أهم الأخبار والمقالات

المشهد السوداني ومآلاته

عبد القادر محمد أحمد / المحامي

أولًا: أطراف المشهد

(1) حكومة بورتسودان:

نشأت في أكتوبر 2021، بانقلاب المكوّن العسكري، بالتحالف مع الإسلاميين والحركات المسلحة، على الحكومة الانتقالية (وثيقة 2019). عُدِّلت الوثيقة بتكريس كل السلطات في يد السيادي (البرهان). واجه الانقلاب مقاومة شعبية وعدم اعتراف الخارج، مما فاقم الأزمة وأدى إلى نشوب الحرب. رفع الانقلاب شعار “نعم للحرب” و”المجد للبندقية”.

لقرابة خمس سنوات، ظلّ الانقلاب بدون حكومة مدنية. وأخيرًا تم تعيين د. كامل إدريس لتشكيل ورئاسة حكومة مدنية، لكن الإسلاميين لم يتحمّلوا حتى فكرة أن يتولى غيرهم، ولو شكليًا، هذه المهمة، فقاموا بتعيين بعض الوزراء من صفوفهم، وقد علّق أحد منسوبيهم على ذلك: “لا داعي لدفن الرؤوس في الرمال”.

(2) حكومة نيالا:

قوامها قوات الدعم السريع التي انشقت عن الجيش عند اندلاع الحرب، وكونت “تحالف تأسيس” مع الحركة الشعبية وبعض الأحزاب وبعض حركات دارفور وشخصيات مستقلة. وقعت “تأسيس” ميثاقًا يتحدث عن حل جذري للأزمة بالتحول إلى الدولة المدنية العلمانية، والتداول السلمي للسلطة، والتنمية المتوازنة، وعدالة توزيع الثروة.

تم تكوين هيئة قيادة برئاسة الفريق حميدتي وعبد العزيز الحلو نائبًا له، وحتى الآن لم تُشكّل حكومة مدنية.

(3) حكومة د. كامل إدريس:

أدى الانقلاب، وعدم الاعتراف الدولي، ونشوب الحرب، وتفشي الفوضى والفساد المالي والإداري وسط مكونات حكومة بورتسودان، إلى فراغ سياسي يهدد بالانهيار، فضلًا عن تدهور الخدمات وخطورة الأوضاع الأمنية في العاصمة. كل ذلك خلق حاجة ماسة لحكومة مدنية قوية تفرض هيبة الدولة، وتجمع السلاح، وتستعيد الأمن، وتخطط لاستعادة الخدمات من صحة وتعليم وكهرباء ومياه في حدها الأدنى.

لذلك، كان قرار تعيين د. كامل رئيسًا للوزراء، بعيدًا عن دوافعه وعدم شرعيته، قد بعث بعض الأمل في النفوس. فحتى الذين سخروا من التعيين ظلّ يتراودهم شيء من الأمل في وجود حكومة مسؤولة تجاه قضايا المواطن الملحّة، بدليل متابعة وتفاعل الجميع مع مراحل تشكيل الوزارة، إلى أن اتضح أن د. كامل لا يملك من حكومة “الكفاءات المستقلة” التي وعدنا بها، سوى تسميتها بـ “حكومة الأمل”.

(4) حكومة ولاية الخرطوم:

تعاني ولاية الخرطوم دمار المنشآت العامة والخاصة وبنية الخدمات. حسب الإعلام، يبذل السيد الوالي مجهودات كبيرة لتوفير الخدمات الأساسية والأمن، بما يغري سكانها للعودة. لكن ما رشح ممن عادوا للخرطوم ثم غادروها، يكشف أن الأمر يفوق مقدراته وإمكاناته، خاصة فيما يتعلق بالحالة الأمنية وكثرة الأجانب وحملة السلاح.

أكد الوالي بنفسه حقيقة خطورة الوضع الأمني بقراره المخيف الذي يناشد فيه المواطنين بالعودة مقابل توزيع السلاح عليهم لحماية أنفسهم!

مواطنو العاصمة معظمهم يعانون أوضاعًا قاسية في نزوحهم الداخلي والخارجي، ومشاكل تعليم الأبناء، بما يجعلهم على استعداد للعودة وتجاوز ما لحق ببيوتهم ومحتوياتها من دمار ونهب. لكن عدم وجود الأمن، لدرجة أن يُطلب منهم حمل السلاح لحماية أنفسهم، قد يجعل الكثيرين يُمسكون عن العودة.

