حرية التفكير لا تحتاج لإذنٍ من أحد

حسن عبد الرضي الشيخ
حين كتبتُ مقالي المثير للجدل عن حكومة “السلام” التي أعلنها تحالف “تأسيس”، لم أفعل ذلك عن قناعة بمشروعهم، ولا انحيازًا إلى صفّهم، ولا ولاءً لأي جماعة سياسية كانت. لم أكن يومًا من “تأسيس”، ولن أكون تابعًا لغير عقلي وضميري. كتبتُ ما كتبت لأنني شعرت بمسؤوليتي — كمواطن حر وكاتب ملتزم — أن أضع النقاط على الحروف، وأن أفنّد حجة باطلة طالما تكررت حتى ظنّها الناس حقيقة: الحجة الزائفة بأن “تأسيس” تسعى لتقسيم الوطن!لو كانت بلادنا تفسح المجال للتفكير الحر، لما بدا مقالي مستفزًا لهذا الحد. لكنه — كما توقعت — أثار عاصفة من النقد المرتبك، والتأويلات المبتسرة، والتهم الجاهزة المعلّبة. وهذا ليس بغريب في بلد يُصادر فيه كل صوت مستقل، ويُرمى فيه كل من يغرّد خارج السرب باتهامات الخيانة أو التبعية أو الجنون.إن من يروّجون لفكرة أن تحالف “تأسيس” يُقسّم السودان، هم أنفسهم من مزّقوه بالفعل قبل أكثر من عقد، حين فصلوا جنوبه عن شماله باسم الدين تارة، وباسم الأمن القومي تارة أخرى، وكانت النتيجة كارثة لا تزال تدفع البلاد أثمانها الفادحة. هؤلاء هم من يباركون الخراب في دارفور، ويغتبطون بمآسي كردفان، ويفكرون بعقلية حاكِم الزقاق لا عقلية قائد وطن. لو طُرِح عليهم أن يحكموا كشكًا على شاطئ بورتسودان، لقبلوا وبايعوه حاكمًا شرعيًا للبلاد!أما “تأسيس”، فلم تأتِ على ظهر دبابة، رغم أن بعض مكوناتها ذات امتداد مسلح، شأنها في ذلك شأن معظم القوى التي أفرزها الواقع السوداني المضطرب. ولكنها لم تُقهر الناس، كما فعل الكيزان الذين أنشأوا من رحم فسادهم “الدعم السريع”، ذاك الكيان الذي ارتبط اسمه منذ نشأته بفظائع لا تُعد في دارفور وغيرها. أما الفصائل المدنية والسياسية في “تأسيس”، فمعظمها لم تُهجر قرًى، ولم تشعل حروبًا، ولم ترفع شعار “لا تفاوض، لا سلام”، بل قدّمت رؤية قابلة للنقاش والاتفاق والاختلاف — شأنها شأن أي مشروع سياسي عقلاني. في المقابل، فإن البرهان وزمرته هم من أحرقوا المدن، وهدموا القرى، وتسببوا في أكبر موجة نزوح ولجوء في تاريخ السودان، وهم من فشلوا في صون وحدة البلاد، لا في خريطتها الجغرافية فحسب، بل في نسيجها الوطني والإنساني.أقولها بوضوح لا لبس فيه: كتبتُ مقالي مدركًا تمامًا أنني سأُهاجم قبل أن يُفهم مقصدي، وأن سيلًا من النقد سيجرفني، لكنني لم أتردد، لأنني لا أطلب سلطةً، ولا أسعى إلى شهرة. أنا رجل يكتب لأنه يفكر، ويفكر لأنه حر. ولا أحد — كائنًا من كان — يملك أن يصادر حقي في التفكير أو يُملي عليّ ما أكتب أو أقول.ليست الكتابة عندي مقامًا للتزلف، ولا وسيلة للوجاهة. إنها مسؤولية. وأنا أتحمل مسؤولية كل كلمة أكتبها، وأقف وراء كل فكرة أطرحها. لا أخشى في قول الحق لومة لائم، ولا أرتعب من سخريّة أو ازدراء، لأنني أعلم جيدًا أن الحرية لا تُنال بلا ثمن، وأن معركة السودان الحقيقية ليست فقط بين قوى الثورة والثورة المضادة، بل بين من يجرؤون على التفكير، ومن يخشونه.وأخيرًا، شكري العميق لكل من أحسن الظن بي، وسؤالي البسيط للغاضبين: من الذي يقسّم السودان فعلًا؟ من يشعل النيران، أم من يطرح فكرة لإطفائها.



