مقالات وآراء

(البرهان) الجائع الذي لم يشبع

قراءة نفسية/ سياسية في سلوك قائد بلا مشروع

اكرم ابراهيم البكري

من عرف الجوع لا يشفى منه، بل يحمله في دمه مثل لعنة، تتجلى في كل قرار وكل خيانة……….
بهذا التوصيف يمكن الدخول إلى فهم أعمق لشخصية عبد الفتاح البرهان، الجنرال الذي اختطف اسم الدولة السودانية ليرضي جوعاً شخصيًا، لا مشروعاً وطنياً. فالرجل الذي نشأ في هامش المؤسسة العسكرية ولم يكن في يوم من الأيام لاعباً مركزياً في النظام السابق، وجد نفسه فجأة في مقعد القيادة العليا بعد سقوط البشير، لا لأنه كان الأجدر، بل لأنه كان الأقرب للطاعة، ولأنه يجيد فن الانحناء أمام القوى الكبرى سواء كانت داخلية أو خارجية.
الجوع النفسي من التهميش إلى التسلّط: –
عانى البرهان في بداياته من شعور دفين بالتهميش داخل المؤسسة العسكرية التي ظلت تُديرها نخب من مناطق السلطة والتاريخ. لم يكن أبّن عائلة ولا صاحب ولاء إسلامي راسخ، بل مجرد ضابط ميداني تعلّم الانضباط دون أن يتذوق معنى القرار. هذا الحرمان الرمزي وفق علم النفس السياسي ينتج نوعا من الجوع النفسي وهو ما يُفسر حدة تعلقه بالسلطة لاحقاً، وتشبثه بها حتى لو كانت تُدمر البلاد

يرى علماء النفس السياسي مثل هارولد لاسويل أن بعض القادة يصعدون للحكم لا لتحرير شعوبهم، بل لتحرير ذواتهم من عقد النقص القديمة، في حالة البرهان، لا نجد قائداً يحمل برنامجاً أو أطروحة وطنية، بل نرى شخصا يهرب من جوعه القديم عبر تخمة السلطة.
من لقمة الخبز إلى ولاء الدويلة والتبعية السياسية المقنّعة
ما يعمق هذه المأساة أن البرهان لم يكتف بالشبع من المال والجاه، بل باع كل ما يمكن بيعه لأطراف خارجية مقابل الحفاظ على موقعه لتحقيق حلم والده ، العلاقة العضوية بينه وبين بعض الدول الخليجية لم تعد سراً فقد كشفت تقارير لمركز الدراسات الإستراتيجية الدولية (CSIS) والجارديان عن دعم لوجستي ومالي تقدمه دولة خليجية لقادة سودانيين، مقابل خدمات جيوسياسية تشمل الحرب في اليمن والمتوقع في البحر الأحمر، وهو ما حول السودان إلى حقل نفوذ مدفوع الثمن
البرهان لم يكن أداة الدولة، بل أصبح أداة الدولة الشقيقة، التي تُطعم وتُشير، فيطيع ويُنفذ وهذا السلوك لا يصدر عن سياسي، بل عن جائع يعرف تماماً من أين تأتي لقمة البقاء، ويعلم أن الانحناء يجلب له الشبع، ولو على حساب الكرامة الوطنية.
الخيبة الكبرى حين يصبح الجيش شركة أمنية

أخطر ما أنتجه البرهان ليس الانقلاب فحسب، بل تشويه معنى الجيش ذاته. من مؤسسة وطنية يُفترض أن تحمي تراب البلاد، إلى شركة أمنية تُستأجر لمعارك الآخرين. وقد كشفت تقارير صحفية متعددة عن تورط قطاعات من الجيش السوداني في صراعات لا علاقة لها بالشعب، وبتنسيق مباشر مع أطراف إقليمية. حتى الحرب الحالية في السودان لم تعد صراعاً داخلياً بحت، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتلك التبعية التي رعاها البرهان
في الختام الجائع الدائم لا يُشفى يخطئ من يظن أن البرهان سيغادر السلطة طوعا أو أنه سيتحول يوماً إلى رجل دولة. فالجوع الذي يسكنه أعمق من أن يُشفى. فالرجل جاع طويلا، ولم يشبع فجأة، لن يترك المائدة إلا ميتاً. لكنه لا يدري أنه يبتلع الوطن معه.
الذين يحكمون بدافع الجوع، لا يبنون وطنًا، بل ينهشونه وهم يبتسمون.
محمود درويش مقتبس بتصرف
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..