(5) تحالف “تقدّم”:

تحالف مدني يُمثّل أهم تيارات قوى الثورة، تأسّس في مصر بعد الحرب بقيادة د. حمدوك. يضم كيانات منها أحزاب من قوى الحرية والتغيير، وممثلين عن بعض قوى الثورة، وشخصيات مدنية مستقلة. يتبنى موقفًا رافضًا للحرب، ويدعو لإنهاء الانقلاب والعودة لمسار التحول الديمقراطي، بما يعكس تطلعات غالبية الشعب السوداني.

نشبت داخله خلافات حول مقترح تشكيل حكومة مدنية مدعومة عسكريًا في مناطق الدعم السريع، مما أدى إلى انشقاق حركتي الهادي إدريس والطاهر حجر، وقيادات مدنية بارزة، فتحوّل ما تبقّى إلى تحالف جديد باسم “صمود”.

ظل هذا التحالف يواجه تحديات عدم الفاعلية، فهو لا يملك أدوات ضغط مؤثرة، لأنه ليس طرفًا في الحرب، وبلا حاضنة جماهيرية نتيجة التشرد الداخلي والخارجي، وانقسام القوى المدنية. لذا، اقتصرت تحركاته غالبًا على مناشدة قادة الانقلاب والمجتمع الدولي، الذي يصنف الحرب السودانية كأزمة داخلية معقدة. كما تتداخل وتتصادم مصالح إقليمية ودولية حول السودان، ولذلك يتم التعامل خارجيا مع الأزمة السودانية ببرود.

(6) الأحزاب السياسية:

ليس لها وجود مستقل مؤثر في المشهد. بعضها فضّل الصمت، وبعضها يعاني من الانشقاقات والتصدعات الداخلية، وبعض كوادرها أصبحت موزعة ما بين “صمود” و”تأسيس”، وبعضها عُرضة للاستقطاب.

(7) الشعب السوداني:

هو الحاضر المُغيَّب عن المشهد؛ يُستدعى كشعار، ويُستبعد كصاحب مصلحة حقيقية.

—

ثانيًا: احتمالات مآلات هذا المشهد:

▪التحالف بين قادة الانقلاب والحركات ضد الديمقراطية دوافعه مختلفة، فالأوائل همهم الإفلات من المحاسبة، بينما الحركات، رغم جريها الآن وراء مصالح خاصة، إلا أن مصالح شعب دارفور في السلام وعدالة الثروة والتنمية تظل قائمة. لذلك، هذا التحالف قابل للانفجار في أي وقت، خاصة مع وجود حركات أخرى ضمن تحالف “تأسيس” الذي يلبي مصالح أهل دارفور.

▪الحركات استعادت مواقعها في السلطة ليس بناءً على استحقاق أخلاقي أو سياسي مشروع، بل لأنها شريك في جريمة الحصول على سلطة غير شرعية، وتعرف خبايا ما يدور داخل هذه السلطة، وتشارك مكوناتها في فسادها، وبالتالي تعرف “من أين تُعض”، مما يجعل من الصعب إقصاؤها. ومثل هذا التحالف قابل للانهيار.

▪التحالف بين قادة الانقلاب والإسلاميين تحالف اضطراري، يعاني من اختلاف الأجندات وانعدام رؤية مشتركة لإدارة الدولة. قادة الانقلاب قد يجدون أنفسهم مضطرين للتفاوض على خروجهم من المشهد، بينما يتمسك الإسلاميون بالحكم، رافضين دعوات المصالحة، ليس لتجنب دفع استحقاقاتها فحسب، ولكن أيضًا لأن فكرة الإسلام السياسي فكرة إقصائية. لذلك، هذا التحالف تسوده الهواجس وانعدام الثقة، حيث يخشى كل طرف غدر الآخر، مما يجعله تحالفًا هشًّا قابلًا للانفجار.

