولكن المشكلة هي انهم يروجون لمرضهم هذا عبر وسائل التواصل الإجتماعي مثل الواتساب والفيسبوك وغيرهما ويتناقلها الناس وينشرونها بسهولة ، وهذا ما يعطي خطابهم حجماً اكبر من حقيقة الآفة ولذلك يجب ان لا يسمح لهذه الشراذم القليلة العدد بإحداث اضرار كبيرة وخطيرة في بنية الدولة.
3. من حيث النطاق الجغرافي هناك افراد يفترضون انهم يمثلون شمال السودان بل ويفترضون انهم يتحدثون بإسم السودان النيلي والبحري كله وهذا إفتراء وتعدي إجرامي. وبالمقابل هناك افراد قليلون يفترضون انهم يمثلون دارفور بل ويفترضون انهم يتحدثون بإسم غرب السودان كله وايضاً هذا إفتراء وتعدي إجرامي. يندس المرضى بآفة الكراهية في هذين النطاقين الجغرافيين ويبثون سمومهم بإسم شعوب وقبائل إنصهرت منذ قرون في بوتقة السودان الموحد. هؤلاء المرضى القليلون الذين في الشمال تحرك كراهيتهم لإنسان دارفور خلفيات تاريخية اندثرت، وايضاً هم متأثرين بمواقف شخصية من قادة سياسيين سابقين وحاليين اظهروا كراهية جهوية بطرق مختلفة غير لائقة بل إجرامية. ويظن هؤلاء المرضى ان الأضرار التي تصيبهم إنما هي من الدعم السريع ووفق تخيلاتهم يعتقدون ان الغرب يتحمل مسؤولية الدعم السريع وهم ينسون أن الغرب اكتوى قبلهم بنار الدعم السريع ولا يزال يكتوي. ونفس الشيء يقال عن المرضى القليلون الذين في الغرب من ان كراهيتهم لها خلفيات تاريخية ضد اهل الشمال واندثرت هذه الخلفيات التاريخية ولكن المصابون بآفة الكراهية يصرون على نبش الماضي.
4. يجب إبراز العناصر الايجابية لبلورة خطابات التضامن والتعاضد وأن يتم الحديث عنها تكراراً في كافة المنابر المرئية والمسموعة لكي يصبح هو الخطاب الشعبي لمحاربة خطاب الكراهية وللدفع نحو السلام.
اول العناصر الايجابية هو ان تنوعنا واختلافنا الإثني عن بعضنا البعض هو مصدر قوة ومنعة. الحقيقة هي أن جميع الدول القوية في العالم استغلت بإيجابية تنوعاتها واختلافاتها الاثنية فاصبحت غنية وقوية ومنيعة ومهابة ولنفس هذا السبب يريد اعداؤنا ان تتقسم بلادنا إلى وحدات صغيرة متحاربة تقتل بعضها بعضاً. لقد جعل الله تعالى الناس على هذا النحو “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم” – سورة الحجرات. يجب علينا أن لا نمل من تكرار هذا العنصر الايجابي لكي ندفع نحو السلام ونتضامن ونتعاضد ونتعايش في دولة قوية ومهابة.
5. العنصر الثاني والهام جداً هو البعد الاستراتيجي. من المفاهيم العسكرية البسيطة والاساسية هو أن إتساع مساحة الدولة يوفر لها إمكانيات هائلة للخطط الدفاعية منها خطوط الإمداد والمرونة للتكتيكات العسكرية فكيف يشجع أي سوداني عاقل على تقسيم بلده لمجرد كراهية الآخر. هذا الآخر إن كان في البطانة أو في دارفور أو في كردفان أو أعماق النيل الازرق أو في اقصى شمال السودان أو شرقه يشكل مرتكزاً عسكرياً لحماية البلاد.
5. العنصر الثالث والهام جداً هو التنوع الاقتصادي لبلادنا الذي كان ينبغي ان نخلق منها قوة إقتصادية جبارة وثراء متدفقاً يغني بلادنا شمالها وشرقها ووسطها وغربها وجنوبها ، ولكن عوامل كثيرة من بينها العنصرية الجهوية عطلتنا وأعاقتنا وشغلتنا من بذل الجهود لأستثمار ثرواتنا فاصبحنا افقر فقراء العالم؟؟؟ كيف؟ ألا يكفي هذا لإحلال خطاب التضامن والتعاضد محل خطاب الكراهية والبغض العنصري.
6. العنصر الرابع هو أن الكراهية كعاطفة هي مسألة شخصية بين الافراد فإذا تعدت نطاق الافراد إلى النطاقات العامة بحيث تؤثر على بنية الدولة ومصالحها الاقتصادية والعسكرية كما وصفنا اعلاه عندئذ تكون آفة الكراهية الجهوية بحاجة لردع رسمي من جهات إنفاذ القانون ، ويجب أن يكون هناك تحرك فوري وعاجل من القانونيين لإيجاد تشريع لتجريم ظاهرة الكراهية المتعدية على مصالح الدولة.
7. لقد بلغ الانصهار بين مواطني البلاد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً حد التماهي الوطني، ففي اي بقعة داخل السودان تجد علاقات قربى كثيرة ومشابكة مع شتى بقاع السودان الاخرى بحيث تشكل خطابات الكراهية الجهوية إساءات محرجة للجميع. لقد اصبح لزاما على الجميع بذل كل جهد ممكن للتصدي لهذه الإساءات الجهوية لإيقافها ومنعها تماماً.



