وزير رهيب

عزالدين فضل آدم
تابعت بإهتمام شديد الحملتين اللتين قادها معظم السودانيين في الأيام السابقة؛
حملة لإستقبال الوزراء القادمين؛
برز فيها استعراض ضخم لمؤهلاتهم وسيرهم الذاتية؛
وحملة أخرى مقابلة تعدد خسارة البلاد لجهد الوزراء المغادرين؛
وقدراتهم الخارقة في خدمة مجال عملهم؛
تصدر الحملتين صحفيون وكتاب رأي ومهنيون وقادة مجتمع …
ولكن القاسم المشترك فيهما أن المدح والثناء للقادمين والمغادرين معاً كان مبنياً على العاطفة والمجاملة؛
او المعرفة بالسمات الشخصية الناتجة من تواصل شخصي؛
تجد من يقول عن الوزير:
كان متديناً؛
كان متواضعاً؛
كان يحب الطواف الميداني؛
كان عالماً متميزاً؛
وبكل تأكيد هذه السمات الشخصية مهمة؛
وهي تمثل الحد الأدني من المعايير لكل من يتقدم لخدمة الناس في وظيفة عامة؛
ولكن المؤسف في الأمر أن نكتفي بهذه السمات الشخصية العامة؛
ونتجاهل المعايير الجوهرية المطلوبة لأعلى مستوى في قيادة الدولة؛
ولا نسأل عن المقاييس الأساسية لإداء الوظيفة الوزارية Key Performance Indicators KPIs
بالنسبة للوزراء القادمين:
لم نجد من يحلل الظرف السياسي والإقتصادي والمجتمعي والمعيشي والأمني المعقد الذي تمر به البلاد ..
ثم يحلل من خصال وقدرات ومهارات هؤلاء الوزراء الجدد ما يدلل بأنهم يملكون الخبرة الكافية فيما يأهلهم للعمل في هذه الظروف التي تحتاج لخبرات كافية في:
إدارة الطوارئ والأزمات الإنسانية؛
إدارة المخاطر ؛
التواصل مع الجماهير؛
بناء السلام ورتق النسيج المجتمعي؛
الجودة والتميز المؤسسى؛
الحوكمة والتأسيس؛
القيادة والحكم الرشيد؛
ادارة الموارد؛
التنمية البشرية؛
تطوير المجتمعات المحلية؛
بناء أجهزة الدولة؛
تطوير مؤسسات الحكم؛
إدارة النزاعات؛
إدارة مرحلة ما بعد النزاعات؛
القدرة على التواصل مع المؤسسات الدولية؛
إقامة الشراكات المنتجة؛
التعبئة للعمل؛
إستقطاب الدعم وتفجير الموارد المحلية؛
الخ …
أما بالنسبة للوزراء المغادرين:
لم نجد أحد من المادحين لهم يستعرض حصادهم في الإنجاز بالحقائق والأرقام؛
لم نجد من يبرز خططهم الإستراتيجية ثم يستعرض ما أنجز فيها وفقاً لمؤشرات الإداء العالمية المعروفة
فيقول مثلا:
هذا الوزير حقق نسبة كذا من كذا في مجال الأهداف الإستراتيجية المعلنة من قبل وزارته؛
لم نجد رقماً يدل على تحول ملموس في مجال قياس الأثر impact assessment;
لم نجد رقماً يتناول الموارد التي استقطبها؛
ونشراً لحجم الأعانات التي استلمها وأين وزعها؛
لم نجد مؤشراً يدل على نسبة المخاطر التي قام بإبعادها؛
ونسبة المنافع والتدخلات والخدمات التي جلبها؛
لم نجد مؤشراً يوضح مستوى الشفافية والمحاسبة في الإدارة المالية لموارد وزارته؛
لم نجد مؤشراً يوضح الإختراقات التى قام بها في الملفات المعقدة؛
او تحولاً جوهريا في القضايا العالقة؛
لم نجد مؤشراً يقيس تجربة المواطن في الحصول على خدمات الوزارة ورضاه عن مستوى الخدمة؛
لم نجد ما يوضح حجم الإنجاز في بناء الكوادر وتنمية قدراتها المهنية؛
لم نجد ما يفيد بأن الوزارة إستطاعت ان توظف نسبة من الكوادر النازحة في مناطق أخرى للإستفادة من خدماتها؛
لم نجد ما يشير لنسبة عودة المؤسسات المتوقفة، او إعادة تأهيل المحطمة، او زيادة السعة الإستيعابية في المناطق الآمنة بما يتماشى والحوجة التي فرضتها ظروف النزوح؛
لم نجد مؤشراً يوضح تمتع أجهزة وأنظمة الوزارة بآليات فاعلة توضح المرونة الكافية للتعامل مع الأزمات والكوارث ..
لم نجد ما يفيد بأن الوزير قدم نموذجاً يحتذى في العمل المهني في حالة الحروب، إستفاد فيه من منهجيات وتجارب شعوب أخرى، وقدم تجربة فريدة تعبر عن ظروف السودان وتركيبته الخاصة …!
لم نجد حلولاً مبتكرة ومنهجيات متطورة نقلت طبيعة العمل في وزارته من عمل تقليدي لفصل جديد قائم على المؤسسية والحداثة والرقمنة ومخاطبة تحديات المستقبل …
لم نتطرق لمعايير من هذا النوع في تقييمنا للوزراء سواء كانوا قادمين او مغادرين …
وذلك لأن أرثنا الثقافي والمجتمعى دائماً ما يقوم على عاطفة مبنية على إنطباع الآخرين …
نبصم على تجاربهم ونحكم بحكمهم ثم نهلل ..
ده وزير كارب تلقاه في اي مكان حائم ..!
ده وزير أصلي معانا في كل أفراحنا وأتراحنا ..!
ده وزير رهيب … زول انيق ومرتب وبتكلم كرجل دولة ..!
كسرة:
بعيداً عن القادمين والمغادرين (ما بُنى على باطل فهو باطل)