▪مناخ الحكم الحالي في مجمله، شديد الاضطراب وينذر بالانفجار. فالإسلاميون يسعون لاستمالة الدعم السريع لتحالف جديد، لكن انخراط الأخير في تحالف “تأسيس” يعرقل ذلك. في المقابل، تحاول قوى الثورة التفاوض مع البرهان ورفاقه لتسوية تضمن خروجهم من المشهد، غير أن هؤلاء يخضعون لرقابة مشددة من حلفائهم الإسلاميين. وسط هذه التجاذبات المعقدة، تبدو الحركات المسلحة فرع بورتسودان، وكأنها فاقدة للهوية السياسية والمبدئية، وتتحول من فاعل مؤثر الي ضحية محتملة لهذه الصراعات.

▪تحالف “تأسيس”، رغم أنه يقوم على رؤية واضحة وطرح حلول للأزمة السودانية، إلا أنه يُنظر إليه بأنه تحالف أصحاب البندقية. وأكثر من ذلك، فإن رئاسة الفريق حميدتي للتحالف، رغم وجود الكوادر السياسية المؤهلة، جعلت البعض ينظر إليه كنوع من غسيل اليدين الملطخة بدماء الشعب. ثم تبقى هواجس حول جدية عبد العزيز الحلو في طرح الحلول والرغبة الأكيدة في السلام والوحدة. وهل تُعدّ تلك الحلول أجندة تفاوض قابلة للنقاش، أم مسلمات مفروضة بقوة السلاح، بما يضعنا بين مطرقة أيديولوجيا دينية متطرفة وسندان أيديولوجيا علمانية لا تقل عنها تصلبًا؟!!

أخيرًا:

في ضوء ما أوجزتُ، يبدو أن المستقبل القريب يحمل تحديات جسيمة، ومع ذلك، سيأتي اليوم الذي تكون فيه إرادة الشعب السوداني هي الغالبة.
نسأل الله أن يُلهمنا جميعًا السداد، ويهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

[email protected]

‫12 تعليقات

  1. (( فكرة الاسلام السياسي )) اقصائية ؟ لما تحاولون عرض هذه المجموعة على انها هي المجموعة الوحيدة الراعية للاسلام وهو دين غالبية سكان السودان (95%) وهي اصلا مجموعة سياسية او حزب كبقية الاحزاب وهي بكل اسف هي افضل حزب في السودان على علاتها وممارساتها المخزية اما بقية الاحزاب فعلاتها وممارساتها اخزي من هذه المجموعة وشعبيتها اقصد الاحزاب المناوئة لمن سميتهم اسلاميين جماهيرها اقل وهي مجتمعة ضد حزب الموتمر الوطني … كلمة الاسلام السياسي هي رسالة مقصود بها العالم الخارجي ليقوم هذا العالم الظالم بتحجيمهم لصالح خصومهم الموسف انها هي رافعة لهم ان كانت موجهة للشعب السوداني المسلم اي انها تقابل فكرة خصومهم العلمانيين التي تعني وجود دولة ليس لها دين او اخلاق او هوية اي دولة مجموعات بينها مشترك مادي مهما حاولو تزيين الجوانب الثقافية الاخرى الاسلام مشترك اعظم وافضل من اي رابط
    اتركوا الكلام الموجه للخارج عن موضوع اسلام سياسي تحاوروا كاحزاب وطنية ( الاحزاب ذات الصبغة الاسلامية موجودة في كل مكان في العالم ويتم التعامل معها كاحزاب وطنية مثال : الاردن باكستان تونس موريتانيا الجزائر واندونسيا وغيرها ) الرسالة الموجه للخارج التي تتحدث عن اسلام سياسي هي رسالة للخارج ضارة جدا هي التي فتحت المجال للتدخل الخارجي الذي تجلى واضح في هذه الحرب الماثلة وتمويلها واجندتها …….
    عاملوهم كاحزاب وطنية ومن اجرم منهم يقدم للعدالة النزيهة عند توفرها ……..

    1. السودان به مسلمين أصحاب تصوف و هم من ربوا الشعب السودانى على أخلاق الدين الاسلامى و محبة النبى صلى الله عليه وسلم اما الإخوان المسلمون هم من استغلوا حب الشعب السودانى للدين و التدين و تاجروا بالدين فهؤلاء كشفهم للشعب السوداني و كشف كذبهم و ضلالهم و زيفهم لتعريتهم أمام المضلالين من الشعب السودانى و المعنى فى المقام الاول الشعب السودانى و ليس الخارج كما تداعى ژ

