مقالات وآراء

المعاش … بداية الحياة لا نهايتها!

✍ حسن عبد الرضي الشيخ

 

في السودان، لا يزال “المعاش” يُصوَّر – للأسف – كمرادفٍ لنهاية العجز عن الخدمة، وتقاعد الشيخوخة، وبداية الانزواء، بل والانتظار الطويل في رواق النسيان! يطغى على هذا المصطلح في المخيلة العامة جوٌّ قاتم من الأسى، وكأننا نتحدث عن فصل الإنسان من رحلته الكونية، لا عن نقلة نوعية في مسيرته نحو النضج والعطاء المتجدد. وهذا الانطباع لم يتكوَّن مصادفة، بل هو ثمرة تراكمات طويلة من السياسات الفاشلة، والحكومات الشمولية، وتآكل العملة، وانهيار القيم، والاستهانة المزمنة بقيمة الإنسان، ولا سيما أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.

 

لقد أُهين المتقاعد في بلادنا، وقُزّمت تجربته، وسُرقت كرامته، وكأن سنوات التضحية والعمل مجرد رقم يُطوى في سجل مهترئ. فلا تقدير ولا رعاية، بل طوابير إذلال، ومعاشات مجحفة، ونظرات شفقة لا تليق بمقامه.

 

ولكن، ماذا لو أعدنا التفكير؟ ماذا لو تحررنا من الصندوق الذي سُجنّا فيه طويلًا؟ ماذا لو نظرنا إلى سن التقاعد لا كعبءٍ اقتصادي، بل ككنزٍ وطني؟ كمرحلة ذهبية ينبغي أن يُحتفى بها، ويُخطط لها، وتُبنى عليها استراتيجيات التنمية، لا أن تُهدَم بها!

 

نعم … آن الأوان أن نكسر تلك “القولبة” الجائرة. فالمعاش ليس شهادة خروج من الحياة، بل دعوة للولوج الأعمق إلى فضاءات الإبداع، والإنجاز، والتأثير. إنها الفرصة الذهبية لاستعادة الإنسان لذاته الحرة، المثمرة، الحكيمة.

 

في الدول المتقدمة، تُبنى السياسات على مبدأ “الاستثمار في الإنسان”، لا “التخلص منه”. نرى المتقاعدين يُحتفى بهم : يُمنحون أدوارًا استشارية، يُشاركون في رسم السياسات، يُكرَّمون ماديًّا ومعنويًّا، وتُترجم خبراتهم إلى مشاريع تنموية فاعلة.

 

أما في السودان، فنحن بحاجة إلى ثورة مفاهيم تبدأ من الاعتراف بأن المعاشي ليس عبئًا، بل طاقة كامنة. ليس مستهلكًا، بل منتجًا للمعرفة، والحكمة، والرؤية العميقة. لِمَ لا تكون لدينا “هيئة وطنية للخبرات”؟ لِمَ لا تُنشأ مراكز لتوظيف المتقاعدين كمدربين، ومستشارين، ومرشدين؟ لِمَ لا تُفتح لهم أبواب الإعلام، والمشاركة السياسية، ومجالس التخطيط والإعمار؟

 

وقد عنّ لي أن أقترح على “وزارة كامل الأحلام” – إن قُدّر لها أن ترى النور، ولا أظن – أن تجعل من “الاستثمار في الخبرات” أولى مشاريعها. وإن كان لي أن أحلم حلمًا ناضجًا، قابلاً للحياة – والحلم كما يُقال جنين الواقع – أن يكون المعاشيون هم المدخل الأهم للإصلاح الإداري، والمؤسسي، والنهضوي.

 

عندها، لن يكون هنالك انتظار في طوابير المهانة، بل صعود إلى مقاعد تليق بمن خدموا هذا الوطن بعرقهم وأعمارهم. ولن تكون “المعاش” كلمة مرادفة للركود، بل للرفاه، والكرامة، والاعتراف المؤسسي بقيمة الإنسان.

 

تخيلوا لو عَلِم موظفو اليوم أن نزولهم إلى المعاش يعني انطلاقة نحو حياة مريحة، نشطة، مليئة بالفرص والتكريم، لا السقوط في هوامش النسيان! كيف سيكون عطاؤهم حين يشعرون أن المستقبل ليس فخًا، بل جائزة؟ كيف سيكون أداؤهم حين يرون من سبقهم يُستشار، يُكرَّم، ويُحتفى به في المجتمع والدولة؟

 

لقد رأينا جميعاً، على شاشات الفضائيات، قبل سنوات، كيف خرج الفرنسيون في احتجاجات ضخمة حين قررت دولتهم رفع سن التقاعد. لم يكن السبب كرههم للعمل، بل عشقهم لحياة التقاعد المزدهرة التي وفّرتها لهم دولتهم. لأنهم يدركون أن التقاعد ليس انسحابًا من الحياة، بل استمتاعٌ راقٍ بها.

 

فهل يمكننا أن نتعلم؟ أن نستلهم؟ أن نُبدع؟

هل يمكننا أن نجعل من “المعاش” جائزة لا عقوبة؟ مصدر أمل لا رمز خيبة؟

 

نعم، آن أوان التغيير الجذري. لِنفكر خارج الصندوق. لنصمم استراتيجية وطنية تُعيد بناء صورة المعاشي. لِنُطلق مبادرة قومية تُكرّم المتقاعدين وتُعيدهم إلى قلب الفعل الوطني. فالمعاش ليس نهاية، بل بداية أخرى … أكثر وعيًا، أعمق أثرًا، وأجمل عطاءً.

 

ما أطمح إليه هو دفقة حلم حقيقي لحكومة الأمل، لا كابوسًا يتحتم أن تتخبط فيه “وزارة كامل الأحلام” التي لا تُحسن سوى توزيع الوعود الوردية، بلا عشم، ولا عائد.

أهدي هذه الفكرة لكل من ينظر إلى غدٍ أكثر عدلاً وإنسانية.

وإن غدًا لناظره قريب!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..