مقالات وآراء

كامل إدريس… حينما يكون “اللقب” أكبر من الحُلم وأصغر من الوطن

مهدي داود الخليفة

في ظل الأوضاع المعقدة التي تمر بها السودان، وفي لحظة تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية بالضغوط الخارجية، تم الإعلان مؤخرًا عن تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا حول طبيعة المرحلة، وأولويات الانتقال، ومدى قدرة أي شخصية مدنية على القيام بدور محوري وسط بيئة تغلب عليها الاستقطابات العسكرية، والاصطفافات الإقليمية، والانقسامات السياسية العميقة.

جاء تعيين الدكتور كامل إدريس في وقت تشهد فيه البلاد فراغًا تنفيذيًا مطولًا، واستقطابًا سياسيًا حادًا، واستمرارًا لحرب مدمّرة تقوّض وحدة الدولة ومقومات الحكم المدني. وفي ظل تصاعد الضغوط الدولية، ومحاولات المؤسسة العسكرية تخفيف عزلتها، بدا هذا التعيين محاولة لإبراز واجهة مدنية تُقدَّم للعالم على أنها خطوة نحو استعادة الحكم المدني، في حين أن الظروف السياسية المصاحبة لا توحي بإمكانية ممارسة أي سلطات فعلية لرئيس الوزراء دون توافق داخلي حقيقي.

من هذا المنطلق، لا يمكن فصل تعيين إدريس عن الرغبة في إرسال إشارات تهدئة للخارج، أكثر من كونه تعبيرًا عن توافق وطني داخلي. التحليل الواقعي يشير إلى أن صلاحيات رئيس الوزراء المعيّن ستكون – على الأرجح – محدودة ومحكومة بخطوط حمراء تفرضها سلطة الأمر الواقع.

ومن غير المرجّح أن يُمنح إدريس القدرة على تشكيل حكومة ذات طابع مستقل، أو التحرك بحرية في ملف السلام، أو الانخراط في مشاورات سياسية شاملة مع مختلف أطراف الأزمة. الأمر الذي يُعزز هذه الفرضية هو غياب برنامج معلن متكامل من قبل رئيس الوزراء الجديد، وعدم توفر قاعدة سياسية أو اجتماعية له داخل السودان، مما يجعله – عمليًا – معتمدًا في وجوده على الدعم القادم من السلطة التي عيّنته، وليس من شرعية شعبية أو سياسية متجذرة.

من حيث التقدير السياسي، فإن مساهمة الدكتور إدريس في وقف الحرب تبدو محدودة في هذه المرحلة، لأسباب عدة: تعيينه تم من طرف رئيسي في النزاع (القوات المسلحة)، وهو ما يضعف موقفه التوفيقي ويفقده عنصر الحياد الضروري لأي مبادرة حوار. لا تربطه علاقات سياسية أو مجتمعية مع الأطراف المدنية المؤثرة، ولا توجد قنوات مفتوحة بينه وبين قيادة قوات الدعم السريع. القوى المدنية الرئيسية لم تُبدِ حماسة أو قبولًا واسعًا لهذا التعيين، مما يضعف فرص أي شراكة سياسية حقيقية.

لا شك أن الدكتور إدريس يمتلك خلفية أكاديمية وإدارية مرموقة، خاصة من خلال عمله السابق في المنظمة العالمية للملكية الفكرية. لكن تعرّضه لتحقيقات أممية تتعلق بتضارب في البيانات الشخصية والمهنية، ثم استقالته من منصبه عام 2009، أثّر على حضوره الدولي لاحقًا، إذ لم يُعاد تعيينه في أي منصب استشاري أممي منذ ذلك الحين، وهو مؤشر سلبي يطرح تساؤلات حول مستويات الثقة الدولية المتاحة له اليوم. من الملاحظ أن الدكتور إدريس لم يكن فاعلًا في مشهد الثورة السودانية منذ اندلاعها عام 2018، ولم يُعرف عنه تواصل مباشر مع القوى المدنية، أو مساهمات في العمل الحزبي داخل البلاد. وحتى في أوساط الجاليات السودانية بالخارج، لم يظهر له نشاط واضح يعكس انخراطًا حقيقيًا في القضايا الوطنية الراهنة.

غياب هذا التواصل يجعل من الصعب بناء توافق سياسي حوله في الداخل، وهو شرط أساسي لأي عملية انتقالية ناجحة. رغم أن تعيين إدريس قد يكون مقبولًا لبعض الجهات الدولية كخطوة شكلية نحو استعادة الحكم المدني، فإن العقبات تبقى قائمة في ما يخص بناء شراكة استراتيجية مع مؤسسات الأمم المتحدة أو المؤسسات الدولية المعنية بالسلام، بسبب التباينات في سجل النزاهة والمساءلة. فضلاً عن ذلك، فإن المجتمع الدولي أصبح أكثر حساسية تجاه مسألة تمكين الشخصيات التي سبق وأن أثيرت حولها قضايا تتعلق بالمصداقية أو تضارب المصالح، خاصة في سياقات ما بعد النزاع، حيث تكون الثقة شرطًا أساسيًا لأي تدخل دعم أو وساطة.

إن تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء لا يمكن اعتباره – في حد ذاته – خطوة إصلاحية حقيقية، ما لم يكن جزءًا من رؤية متكاملة تُشرك القوى السياسية والمدنية، وتُخضع المؤسسات العسكرية للمساءلة، وتُؤسس لمسار انتقالي عادل وشفاف. أما إذا بقي الأمر على ما هو عليه – تعيين مدنيين دون صلاحيات، وتكوين حكومات شكلية دون توافق – فإن السودان سيكون أمام تكرار لذات التجارب التي أوصلته إلى حالة الانهيار الحالية. التاريخ السياسي السوداني أثبت أن الشرعية لا تُمنح من فوق، بل تُكتسب من تحت: من الشعب، من الثقة، ومن القدرة على الجمع بين النزاهة والواقعية. ومهما كانت نوايا الشخصيات المعينة، فإن المؤسسات هي التي تصنع التحول، وليس الأفراد مهما علا شأنهم.

وختامًا، فإن نجاح المرحلة الحالية لا تتطلب “أسماء جديدة” بقدر ما يتطلب مناخًا سياسيًا جديدًا، قوامه الشفافية، والشراكة، والوضوح أمام مطالب الشعب.

‫2 تعليقات

  1. تعين الدكتور كامل جاء لانقاذ حكومة البرهان بعد ان شعرت بخطورة تحركات مجموعة تأسيس ومجموعة صمود فهي مجموعات سياسية وتحمل خطاب سياسي وتحدث العالم عن ضرورة السلام وايقاف حرب السودان، اما حكومة بورتسودان العسكرية التي فشلت في ايجاد وزير خارجية مدني ليحمل خطابها السياسي الذي يختصر الحرب في ان يصنف العالم الدعم السريع جماعة إرهابية. فلجأت الي تعيين رئيس وزراء ليكون مذني ينفى عنها تهمت الانتماء لجماعة الاخوان المسلمين، فجاء اختيار دكنور كمال الذي هو نفسة كان في عزلة بعد تهم التزوير ويحتاج ليظهر للاضواء ثانية لكن للاسف الاثنان غريقان (الجنرال الانقلابي والدكتور المتهم ) ولايمكن للغريق ان ينفذ غريق .

    1. شكرا استاذ علي بابكر على التوضيح والاختصار، هناك كثيرون من المغيبين عقليا يظنون ان جيش المخانيث قد يجلب لهم خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..