    2. يا صديقي بعد ثورة ديسمبر ظهرت تيارات هدامة تريد أن تجرم كل ماهو اسلامي يدعو إلي الفضيلة وترفع شأن كل ماهو علماني فاسق يدعوا الي فعل كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

      1. يا كيمو اين الفضيلة وهل عرفت الجبهة الاسلاموية الفضيلة منذ تاسيسها وقد طالت الرذيلة أغلب شيوخها القدامى والحديثين نعم الاسلام يدعو الى الفضيلة وكريم الاخلاق ولكن اولئك اللصوص السارقون من أعضاء الجبهة وكانهم فى مسابقة للاتيان بكل ماهو مأفون فى سلوكهم اليومى حتى فى تناولهم لطعامهم كانوا نهمين ولم يتعففوا او تحديدا لم تعرف العفة ايديهم لانها امتدت وقضت على كل جميل.. او تذكر لماذا ضرب الصصحفى محمد طه محمد أحمد وهو أحد أقلامهم التى سلطت على شعب السودان .. الاجابة ببساطة لانه كتب فى مقالته على جريده الوفاق قائلا .. ياخرطوم جوطى ….جوطى لن يحكمنا الترابى الشيخ…ال…طى.. أعف عن ذكر الصفة.. وكلهم مثله وقد أسموا انفسهم شيوخا… زناة نهار رمضان والعياذ بالله… فهم من اتى بنظرية الجسد فاسد والروح طاهرة ونظل تردد الفضيلة التى ذبحت فى ردهات تنظيم الجبهة الاسلاموية الا ما ندر..

    3. سيد عبدالحكم (يوسف) ..
      الدولة ليست لها دين ، الدولة/الحكومة/السلطة موظف لدى الشعب مهمته توفير الطعام والماء والأمن والرعاية ، وليس من مهام الدولة نشر الاسلام في العالم ومعاونة الدواعش والحركات الاسلامية في بلاد الشام او حماس في غزة او وبوكا حرام في غرب افريقيا او تحرير القدس او رعاية المليشيات ، وقتل المواطنيين السودانيين واغتصابهم في بيوت الاشباح ، هذا ليس دورها ، عرفت ليه نحن قاعدين بجدارة في مؤخرة الامم ، بينما تقدمت الدول الافريقية الفقيرة حولنا ، انظر لاثيوبيا ورواندا وتنزانيا ، بل انظر لتشاد ، واخير اتى لنا اسلامكم السياسي ودين الدولة بهذه الحرب المدمرة .. والتقسيم قادم .

  2. يا مولانا خلينا في موضوعنا القديم وكيف أنك كنت ضمن من حارب ثورة ديسمبر المجيدة من خلال مناهضة قرارات لجنة إزالة التمكين … وبهذه المناسبة أدعوك إلى قراءاة مقال ( محرروا الركوبة اليوم ) بعنوان (العدالة المخطوفة.. محامية سودانية تكشف كيف أدار الإخوان القضاء من داخل السجون) هذا القضاء الذي زعمت أنه مستقل وزعمت حمايته وههللت لأحكام أبوسبيحة من أجله ….. أيه رأيك تحدثنا عن وجهة نظرك في مناهضة قرارات لجنة إزالة التمكين وانتقادها يمكن أن نغير رأينا فيك ؟
    أما موضوع سرد الحواث المعاصرة والتعليق عليها فهذا بمقدور كل فرد …. أما المواقف الحقيقة في القضايا المصيرية فلا يصنعها إلا الرجال .

    1. لله درك يا بالمرصاد
      فعلا القضاء مختطف من الكيزان
      وكل الشعب السوداني رهينة بيد الكيزان و جنجويدهم وبراؤوهم وما يصنعون من مليشيات و حركات مسلحة و مفلخة
      مولانا عبدالقادر أبحث عن حل
      لماساة القضاء و العدالة
      أترك عنك الكتابة فى الشأن العام
      خذلناك للثورة والشباب كارثة و فضيحة

  3. ضباط وطنيون احرار مستقلون ربما يكون بيدهم الحل لتخليص الشعب من الكيزان وجنجويدهم وبراؤوهم وكيكلهم وما يتقياوون وان غدا لناظره قريب

  4. يقول المعلق عبد الحكم علي :
    فكرة خصومهم العلمانيين التي تعني وجود دولة ليس لها دين او اخلاق او هوية اي دولة مجموعات بينها مشترك مادي مهما حاولو تزيين الجوانب الثقافية الاخرى ثم قال : الاسلام مشترك اعظم وافضل من اي رابط .

