سيرة ذاتية لقيدٍ وُلد فينا قبل أن نولد نحن فهل خرجنا من ديسمبر حقاً؟

إبراهيم برسي
“كل سلطة لا تُسائل ذاتها، تتحوّل إلى قيدٍ في العقل قبل أن تكون قيدًا في المعصم”… هكذا كتب أحد رفاق الطريق ذات مساءٍ شقيّ في أزقة أم درمان. ولعل هذه الجملة البسيطة تُكثّف مأساة الإنسان السوداني، لا في علاقته بالمستبد فحسب، بل في هشاشته حين يطلب التغيير دون أن يغيّر نفسه.
لسنواتٍ طويلة، حمّلنا الأنظمة مسؤولية ما نحن فيه: عبود، نميري، البشير، ثم ما بعد البشير من أشباح ترتدي البدلات العسكرية أو تستعير لسان الثورة. ولم نكذب. فالأنظمة في السودان لم تكن أنظمة حكم، بل آلات طحن، تُعيد صياغة الفرد ليشبه قبره أكثر مما يشبه مستقبله. لكن، في ذات الوقت، تجاهلنا سؤالًا أكثر مرارة: لماذا ظلّت هذه الأنظمة تنجح في كسرنا؟
في السودان، الاستبداد لا يبدأ من القصر الجمهوري، بل من البيت، من القسم الداخلي في الجامعة، من المايكروفون في صلاة الجمعة، من نشيد الصباح في المدرسة، من صوت الأب الذي يقول لابنه: “ما تدخل في السياسة”. كأن السياسة لعنة، والمواطنة ترف، والحرية خطأ أخلاقي.
كتب فرانز فانون عن “الذات المستعمَرة التي تُحب سلاسلها لأن الخلاص يُخيفها”. ويمكن أن نقرأ هذا في وجوهنا كل صباح: في ذلك المعلم الذي يُعلم الحفظ لا التفكير، في ذلك الموظف الذي يخاف من رئيسه أكثر مما يخاف من ضميره، في ذلك الشاب الذي يحتفل بذكرى الثورة ثم يتهامس بأن “العساكر أكان مشوا البلد حتولّع”.
أليس هذا هو الوجه الآخر للطغيان؟ أن يكون الطاغية خارج القصر وداخل الروح؟ أن نكره الجنرال، لكننا نُعيد إنتاج منطقه في علاقاتنا، في خطابنا، في طريقتنا في كتم الأسئلة أو تخوين المختلف؟
كل سلطة، حتى وإن سقطت بالشارع، تُعيد بناء نفسها إذا لم يُجتثّ جذعها من الوعي.
حين نادى الناس في ديسمبر: “حرية، سلام، وعدالة”، لم يكونوا فقط يهتفون، بل كانوا يُجرّبون النطق بلغة لم يعتادوها. لغة تُسائل الداخل قبل أن تُدين الخارج. لكنّ اللحظة ما لبثت أن تراجعت، حين بدأنا نبحث عن “قائد” جديد، أو “مخلّص”، أو “خبير دولي”، وكأننا نقول للعالم: نحن لا نثق بأنفسنا، أعطونا من يقودنا حتى لو قادنا إلى الموت.
التحرر الحقيقي ـ كما قال إدوارد سعيد ـ لا يتم حين يسقط العدو، بل حين تتوقف عن النظر إلى نفسك بعينيه.
والعدو في السودان ليس فقط المجلس العسكري أو الكيزان أو أمراء الميليشيات. العدو، أحيانًا، هو ذلك الصوت الذي يهمس لك: “ما في زول بيقدر يغيّر الحاصل”، أو “أحسن خليهم، البلد محتاجة حسم”، أو “السياسة وسخ، خلينا في حالنا”.
إن الإصلاح الذي لا يبدأ من الذات، من اللغة، من التربية، من فكرة السلطة نفسها، ليس إلا زيفًا آخر. نحن لا نحتاج إلى ترميم الدولة، بل إلى تفكيك العلاقة المرضيّة التي ربطتنا بها. لا يكفي أن نشتم الطغاة، يجب أن نُحاكم الجُبن الذي جعلنا نعيش معهم كل هذا العمر.
