مقالات وآراء

ود المبروك .. عالم يضج من (الحسد)

حاتم الياس

وأنا أبتدر هذه الكتابة، خطرت بذهني أغنية عبد العزيز المبارك “بتقولي لا”، لكن تحريف ما فرض نفسه ليعيد تحويل مسار الأغنية من تلك المشاعر الجميلة لشاعرها عثمان خالد، نحو ذلك الثقب الأسود من المشاعر السلبية التي تبتلع كل جميل مما يمكن أن يحمله الإنسان من مشاعر إيجابية وذكريات مشتركة، حَرِيَّة بأن توضع في مكان مخصوص وعزيز في القلب، لتتحول إلى رغبة تدميرية عارمة، وكأنها تعاقب رفاق الأمس وتقول لهم كما قال محمود درويش: (لماذا تركتم ود المبروك وحيداً؟).

ثمة مسافة جيلية بيني وبين ود المبروك، انتبهت لذلك مرة، وهو يحكي بفخر عن لقائه بالمفكر محمد عمارة حينما كانوا طلاباً في جامعة الخرطوم، يمثلون اتحادها، وقام دكتور حيدر إبراهيم علي وقتها (وكعادته النبيلة) بدعوة المفكرين العرب لمركز الدراسات السودانية، لكنه هذه المرة أراد أن يقوم بأمر مختلف، وهو أن يُمرر واحداً من هؤلاء المفكرين، وهو محمد عمارة، لطلاب جامعة الخرطوم واتحادها، وقتها المكوَّن من قوى وطنية ديمقراطية فازت بمقاعده.

وكان ذلك في وقت اتسع فيه هامش الحريات بعد اتفاقية السلام، وارتخت يد السلطة العنيفة والباطشة بعد أن أمن منسوبوها مساكنهم في قفا الشعب، فرأوا أن يُجرب أبناؤهم وطلابهم صدمة الفقدان حتى يقوى عودهم السياسي والتنظيمي.

كان ود المبروك من بين القادمين في زمن ذلك الارتخاء السلطوي وانحسار منسوب العنف السابق، الذي واجهه جيلي في التسعينات في جامعة الخرطوم وغيرها، حينما كان النفس يُحسب بمسافة السوط وسيور الكهرباء واللكمات العنيفة والزنازين المتعفنة. تسعينات كئيبة، كان الموقف فيها مدفوع الثمن فوراً من حسابات الحياة.

في ذلك الزمن، زرت كالعادة دكتور حيدر، قادماً من محكمة القسم الجنوبي. فحيدر هو من رعى حياتنا الطلابية في المغرب بفكره وتوجيهه وجيبه كذلك، لمن يمرض منا، ولمن يريد أن يُكمل تذكرة عودته. كان منزل حيدر إبراهيم علي في أقدال ليس مجرد منزل لمفكر يعمل في مركز دراسات الوحدة العربية، وإنما (زاوية) تُقدَّم فيها الطعام والعون والكتاب، ومعه زوجته الفاضلة (بنت القبائل) حياة.

قال لي دكتور حيدر إنه هذه المرة سيهدي المفكرين القادمين بدعوة منه إلى اتحاد جامعة الخرطوم، وهو قد عزم على ذلك، لكنه يبحث رأياً في الفكرة. فقلت له: (والله يا دكتور دي حاجة عظيمة، وجَوْك الطلبة ديل؟) فقال إنه اتفق معهم خلاص.

هدية دكتور حيدر لاتحاد جامعة الخرطوم أن تكون ندوة محمد عمارة تحت رعايتهم. كنتُ أنا شاهداً على عملية التغليف والإهداء، ليأتي ذلك القادم من بادية الكبابيش، إثر تطرف بيئي أصاب بيئة البلاد، ليقطن جهات أمبدة، ويجعل من محمد عمارة ذاكرة فريدة اختصه بها التاريخ.

ولعل مشكلة ود المبروك، إضافة إلى (العالم الذي يضج)، هو وجيله من طلائع الألفية الذين عاشوا على ضفة ما تلقيه من خيرات من مشاكوس ونيفاشا. هم تلقوا سعرات سياسية تفضلاً من المناخ العام الذي كان المسار العام يعبُره السودان، إضافة إلى المناخ العالمي، ولم يعيشوا فترة القمع التسعيني المتطرف، لذا رَسَخَ في وعيهم أنهم استثنائيون وخطيرون. بعضهم نجا من هذا الوهم، وآخرون ظلوا يُمطرون الساحة بأوهام هذه الفرادة، ومنهم ود المبروك الذي أنجز كم كتاب بحجم مقال طويل، ثم دق عصاته في الساحة ليقول: أنا هنا مفكر وروائي وكاتب وصحفي!.

وفي كل ذلك، ينظر باتجاه الذاكرة، وكأنه يريد أن يُكبكب الأقدار ليسألها: لماذا ذلك الزميل وليس أنا؟ شايفه على شنو؟

هنا لا نكتب من بغضاء أو كراهية، أو حتى تبنٍ لمنهج الشتائم المنتشر الآن بين طائفة حرافيش البلابسة، لكننا فقط نريد أن نقول لود المبروك: أنت لست حالة عصية على الكشف، إنما أنت استمرار طبيعي لحسد طائفية الأفندية الأصيل منذ تقلد فيهم أول واحد وظيفة كاتب في الإدارة البريطانية، إلى آخر ود المبروك.

ثم يا حبيبنا، كندا على جمالها وسماحتها، وكلنا طبعاً نتمنى قِدْلَة فيها، لكنها تبقى، لمن يدعي أنه سياسي ومهم، مجرد طموح مراهق، لسياسي يريد أن يكافئ نفسه بعد أن أدخل أصدقاءه السجن، وحرض عليهم، وساهم بقوة في اقتلاعهم من السلطة المدنية، ليقول في ناصية مظلمة وهو يَصِرُّ أسنانه (من الفرح):
أولاد الـ… بتتجاهلوني أنا؟ أنا، الأتونست مع محمد عمارة؟

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..