    واضح جدا ياسيد عبد الحكم ان فهمك عن العلمانيه وعن معني الدوله كشخصيه اعتباريه قاصر جدا جدا
    انت عندما تقول ان العلمانيه تعني دوله ليس لها دين ولم نسمع ان هناك دوله لها دين لسبب بسيط جدا اوضحه المغفور له باذن الله المرحوم دكتور جون قرنق دي مابيور وهي توضيحات مبذوله علي الانترنت لو اردت معرفتها وبالطبع لا معني لان تكون هناك دوله ذات اخلاق اصلا ولو دققت النظر ورجعت للدراسات التي اعدها من هم اعلم مني ومنك ومن كثير ستجد ان الاسلام دين علماني بامتياز فلا اكراه فيه ولا تمييز او لفضل احد علي احد لاسباب الدين واللون والعرق فضلا علي ان الاسلام يسع الجميع وهي علاقه بين العبد وربه وهذه النقطه بالذات تؤرق وتضايق اصحاب الاسلام السياسي فهم يريدون ان يكونوا وبالاكراه وكلاء الله في الارض
    ثم ترد علي نفسك في تناقض واضح عجيب ان دل علي شي يدل علي انك اصلا تردد ماتسمعه فقط دون ادني محاوله منك للتفكير فعندما تقول ان الاسلام مشترك اعظم وافضل من اي رابط فهذه عبارة حق اريد بها باطل فالاسلام ليس الدين الاوحد ف السودان وان ادعائك ان 95% من اهل السودان يدينون بالاسلام لاتسنده اي براهين او بينات مقنعه بل كلام يردده جماعة الاسلام السياسي المصرين علي حكم السودان ثانيه وهم من فشل طوال اكثر من 30 سنه عندما احتلوا وحكموا السودان حتي اقتلعتهم ثورة الفكر والوعي التي لم تشهد بلادنا مثيلا لها طوال تاريخه

  5. الأستاذ المحترم عبدالحكم،
    تحية طيبة،
    أشكرك على مداخلتك ونبرتها الموضوعية. فقط أرجو أن أوضح:

    المقال لم يكن في سياق المقارنة بين حزب المؤتمر الوطني وبقية الأحزاب، بل محاولة لقراءة المشهد ومآلاته المحتملة، فهو أقرب إلى التقرير الاستقصائي في جزئه الأول، وإلى استشراف المآلات المحتملة في جزئه الثاني. وهي، بلا شك، وجهة نظر قابلة للنقد.

    القول بأن “فكرة الإسلام السياسي إقصائية” ليس انتقاصا من الدين أو التدين؛ فأنا لا أتحدث عن المرجعية الدينية، بل عن توظيفها الحزبي السياسي بما يمس قدسية الدين وتعاليمه. وحتى العلمانية، إذا كانت تهدف إلى إبعاد الدين عن حياة الناس باسم الحرية، فتعتبر فكرة إقصائية.
    تجربة الإسلاميين في السودان، بلا شك، تجربة إقصائية لأنها:

    غرست مفاهيم خاطئة بوضعها طريقين: إما أن تكون “معنا” فتعد مسلما، أو “ضدنا” فتكفر .

    اعتمدت على الحكم الشمولي، وهو نظام إقصائي بطبيعته.

    لم تعترف بالتنوع الديني والثقافي في السودان، مما مس حق المواطنة.

    في الواقع العملي، فإن تجربة الإسلام السياسي في السودان، وكما تراها أنت أيضا، كانت ولا تزال قاسية ومؤلمة. لقد أدى تصنيف الناس وفق مفهومي “مع” و”ضد” إلى حالة التشظي التي نعيشها اليوم؛ إذ شوّشت على الكثيرين، خاصة الشباب، وخلقت مشاكل داخل الأسر والأقارب والمجتمع عمومًا. فضلا عما مورس، ولا يزال، من فساد وإفساد مالي وإداري، ومصادرة للحريات، وسفك للدماء باسم الدين.

    أما قولك إن مصطلح “الإسلام السياسي” يُستخدم لمخاطبة الخارج، فلا يعكس غرض هذا المقال، الذي يركّز على مستقبل البلاد، وعلى حق الشعب في الحرية والسلام والعدالة وتداول السلطة سلميا.
    لك الاحترام والتقدير.