وكما كتب مهدي عامل: “ما من بنية قمعية إلا وتحمل في طياتها وعيًا يُبررها”، فإن كل فعل مقاومة حقيقي في السودان لا بد أن يبدأ من الوعي … لا الوعي بمعناه النخبوي، بل ذاك الذي يُعري التواطؤ اليومي، ويكسر الصمت الموروث، ويعيد تعريف الرجولة والشجاعة والكرامة، لا كمفردات فارغة، بل كأفعال تُمارس في مواجهة الطاغية، أيا كانت صورته.
البلاد لا تتحرّر بالنيّات، ولا بالخطب، ولا بالتمائم. تتحرّر حين يتوقّف الناس عن انتظار البطل، ويبدؤون في مساءلة أنفسهم : هل نريد التغيير حقًا؟ أم نريد فقط وجهًا جديدًا للخراب القديم؟
في السودان، نحن لا نعيش أزمة نظام فقط، بل أزمة وعي، أزمة نفس تهرّبت طويلًا من مواجهة ذاتها، وفضّلت العزاء بدل الفعل.
وهنا، يبدأ العمل الحقيقي : لا كحلم، بل كمساءلة … لا كثورة مؤجلة، بل كتمرّد يومي على الطغاة الذين يسكنون فينا.




صدقت نحن مجتمع يخشي مواجهة الحقيقة ويتواري خلف الحائط ليتقدم غيره ويكشف له الطريق ان كان ءامنا سار خلفه وان كان غير ءامن رجع الي الحائط ليحتمي به الي ان يموت او تنقذه الارادة الالهية وكانه لا عقل له يخلصه فالكيزان والنخب يكشفون الطريق للمواطن فمن تبعهم فهو منهم ومن رجع الي الحائط يظل منتظر اما الموت اما النجاة تبا للخرب ونعم لسلام والحكم المدني
(( يطلب التغيير دون أن يغيّر نفسه.)) هذه هي مشكلة الانسان السوداني هي هي . سهل جدا ان يثور ملايين في وقت واحدة بعد المساعدات الكبيرة التي توفرت بفعل التطور التكنلوجي ليجبروا اي مستبد على ترك الحكم . هل المشكلة في الحاكم وحده ؟ من اين اتي هذا الحاكم ومن عاونه حتى وصل لحالة الاستبداد المزعوم من ادعياء السياسة والفهم والتعليم ادعياء الوصاية على هذا الشعب المنكوب ……………
أختلف معك في دعوة الكل لممارسة ااسياسة لان السياسية في السودان غالباً تمارس دون وعي وفهم ورشد والاعتراف بالآخر الذي يخالف منظومة القطيع (الحزب) ولدينا أمثلة كثيرة لمن قال الصواب وحكم عليه بالخارج عن سياسات الحزب… ممارسة السياسة في السودان تعني الحصول على أكبر قدر من المصالح الشخصية والتسلط وفرض الرأي بالقوة..سلاح او مظاهرات او إضراب يشل البلد المهم تمرير ما يؤمن به ممارسو السياسة … نحن ليس في حاجة للانتماء السياسي بل في حاجة ماسة للانتماء الوطني الحقيقي الذي يجعل الإنسان عين ساهرة لحماية وطنه أمنياً واقنصادياً وثقافياً ويجعل المواطن يؤمن بأن العمل أقصر طريق للرزق وليس الانتظار في صف المنح والاعانات التي لها ثمن ..وأن الكل سواسية في السراء والضراء والحقوق والواجبات وأن التمييز لا مكان له في وطن ملك للجميع… أما الأحزاب التي كل همها الوصول لكراسي الحكم فلا حاجة لنا بها ولا نتشرف بالانتماء لها. واختلف معك ما هلكنا إلا ممارسة السياسة كفعل يومي ودائم يمهد لمن يمارسه سلطة او مصلحة وليس وسيلة للمسغزة والإصلاح والعدل والتنمية المستدامة
well come back