  6. السيد (بالمرصاد)،
    تحية واحتراما،

    أما وقد قررت الرد على مداخلاتك في مقالاتي المتنوعة، بتركيزك على موضوع معين، فدعني في البداية أوضح بعض النقاط المهمة، ليكون الحوار بيننا محترمًا ومثمرًا:
    1. أهمية الكتابة أنها تسهّل عرض وجهات النظر، وتفتح بابًا للحوار الموضوعي لتقريب الفهم بين الآراء المختلفة، أو ترسيخ الاختلاف الواعي. فحتى الآراء الخاطئة تساهم في بلورة الرأي الأقرب إلى الصواب، ولهذا يُقال إن الرأي الصحيح يُولد من رحم الرأي الخطأ.

    2. عدم تحمّسي للدخول معك في حوار سببه أن الأسلوب الذي تكتب به لا يوحي بأنك تسعى إلى حوار موضوعي، بل تركّز على التجريح، ناسيًا أن من يطرح رأيه وينشره للعلن لا يُعير اهتمامًا للإساءات الشخصية، لأنها لا تمسّه بقدر ما تعبّر عن أصحابها.

    3. حتى لو تجاوزت ورددت على الموضوع، فأنت تكتب باسم حركي، ومداخلاتك لا توضّح خلفيتك المهنية ولا مدى إلمامك بجوانب الموضوع، مما يصعّب عليّ اختيار الطريقة الأنسب لتسهيل الفهم. فالمسألة لها جوانب دستورية وقانونية معقدة، خصوصًا لمن لا يملك خلفية قانونية.

    4. تعليقاتك التي تركّز على التجريح الشخصي، رغم وجود لجنة مختصة بمراقبة ما يُنشر، جعلت امتناعي عن الرد يُفهم، من قِبل بعض المتداخلين، وكأنه إقرار بصحة اتهامك لي بالوقوف ضد إزالة التمكين. لذلك، رأيت من الضروري الرد، ليس دفاعًا عن موقفي الشخصي، بل لأننا نمرّ بمرحلة تتطلب تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة، والتعامل بعقلانية، بعيدًا عن الحماس والاندفاع غير الواعي في تبنّي المواقف. فهذه مفاهيم لعينة، أغلقت باب الحوار، وفتحت باب التخوين رغم وحدة الهدف، وبثّت الخلافات، وخلقت المناخ المحتقن الذي نعيشه اليوم.

    5. لذلك، أناشدك، من باب النصيحة، أن تراجع نبرتك، التي تتسم بطابع عدائي وتخويني وإقصائي. فليس من حق أحد أن يمنح نفسه سلطة الحكم على الآخرين، ويتحدث وكأنه الوطني الوحيد وصاحب الثورة والوصي عليها، ويصيغ معايير الوطنية، ويحدّد من يحق له أن يكتب، وفي أي شأن يكتب.
    هذا الفهم، أخي الكريم، يُشكّل وبالًا على العمل العام، الذي لا يمكن أن ينهض إلا على أسس من الاحترام المتبادل، والتواضع في تبنّي وجهات النظر، والانفتاح على الرأي الآخر مهما كان حجم الخلافات.

    6. نصيحتك لي بأن أترك ما أكتب فيه، وأتحدث عن مناهضتي لقرارات لجنة إزالة التمكين، لأن “المواقف الحقيقية في القضايا المصيرية لا يصنعها إلا الرجال”، فأرجو أن تلاحظ أن هذا المقال يتناول موضوع الساعة، وأن أخطاء لجنة التفكيك – التي كتبت عنها في عدة مقالات سابقة – ليس من المناسب تكرارها الآن.
    ومهما يكن، فالأمر لا علاقة له بـ”الرجالة”، فالمواقف الوطنية يصنعها الرجال والنساء على حدّ سواء. وحتى إن أخذنا بمفهومك الخاطئ لـ”الرجالة”، فليس كريمًا في حقك أن تسمح لنفسك بالإساءة للآخرين وأنت تختبئ خلف اسم مستعار.

    ساواصل لآحقا، بالدخول في الموضوع على أمل أن تكون هذه المقدمة قد فتحت مساحات أرحب لحوار هادئ ومثمر بيننا، حول كل قضايا الوطن.
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..